شاركوا في مهمّتنا،
بل قودوها

غيّروا، لا تتأقلموا!
إرث والده وقربه من الشباب و"مخدّر المهدية"... هكذا بنى مقتدى الصدر شعبيته

إرث والده وقربه من الشباب و"مخدّر المهدية"... هكذا بنى مقتدى الصدر شعبيته

سياسة

الجمعة 2 سبتمبر 202205:33 م

تسارع وتيرة الأحداث السياسية في العراق، على إثر استمرار الانسداد السياسي بين الإطار التنسيقي الموالي لإيران، والتيار الصدري الذي يقوده مقتدى الصدر، دفع بالأخير إلى اقتحام نواة الحكم السياسي في المنطقة الخضراء وسط بغداد.

زعيم التيار الصدري اعتمد في "تكتيكه" على قدراته الجماهيرية في فرض آرائه، فالصدر الذي يبلغ 48 عاماً، يقود أكبر تيار شعبي وسياسي شيعي في البلاد، وتزيد خطواته المتخذة، وقربه من جمهوره، من مكانته يوماً بعد الآخر، وفق ما يبدو جلياً في أوساط العراقيين.

مدخل إلى الشعبية 

في كنف عائلة آل الصدر المعروفة دينياً في النجف، وُلد مقتدى عام 1974، لآية الله محمد صادق الصدر، الذي قُتل عام 1999، برفقة ولديه الآخرين، وبالرغم من أن للصدر شقيقاً يكبره ببضعة أعوام، إلا أن دور الأخير اقتصر على دعم أخيه الأصغر مقتدى، ومؤازرته.

بعد وفاة والده، بقي الصدر في بيئة أبيه في منطقة الحنانة التابعة للنجف الأشرف، وقاد منها إرثه العائلي المتمثل في الحوزة الناطقة والمكاتب التابعة لها، ومن هنا فقد مهّد قربه من جماهير أبيه لانطلاقته "القوية" عام 2003.

خطابات الصدر المشابهة لخطابات والده، وقربها من معاناة الشارع، واعتماده الأسلوب الصريح فيها، مع أتباعه ومع السلطة أيضاً، أضافت إليه رصيداً شعبياً كبيراً، وزرعت اعتقاداً لدى الكثير من العراقيين بأنه الوحيد القادر على إحداث التغيير، بالرغم من سلبيات الصدر وتقلباته المتراكمة، بالإضافة إلى خطواته المفاجئة والانفراد في اتخاذ القرارات، بحسب الباحث السياسي مجاهد الطائي.

ويقول الطائي، لرصيف22، إن "قرب عائلة الصدر من الطبقات الفقيرة والمهمشة، على عكس بقية القوى التي قامت بتهميشهم وازدرائهم بسبب انتشار الفقر بينهم، عزز من قرب جماهير التيار من مرجعيته".

بعد وفاة والده، بقي الصدر في بيئة أبيه في منطقة الحنانة التابعة للنجف الأشرف، وقاد منها إرثه العائلي المتمثل في الحوزة الناطقة والمكاتب التابعة لها

ويدرك الصدر مدى قوة علاقة الشارع بوالده، ويعمل على استثمار هذا الجانب دوماً في خطواته ونبرته في الحديث، بالإضافة إلى ارتدائه الكفن الذي عُرف به والده، وقيادته السيارة نفسها التي كان يستعملها أبوه.

الارتباط الروحي بين الجمهور ومحمد صادق الصدر، مستند إلى عربية مرجعيته، وابتعاده عن نهج إيران، ومرجعية الولي الفقيه، بالإضافة إلى إحيائه صلاة الجمعة، بحسب الباحث في الشأن العراقي رعد هاشم، الذي يضيف في حديثه إلى رصيف22، أن "تغذية الصدر لهذا الارتباط كانت بإضافة العديد من المعتقدات، التي زادت من شعبيته، ومنها انبراؤه لمقاومة القوات الأمريكية عام 2003، ولكن التأثير الأعظم تم بعد عودته إلى الحياة السياسية، بعد الانقطاع الذي فُرض عليه إثر حربه ضد القوات الأمريكية عام 2006".

وبحسب هاشم، فإن شعبية الصدر بدأت تتعزز أكثر وازداد التعاطف الجماهيري معه، نتيجة تبنّيه شعارات محاربة الفساد والمطالبة بالتغيير السياسي الجذري في بنية النظام وإبعاد الفاسدين عن السلطة.

وكان الصدر قد غادر العراق، بعد ملاحقته من قبل الولايات المتحدة، ووصفه بالرجل الأخطر على النفوذ الأمريكي في العراق، واتجه إلى مدينة قُم الإيرانية لإنهاء دراساته الحوزوية، حتى عودته إلى الواجهة عام 2011.

وتبنّى منذ ذلك التاريخ شعار الإصلاح، الذي جاوز شعبيته إلى خارج المكون الشيعي، ليشتمل على بقية أطياف العراق، ليكون أول قاعدة شعبية متنوعة، مكنته من فرض رأيه على الشارع، بالرغم من انسحابه من البرلمان وإعلانه اعتزال السياسة.

مقتدى في ذهنية الشباب

سارع الصدر منذ عام 2003، إلى تدشين مكاتبه داخل المناطق الفقيرة في جنوب العراق وشرق بغداد، من أجل الحفاظ على جماهير والده، وتميّز عن غيره من المرجعيات بإجاباته المباشرة على استفتاءات وأسئلة جمهوره المطروحة من خلال هذه المكاتب، بحسب مصدر في التيار الصدري.

ويقول لرصيف22، إن "قيادته المباشرة للعديد من الأنشطة الشبابية والتوعوية، عززت الوازع الشعبي إزاءه، مثل مشروع البنيان المرصوص، الذي يرى أن هذه الأنشطة زرعت شعوراً بالقرب من الصدر، من خلال فسحه المجال للانتماء إليها بشكل مباشر".

ويشبّه الباحث في علم النفس جبار محمد، تأثير هذه البرامج على الجمهور، بشعور الانتماء إلى جامعة أو معهد، وإحساس الانتماء إلى المكان والشخصيات الموجودة فيه، وتالياً يحافظ على هذا القرب حتى بعد تخرجه.

تساهل الصدر مع بعض القضايا الشبابية، وأباح بعض السلوكيات الاجتماعية، مثل ظاهرة العطواني، ومزاعم إباحته نوعاً من المخدرات سُمّي بالمهدية، وتستند فتواه إلى تلقّيه موافقةً مباشرةً بتحليلها من قبل الإمام المهدي

تساهل الصدر مع بعض القضايا الشبابية الرائجة في مناطقه، وإباحته بعض السلوكيات الاجتماعية الغريبة، مثل ظاهرة العطواني، ومزاعم إباحته نوعاً من أنواع المخدرات، سُمّي وقتها بالمهدية، وتستند فتواه بحسب المزاعم، إلى تلقّيه موافقةً مباشرةً بتحليلها من قبل الإمام المهدي، في أثناء لقاء جمعهما. وبالرغم من عدم القدرة على التأكد من صحة هذه المعلومات بشكل محايد، إلا أنها ساهمت بشكل أكيد في زيادة شعبيته بين بعض الأوساط الشبابية.

صورة مقتدى الصدر تحولت بذلك، من رجل دين إلى شخصية مقدسة تختلف عن بقية الشخصيات التي سرعان ما اعتكفت داخل بوتقة تخصصها الديني والسياسي، وابتعادها عن جمهورها، لتُشكَّل ظاهرة عُرفت باسمه "الشباب المقتدائي".

يقول علي السلامي (24 عاماً)، من مدينة الصدر، إن سبب ولائه للصدر، يستند بشكل أساسي إلى قربه من الشارع، وإحساسه بوجود ظهير سياسي وديني له، ويؤكد أن تقليد مرجعية الصدر يختلف عن تقليد بقية المرجعيات، بقرب مرجعيته من الشباب على وجه الخصوص في المناطق الفقيرة.

وينظر الشباب إلى الصدر كمصدر حماية لهم ضد جميع القوى المحيطة بهم، وهي نتائج سياسته وخطبه المستمرة بين أتباعه، التي تُركّز على وجود متربصين بهم، وعملت البساطة الشعبية بين جمهوره على تضخيم هذه المعاني وزرعها في قلوب تابعيه، بالإضافة إلى انجذاب البعض الآخر إلى مظاهر القوة التي يبديها أتباعه.

ويبدو هذا الجانب جلياً من خلال حفاظه على بعض قيادات جيش المهدي التي ساهمت بشكل بارز في الصراع الطائفي الذي ساد البلاد في أعقاب تفجيرات سامراء عام 2006، مثل شخصية إسماعيل اللامي "أبو درع"، الذي لا يزال حاضراً بقوة في المشهد الصدري.

وكانت المجاميع الصدرية المنضوية ضمن قيادة مقتدى، قد ساهمت في غمار الاقتتال الطائفي، وبالرغم من أن هذه الفترة وضعت مقتدى الصدر قاب قوسين من الانقسام الاجتماعي تجاهه، لكن مسارعته إلى محاولة التبرؤ من هذه المجاميع، طوت عنه بعض هذه الاتهامات لدى فئات واسعة من العراقيين، فيما لا يزال بعض المراقبين للشأن العراقي ينظرون إلى هذا التبرؤ من زاوية تقلباته المستمرة.

حصن أتباعه

يؤكد محمد كريم (27 عاماً)، من منطقة الشعلة، أن الصدر ليس مجرد مرجعية دينية وسياسية، بل تنبع شعبيته من دفاعه المستمر عن حقوق أتباعه، ودعمه المستمر لتنمية مناطقهم.

وتشهد المناطق التي يسيطر عليها الصدر، تطوراً ملحوظاً في البنية التحتية، بالرغم من أن هذا التطور ليس بالمستوى المطلوب، إلا أنه شكل حافزاً شعبياً لزيادة إقبال الشباب نحوه.

الصدر ليس مجرد مرجعية دينية وسياسية، بل تنبع شعبيته من دفاعه المستمر عن حقوق أتباعه، ودعمه المستمر لتنمية مناطقهم

من جهته، يلفت سعد البيضاني (30 عاماً)، من قضاء المحمودية، إلى أن اتباع مرجعية الصدر، يستند إلى عنايته بالفقراء وتقديم الدعم لهم عن طريق مكاتبه، كما أن بساطة حياته الواضحة هي المحفز الذي ساهم في تقريب الجماهير منه.

أما أحمد عبد الموسوي (36 عاماً)، من منطقة الصدر، فيرى أن بساطة كلماته وتبسيطه للجوانب الدينية والسياسية جعلاه مرجعاً بارزاً للعديد من العوائل وزادا من قاعدته الاجتماعية.

سيادة النزعة العراقية ضد النفوذ الإيراني، جعلت منه التيار المفضل ليس بين الشيعة فحسب، بل حتى بين المكونات الأخرى، خاصةً بعد تظاهرات تشرين الأول/ أكتوبر عام 2019، نظراً إلى عداوته الصريحة لتدخلات طهران في الشأن العراقي، بالإضافة إلى أذرعها ومنها الحشد الشعبي، بحسب أحمد الشمسي (28 عاماً)، من منطقة أبو دشير في بغداد.

ويؤكد علي علي الجواد (30 عاماً)، من منطقة الشعب في بغداد، أن التيار لا يعتمد على المكاتب فحسب، للتواصل مع جمهوره، ولكنه يذهب إلى تحفيز الشباب للتواصل معه عبر مواقعه الإلكترونية وصفحات التواصل الاجتماعي، وهي خطوة سبّاقة، تتيح له الحفاظ على مكانته بغض النظر عن استمرار وجود المكاتب التابعة له.

وكان التيار الصدري قد أسس مواقع إلكترونيةً عدة على مدى السنوات السابقة، وقام بحملة ترويج لها داخل مناطق نفوذه، مثل موقع جوابنا، وصفحة وزير القائد محمد صالح العراقي، التي يستقي منها التيار "أوامره".

هل يستغلّ أتباعه؟

على النقيض من ذلك، يعتقد البعض أن الصدر استغل الطبقة الفقيرة وعمد إلى مسايرتها من خلال همومها من أجل تحقيق طموحاته، خاصةً أن مناطق انتشار أتباعه معروفة بشكل أو بآخر بضعفها ثقافياً وانتشار الفقر فيها.

‏وترى الباحثة الاجتماعية سجى خالد، أنه "من خلال اطلاعها على بيانات الشارع واللقاءات ببعض العوائل، تبدو هذه الولاءات كبيرةً داخل العوائل المتعففة، ويدفعها إلى دعمه شعورها بأن الصدر هو من يتولى أمرها، أو بالأصح انتظارها لهذا الإصلاح".

الصدر وبالرغم من تمسكه المستمر بمطالبه في تأسيس حكومة أغلبية، ولكنه  والمقربين منه، تنفسوا الصعداء بعد هذه المواجهة، ويُعدّ إصراره الحالي، إيهاماً لجمهوره برغبته في تحقيق مطالبهم

ولكن الصدر وبالرغم من مشاركته في الحكومات السابقة، وتسلمه وزارات عدة خلال الفترات السابقة، لم يحقق الإصلاح المنشود، بل على العكس طالت بعض وزاراته تهم فساد واستغلال المناصب.

الصدر سرعان ما كان يعلن براءته من المسؤولين عن هذه الفضائح، ويتجه إلى لوم كبار المسؤولين في الحكومة للوقوف في وجه مساعيه الإصلاحية، وهو ما قد يُعدّ إخلاءً لمسؤوليته، ويبرر بعضاً من التأييد الشعبي المتزايد.

وإدراك الصدر لضرورة السيطرة على الحكم، كان سيسمح له بتأسيس حكومة تلبّي طموحاته السياسية وتزيد من شعبيته في آن واحد، ولكنها في الوقت ذاته ستشكل حملاً ثقيلاً عليه، ليس من حيث فقدانه لجمهوره في حال فشله في تحقيق طموحات الناس، وهو ما يمكنه الالتفاف عليه بتبريرها بوجود أطراف تتدخل في الشأن الداخلي، بل بسبب التهديد الذي يشكله هذا الأمر على سمعة آل الصدر بشكل عام، بحسب مصدر مقرب من التيار الصدري.

ويقول المصدر لرصيف22، إن "الصدر وبالرغم من تمسكه المستمر بمطالبه في تأسيس حكومة أغلبية يقودها تياره، ولكنه بالإضافة إلى المقربين منه، تنفسوا الصعداء بعد هذه المواجهة، ويُعدّ إصراره الحالي، إيهاماً لجمهوره برغبته في تحقيق مطالبهم".

قاعدة الصدر الشعبية الواسعة، جعلته هدفاً لحلفاء طهران، فهو عدوها التقليدي في الوسط الشيعي العراقي، ويسعى إلى تقليص نفوذها

الاحتكام إلى الشارع

قاعدة الصدر الشعبية الواسعة، جعلته هدفاً لحلفاء طهران، فهو عدوها التقليدي في الوسط الشيعي العراقي، ويسعى إلى تقليص نفوذها، فيما تعتقد طهران بأن زيادة نفوذ الصدر، وسيطرته على الحكومة، سيحدان من سطوتها مقابل زيادة نفوذ قوى أخرى، عربية وأجنبية، ومنها تركيا والسعودية.

قدرة الصدر على إبراز وجوده عبر جماهيره، حتى وإن كان بعيداً عن الساحة، تبدو واضحةً في الواقعة الأخيرة التي شهدتها المنطقة الخضراء، والتي عُدّت من أخطر الحركات التي هددت بإسقاط الحكومة في حال استمرارها، لا سيما أنها اندلعت داخل مصنع القرار السياسي العراقي.

الاحتكام إلى الشارع، تخطى بذلك مفهوم النظريات والفرضيات، وأصبح واقعاً يجب التعامل معه، خاصةً أنه يحمل رسالةً إلى أبرز منافسيه السياسيين في البلاد، بأن بُعده عن السياسة لا يعني بالضرورة عدم وجوده، وتالياً فإن الخطر الأكبر للصدر، يتمثل في شعبيته المتزايدة، وهذا ما يفتقده خصومه.

فالصدر، نتيجة خطواته في الجانب الشعبي، يستطيع تحريك جمهوره بسهولة وبسرعة، ومن دون الحاجة إلى أي وعود تامة، وأشبه بتحريك رقع الشطرنج، وهو ما يجعل خصومه يحسبون ألف حساب قبل خطوتهم التالية ضده، بالرغم من التصريحات المتتالية لقادة الأحزاب المناهضة له.

اعتزال الصدر السياسة لا يعني نهاية مسيرته، فمكاتب المرجعية الصدرية لا تزال فاعلةً بين مجتمعات أتباعه، كما لا تزال البذور التي زرعها على مدى 19 عاماً تنمو داخل نفوسهم، وخطوة اعتزاله، وإن التزم بها نهائياً، فإنه يتجه إلى هيمنة أكبر على الشارع الشعبي، خاصةً أن الاعتقاد الشائع هو أنه اعتزل لحقن الدماء، ما يؤكد قدرة الصدر على اللعب على حبل المشاعر الشعبية وإيهامها بحفاظه على دماء العراقيين.

Website by WhiteBeard