من أمير ثمانيني إلى ولي عهد ثمانيني... "نحن في الكويت. مخدرون، وفقدنا إرادتنا"

الخميس 1 سبتمبر 202205:59 م

يواجه أمير الكويت الشيخ نواف الأحمد الصباح، تحديات جسيمةً في حكم بلاده، منها الفساد والتأخر عن مواكبة دول الخليج في التطور والحداثة فضلاً عن التعثّر الإداري المستمر، لكن يظل عمره الذي تجاوز الـ85 عاماً، هو العائق الأول في معالجة هذه القضايا.

في حزيران/ يونيو الماضي، أوكل الأمير إلى أخيه، ولي العهد الشيخ مشعل الأحمد الجابر الصباح، إلقاء خطاب إلى الشعب هدد فيه السياسيين بـ"إجراءات شديدة الحدث والواقع"، في محاولة لإنهاء حالة الاحتقان التي تشهدها الكويت منذ سنوات بين السلطتين التشريعية والتنفيذية، والتي عطلت التنمية في البلاد.

الشيخ مشعل الذي يصغر أخاه الأمير بـ4 سنوات، أطاح في خطابه أيضاً بالحكومة وحلّ البرلمان، وعيّن نجل الشيخ نواف البالغ من العمر 66 عاماً في منصب رئيس الوزراء في خطوة تعالج قليلاً مسألة السن التي تعاني منها القيادة السياسية الكويتية مقارنةً ببقية حكام دول الخليج الشباب، وأولياء عهودها.

الحياة السياسية 

يرصد المتابعون للمشهد السياسي في الكويت الأزمات المتعددة التي يغرق فيها البلد، وأوّلها الفساد الذي وصل إلى درجة ابتلاع وزراءٍ أموالَ المتقاعدين، ثانياً مسألة العمالة الأجنبية التي تفوق عدد السكان، وثالثاً عدم حل عدد من المشكلات الاجتماعية القديمة كأزمة البدون والجنسية وضوابط تختص بالانتخابات.

في حزيران/ يونيو الماضي، أوكل الأمير إلى أخيه، ولي العهد، إلقاء خطاب إلى الشعب هدد فيه السياسيين بـ"إجراءات شديدة الحدث والواقع"

يعتقد الأكاديمي والباحث السياسي الكويتي عايد المناع، أن "هناك تغييرات إيجابيةً في المجال السياسي في عهد الأمير نواف، أعلنها ولي العهد في خطابه في حزيران/ يونيو الماضي، من شأنها أن تحدّ من ظاهرة المال السياسي، وتشكل بيئةً سياسيةً سليمةً في البلاد وتقضي على الفساد".

ويقول المناع لرصيف22: "تعهدت القيادة السياسية في الخطاب بمحاربة الفساد، وبألّا تتدخل الحكومة في عملية الانتخابات النيابية في 9 أيلول/ سبتمبر الحالي، وسوف تحافظ على نزاهتها، كما لن تتدخل في انتخابات رئاسة البرلمان ولا لجانه أو مكاتبه الأخرى".

برأيه، هذه التعهدات سوف تبعد الحكومة عن شبه تدخلها للتصويت لهذا النائب أو ذاك في رئاسة البرلمان أو اللجان، لأن الوزراء يصبحون نواباً حينما يتولون مناصبهم الحكومية وهذه الخطوة إذا تمت فسيكون تغيير كبير.

الأمر الثاني، بحسب ما قال الأكاديمي، هو "شروع الحكومة في تضييق الخناق على الانتخابات الفرعية التي تجريها القبائل قبل الانتخابات العامة الرسمية، إذ تجري القبائل تصويتاً داخلياً بين أبنائها المترشحين لضمان وجود مرشح واحد لعدم تشتت الأصوات وضمان مقعد برلماني".

ويتابع: "الأمر الثالث أن الانتخابات ستُجرى وفقاً لسجل الناخب في هيئة المعلومات المدنية، أي بطاقة الهوية ووجود الجنسية. وسجلّ كل مواطن الآن أصبح منشوراً عند مخافر الشرطة حيث يطّلع عليه المواطنون ويعرف الناخب اللجنة التي سيصوت فيها. وهذه الحقيقة ستمنع ظواهر سلبيةً عدة تقع في كل انتخابات، أخطرها ما يعرف بـ‘نقل أو جمع الأصوات‘".

أما رابعاً، فقد جرى ضم مناطق أخرى في الانتخابات للسماح لعدد أكبر من الكويتيين بالتصويت ويستطيع الشباب البالغ من العمر 21 عاماً الآن التسجيل والمشاركة وقررت الحكومة أن يكون يوم الانتخابات يوم عطلة".

تنافس الأمراء

في الواقع، يُنظر إلى البرلمان الكويتي على أنه السلطة التشريعية الوحيدة في الخليج، وربما في العالم العربي كله، التي تقوم من حين إلى آخر، بطرد رؤساء الوزراء المعيّنين من قبل الأمير، واستجوابهم.

الأمير نواف الصباح، يبلغ من العمر 85 عاماً وهو في حالة تدهور شديد. دول الخليج الأخرى نقلت الحكم إلى جيل الشباب. لكن آل صباح نقلوها بهدوء جنباً إلى جنب من أخ إلى آخر في الثمانينيات من العمر

تقول مجلة الإيكونومست، في تقرير لها نشرته في 25 آب/ أغسطس الماضي: "الأمير نواف الصباح، يبلغ من العمر 85 عاماً وهو في حالة تدهور شديد. دول الخليج الأخرى نقلت الحكم إلى جيل الشباب. لكن آل صباح نقلوها بهدوء جنباً إلى جنب من أخ إلى آخر في الثمانينيات من العمر. في المرة الأخيرة التي شوهد فيها الأمير علناً، في حزيران/ يونيو الماضي، تعثّر في خطاب سريع، وهو يكافح من أجل التنفس. وخلفه أخوه غير الشقيق، مشعل، الذي يبلغ من العمر 81 عاماً".

ويضيف التقرير: "أمراء متنافسون آخرون يقاضون بعضهم البعض في المحاكم الأوروبية". ويقول أكاديمي للمجلة: "كل شيخ له عصابته الخاصة".

وتردف الإكونومست: "ينظر بعض الشباب الكويتيين بحسد إلى ولي العهد السعودي الديناميكي، وإن كان قاسياً. في المقابل، نظيره الكويتي الضعيف يهدد ‘بإجراءات قوية‘، في إشارة إلى التشريعات العسكرية، إذا فشلت الانتخابات في تغيير وضع الدولة".

أزمة البرلمان

يشخّص رئيس المنتدى الخليجي للأمن والسلام فهد الشيلمي، الأزمة بدقة أكثر، ويقول إن "المشهد السياسي المحلي في الكويت يعاني من انقسامات عديدة، وتعثر في تطبيق سياسة محلية دستورية تقوم على تعاون السلطات مع استقلاليتها وفصلها بحسب المادة 50 من الدستور الكويتي".

ويضيف الشليمي لرصيف22: "نشاهد تداخل اختصاصات متعمد من مجالس الأمة السابقة وعجز الحكومة الكويتية عن تلبية متطلبات الشارع الكويتي في مكافحة الفساد ودفع عجلة التنمية الاقتصادية ورفع سقف الرواتب والفشل في معالجة التركيبة السكانية لدولة الكويت حيث نسبة الوافدين الأجانب وصلت إلى نحو 70% من إجمالي عدد السكان".

جرى حل البرلمان الكويتي ثماني مرات، كانت آخرها في عام 2019، وأسباب هذه الخطوات المتكررة هي ذاتها في كل مرة

برأيه، "قاد هذا الفشل الحكومي إلى انخفاض شعبية الحكومة الكويتية وازدياد شعبية النواب المعارضين لها حتى وصلنا إلى انسداد أفق سياسي وصل إلى مجلس الأمة وأدى إلى انقسامه على نفسه ومطالبة أعضائه بتنحّي رئيس المجلس مرزوق الغانم المدعوم من الحكومة الكويتية".

وجرى حل البرلمان الكويتي ثماني مرات، كانت آخرها في عام 2019، وأسباب هذه الخطوات المتكررة هي ذاتها في كل مرة، لكن ولي العهد هدد هذه المرة بإجراءات "شديدة الحدث والواقع" -على حد قوله- إذا ما تكرر المشهد بعد الانتخابات المقبلة.

يتوقع الأكاديمي والباحث الكويتي بدر موسى السيف، أن الإجراءات المحتملة هي اللجوء إلى الأحكام العرفية (أو المادة 69 من الدستور). وتم الإعلان مرتين عن الأحكام العرفية: في عام 1967 لمدة سبعة أشهر في خضم الحرب العربية-الإسرائيلية، وفي عام 1991 لمدة ثلاثة أشهر بعد تحرير البلاد من احتلال العراق.

الاقتصاد والشعور الشعبي

تولى نواف الحكم في تشرين الأول/ أكتوبر 2020، أي بعد أشهر قليلة من هبوط حاد لأسعار النفط، المورد الأساسي، ما أدى إلى انكماش اقتصادي فاق الـ9% من الناتج المحلي وتزايد الدين العام.

في العام التالي، حدث نمو بأكثر من 2%، ما جعل القيادة السياسية تتنفس الصعداء بعد عام من التقشف وحالة من عدم الرضا الشعبي من الأوضاع الاقتصادية وجدل برلماني حول سحب أموال من الصندوق السيادي الاحتياطي.

المشكلة الأكبر هي الأخبار التي تتناقلها وسائل الإعلام الدولية، عن أن هيئة الاستثمار الكويتية (صندوق الثروة السيادي) البالغة قيمته 769 مليار دولار، يعاني أيضاً من اضطرابات جراء صراعات داخلية بين المديرين والموظفين والإقالات المفاجئة وتغيير مستمر في سياسة الاستثمار.

يقول الشليمي، إن ولي العهد وجّه بنهج حكومي مغاير للسياسات القائمة منذ سنوات، مما خلق ارتياحاً شعبياً مؤقتاً في صفوف المواطنين الكويتيين وأعينهم تنتظر الانتخابات القادمة، والتحدي الآن هو قيام الحكومة بتلبية رغبات الشارع الكويتي وتوازنها وتعاونها مع متطلبات البرلمان القادم.

الكويت لم تتراجع ولكن الآخرين خطواتهم أسرع بكثير والأوضاع لديهم مختلفة، بمعنى أن الكويت لديها برلمان ولديها سلطات تناقشها، لكن لدى الآخرين، القرار عند الرأس الكبير

من جانبه، يؤكد المناع أن "الكويت أصبحت أقل تطوراً وتحسناً من دول الخليج الأخرى، بعدما كانت عروس الخليج والمتألقة في الجوانب الثقافية والاقتصادية، لكن اليوم هناك شعور بأن الكويت تتراجع".

ويعتقد أن "الكويت لم تتراجع ولكن الآخرين خطواتهم أسرع بكثير والأوضاع لديهم مختلفة، بمعنى أن الكويت لديها برلمان ولديها سلطات تناقشها، ما يعني أن الكثير من الأمور تتطلب موافقة مجلس الأمة، لكن لدى الآخرين، القرار عند الرأس الكبير (زعيم البلاد) وتالياً ينتهي كل شيء بسرعة".

ويشير الباحث الكويتي إلى أنه "في عهد الشيخ نواف فإن الكويت تعمل على أن يكون الاقتصاد متنوعاً وعلى ألّا تعتمد ميزانية الدولة على إيرادات النفط، وحكومة الأمير الحالي تسعى إلى ذلك بشكل حثيث، وفي المرحلة القادمة سيكون هناك عمل على تنويع مصادر الدخل وإحلال العمالة الوطنية محل العمالة الوافدة، وفقاً لاحتياجات العمالة الوطنية وإمكاناتها في هذا الجانب، وعليه من المتوقع أن يتحسن الاقتصاد".

وتقول الإيكونوميست، إنه "منذ نصف قرن، كانت الكويت متصدرةً خليجياً. وكانت فيها ناطحات سحاب عندما كانت دبي مجرد صحراء. وتوسط أميرها بين ملوك الخليج. لكنها الآن متخلفة في المشاريع والدبلوماسية. إنه مكان غير ممتع. ينهب الأمراء والمصرفيون معاشات التقاعد والصناديق المختلفة".

وتنقل عن غانم النجار، وهو مدير مؤسسة فكرية: "الحكومة مقبرة لكل المشاريع، وانقطاع التيار الكهربائي متكرر".

السياسة الخارجية عانت من بعض الخمول في تعاملها الديبلوماسي والسياسي، وإن كانت قد مارست بعض النشاطات في التهدئة

كما تتحدث المجلة الأمريكية عن سوء الإدارة في البلاد، مشيرةً إلى أنه "يتم التأكيد على حصول الخريجين على وظائف حكومية مريحة تتطلب الحد الأدنى من العمل"، ويقول الكاتب المسرحي هديل بقرص: "نحن في الحضيض. مخدرون، وفقدنا إرادتنا".

السياسية الخارجية

يرى الشليمي أن السياسة الخارجية الكويتية عانت من بعض الخمول في تعاملها الديبلوماسي والسياسي النشط، وإن كانت قد مارست بعض النشاطات في التهدئة والوساطة خلال الأزمة الخليجية، وانتهجت نهجاً متشدداً ضد التطبيع مع إسرائيل وستعيد سفيرها إلى إيران، لكن تظل عينها على الأصوليين المتشددين في الداخل.

ويقول المناع: "لن يحدث الكثير من التغيير لأن السياسة الكويتية الخارجية عقلانية ولا تتدخل في شؤون الدول الأخرى ولا تقبل التدخل في شؤونها. موقفها من قضايا مبدئية مثل القضية الفلسطينية، موقف واضح وصريح، فهي مع حق الشعب الفلسطيني وضد أي تقارب مع إسرائيل طالما أن الأخيرة لم تنفذ القرارات الدولية التي نصّت على ضرورة انسحابها من حدود 1967".

ويوضح: "في ما يتعلق بالقضية الأوكرانية، فإن الكويت صديقة لروسيا لكنها ترفض احتلال أراضي الغير بالقوة والتدخل في شؤونها. إجمالاً يمكن القول إن سياسة الكويت الخارجية معتدلة وعقلانية وغير منحازة إلى طرف من الأطراف ومحترمة لسيادة الدول وتصرّ على احترام سيادتها الوطنية وقرارها الوطني، ولن يتغير شيء في هذا الخصوص".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard