باقة زهر ٍمن الماضي... نضحك ونسخر من الفراق

السبت 27 أغسطس 202210:25 م

يندرج المقال في ملف "تحت العريشة" من إعداد وتحرير زينة قنواتي

تقترب الذكرى العاشرة لخروجي من سوريا، أنتظر بقلق وأراوح بين رغبة عارمة بالنسيان وحنين يحضر أحياناً في لحظات غير متوقعة وغريبة. 

لا أستطيع حصر الأسباب التي تؤدي بي إلى العودة بذاكرتي نحو ذلك الماضي ولكنني مع بعض التدقيق اكتشفت أن الذاكرتين البصرية والشمية هما اللتان تعيدانني فجأة إلى سوريا. 

ما إن أشاهد "المجنونة" التي تتدلى زهورها على الجدران الخارجية للمنازل الفرنسية، أعود للمعهد العربي للموسيقا في "الجسر الأبيض" في دمشق، وأتذكر أصوات الموسيقا التي تختلط مع رائحة الزهر التي تهف علينا مع كل نسمة هواء ربيعي فيما ننتظر دروسنا.

تتفتح الوردة الجورية في حديقتي الفرنسية فأتذكر محل الورد في "مشروع دمر" والبائع الذي كان يعرف أنني لا أحب القرنفل، وكان ينسق كل باقاتي بالورد الجوري.

تمتد أمامي حقول من شقائق النعمان على مد النظر فأتذكر الطريق إلى حلب الذي نقطعه كل عطلة مدرسية لزيارة جدتي وعماتي حين تزهر شقائق النعمان.

 أشاهد "المجنونة" التي تتدلى زهورها على جدران المنازل الفرنسية، فأعود للمعهد العربي للموسيقا في دمشق، وأتذكر أصوات الموسيقا التي تختلط مع رائحة الزهر التي تهف علينا  فيما ننتظر دروسنا

يزهر الكرز الذي ينتشر في مدينتي الفرنسية، فأتذكر الغوطة والحميرة قرية زوجي التي أصبحت قريتي أيضاً، أتذكر سيران العائلة في الغوطة، الذي يطلب فيه جدي سندويشات من البيض المسلوق قبل المشاوي، يضحك ويقول: "أحب أن أفطر أولاً، ثم إن اللحم المشوي سيأخذ وقتاً طويلاً".  فنضحك جميعاً ونأكل حصتنا من سندويشات البيض المسلوق.

في الحميرة، كنا نجلس في مزرعة عم زوجي التي يسمونها الصهريج، يشوي عم زوجي اللحم ونحن نأكل أكثر من طاقتنا ونضحك ندماً.   

تتفتح الوردة الجورية في حديقتي الفرنسية فأتذكر محل الورد في دمشق والبائع الذي كان يعرف أنني لا أحب القرنفل، فكان ينسق كل باقاتي بالورد الجوري.

أشم رائحة الياسمين فتحضر أمامي صورة جدتي في شرفة بيتها القديم في حلب، وهي تنادي أمي لتشربا القهوة معاً وهي تحمل صينية تضع عليها ركوة القهوة وصحناً من المعمول. تقطف جدتي أم سعد بعض زهرات الياسمين وتحيط بها صحن المعمول فتفح رائحة الصباح التي تجمع القهوة المغلية والياسمين، تتحدث جدتي وتروي قصصها وتشم الياسمين وتشرب القهوة، وفي الصباحات الرائقة تضيف صوت عبد الوهاب إلى صباحها، تسمع عبد الوهاب وتتذكر الماضي وتضحك فنضحك بدورنا. 

اشتريت بعض الذرة الطازجة كي نشويها في المنزل على منقل الفحم، بدأت بتقشيرها فتذكرت جدتي الثانية، كان لبيتها في مدينة الرقة حديقة صغيرة، زرعت فيها عرانيس الذرة، كنت أقطف معها الذرة طفلة ونجلس في الحديقة ونقشر، تفح رائحة الذرة الطازجة، ترتب جدتي شراشيب الذرة في كفها لأنها مغلية مفيدة للصحة حسب قولها. نخرج مع أخواتها ونسير في شوارع مدينة الرقة، يلعب الهواء بعباءات الجدات فألعب بالركض بين الأقمشة المتطايرة وأضحك فيما تناديني جدتي كي لا أبتعد عنها. 

أجلس في الحديقة، يهب هواء صيفي لطيف يحمل إلى أنفي رائحة مألوفة، رائحة زهر لا أعرف اسمه ولكنها تذكرني بشيء ما، تتغرغر عيناي بالدموع دون أن أعرف لماذا، أعصر ذاكرتي فأكتشف أن رائحة هذا الزهر هي نفس رائحة العطر الذي كان جدي يحبه، كان يضعه على رف الحمام ويتعطر منه بعد الحلاقة، كان جدي يحلق راغياً الصابون على فرشاة الحلاقة ويفرد الرغوة على وجهه، وكان يلاعبني كما يفعل أبطال الأفلام الأمريكية بأن يلطخ وجهي بصابون حلاقته، أضحك ويضحك هو، يحلق ثم يتعطر فتهف علي رائحة الزهر تلك، هي نفسها التي هفت في الحديقة على بعد آلاف الكيلومترات. 

أجد سفرجلاً في السوق فأشتريه، أقطعه فأتذكر بيت عمتي سوسن، ورائحة الكبة السفرجلية التي تطبخها على شرف قدومنا من دمشق، أتذكر لحظات اللقاء عندما يستقبلنا أبناء عمتي ونبدأ فوراً باللعب، تضمني عميمة فأستنشق رائحتها الطيبة الدافئة ثم أنشغل، نفتح أنا وابنة عمتي ريم دكاناً في البيت فنشتري من السوق أغراضاً بنقود نأخذها من أمهاتنا ثم نبيعها لهن بأغلى من سعر السوق كي نربح، تضحك عمتي ونضحك. أعجز عن مضغ السفرجل الذي اشتريته ومع ذلك أتركه أمامي مفتوحاً على الماضي.

أفكر باقتناء ياسمينة، ولكن يُمطرنا الموالون للنظام السوري دوماً، بتشبيهات عن الياسمين ووطن الياسمين، ويظهر لقب جديد لأسماء الأسد وفيلم يحمل لقبها الجديد "سيدة الياسمين"، فأُقلع عن الفكرة

رحلوا جميعاً، عم زوجي وجدي وجدتاي وعمتي كلهم، وظلت تلك الروائح لتذكرني بهم، يغمرني الحزن ثم أفكر لعل تلك الذاكرة تعود لتذكرني بالضحك، فقد نسينا في السنوات الأخيرة كيف نضحك، نحاول المكابرة فنضحك، لكننا نسينا كيف نفعل، نبتسم، نحاول إعادة إيجاد ما يذكرنا بالماضي علنا نتذكر كيف نضحك، فنزرع بيوتنا بالياسمين والورد الجوري ونقاوم الظرف لكي يعرش العنب في حديقتنا ويمتد على الأسلاك التي نفردها له عله يفيء علينا بفيء الماضي. تحاول صديقتي عبثاً أن يفتح زهر الياسمين في بيتها ولكن الياسمينة تأبى أن تزهر وترفض أن تموت، تبقى أغصانها الخضراء وتكبر، وتراقبها صديقتي كل موسم بأمل ويأس معاً. 

أجلس في الحديقة، يهب هواء صيفي لطيف يحمل إلى أنفي رائحة مألوفة، رائحة زهر لا أعرف اسمه ولكنها تذكرني بشيء ما، تتغرغر عيناي بالدموع دون أن أعرف لماذا.

أفكر باقتناء ياسمينة، يمطرنا الموالون للنظام السوري، بتشبيهات عن الياسمين ووطن الياسمين، يظهر لقب جديد لأسماء الأسد وفيلم يحمل لقبها الجديد "سيدة الياسمين"، فأقلع عن الفكرة، أقرر أن أترك لهم الياسمين مؤقتاً كما تركت الوطن نفسه وأحلم بيوم يعود لنا فيه ياسميننا، الياسمين ذو الكرامة الذي لا يروض، ياسمين حديقة جدتي، ياسمين الشام الذي يعرش على أسوار الأبنية ويمتد حتى يكاد يصل إلى أبنية الأفرع الأمنية التي تقتحم شوارع المدينة وتعكر صفوها.

أفكر ببائع الزهور الذي كان يعرفني، وأحلم بباقة الزهر التي سيجمعها لي اليوم، سيضع فيها الجوري الذي ما زلت أحبه، سيضيف إليها عرقاً من مجنونة دمشقية، بعض زهرات الكرز، بعض قشور الذرة، زهرة عطر جدي التي لا أعرف اسمها، سفرجلة مقطعة، أتخيل تلك الباقة التي أحضنها بحب، أحضرها إلى بيتي هنا، أضعها في وعاء أملأه ماء وبعض الدموع، وكلما غمرني الحنين، أنظر إلى تلك الباقة وأذكر نفسي بالمثل القائل: "شو بدي اتذكر منك يا سفرجلة، كل عضة بغصة"، وأتخيل نفسي أضحك، فقد وضعت سفرجلة في الباقة، فتضحك أرواح من رحلوا جميعاً، ونسخر من هذا الفراق بالضحك، وأتعلم مجدداً كيف أضحك من كل قلبي، وأنسى وأتذكر في نفس الوقت.

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard