شاركوا في مهمّتنا،
بل قودوها

غيّروا، لا تتأقلموا!
أقدمت على الانتحار مرتين، وكانت أمي تنقذني في كل مرة... عن الأصدقاء الذين هربوا من الصور

أقدمت على الانتحار مرتين، وكانت أمي تنقذني في كل مرة... عن الأصدقاء الذين هربوا من الصور

سياسة

الاثنين 5 سبتمبر 202201:32 م

المرة الأولى التي عرفت فيها مفردة "الخوف" عن قرب، كانت في الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة سنة 2008. كنت يومها مجرد طفل في الرابعة عشرة من عمره، وقد رافقتي الخوف من باب المدرسة حتى باب البيت. وجعلني أكره صوت المذياع الذي لم تتوقف فيه الأرقام عن الزيادة، وأشعرني أن ساحة بيتنا الواسعة ليست سوى غرفة صغيرة في قبو.

لاحقاً، عندما كبرت وأصبح عمري يحسب بإضافة أربع سنوات/ حروب عليه، ومجموعة كبيرة من الأزمات النفسية والاجتماعية؛ تشكل بداخلي خوفٌ من نوع آخر، وبدأت أتحسسه في الذكريات التي لم أعد أحبذ الاحتفاظ بها، والمحادثات التي أواظب على حذفها في كل مرة. هذا ما جعلني لا أمتلك أي ذكرى من أي حبيبة دخلت قلبي، ولا أمتلك أي قصاصة ورق من كتاباتي الأولى في الحياة. ثم في السنوات الأخيرة التي قضيتها في غزة، نما خوفي بصورة عجيبة، وتحول من خوف من الذكريات إلى خوف من المستقبل. حدث ذلك في ليلة شتائية حملني فيها الحنين إلى الأصدقاء الذين هربوا من واقع غزة تاركين صورهم تئن. تلك الصور القليلة التي التقطناها معاً، لم أعد أراهم فيها.

الصورة الأولى

"أقدمت على الانتحار مرتين، وكانت أمي تنقذني في كل مرة".

– عبد الله نسمان، خريج إدارة مستشفيات.

جمعتني صورة بعبد الله نسمان في قاعة رشاد الشوا في قطاع غزة، كان ذلك في عام 2019 بمعرض الكتاب المتواضع الذي أقامته وزارة الثقافة الفلسطينية - غزة. مضى على هذه الصورة ثلاث سنوات، تغير فيها كل شيء، في دليل على أن الحصار في غزة جعل الوقت مضاعفاً، فالسنة خارج غزة هي سنة واحدة، ولكنها في غزة سنوات كثيرة . سافر عبد الله إلى تركيا تاركاً يأسه ومحاولاته المستمرة في الحصول على فرصة عمل، وحلمه بامتلاك "مكتب" متواضع في شركة.

 في السنوات الأخيرة التي قضيتها في غزة، نما خوفي بصورة عجيبة، وتحول من خوف من الذكريات إلى خوف من المستقبل

يقول عبد الله لرصيف22: " كانت تجربة أشبه بطفل ولد في غير موعده وفي بيئة لا تشبهه. فحياتي في غزة كانت دائماً مبنية على مجهول مخيف ودائماً كان السؤال: "هل يا ترى غداً سيكون أجمل؟" يسيطر علي رغم أنني أعلم يقيناً أن الإجابة هي: "لا". فقد كنت أعيش في بلاد، أعظم طموحي فيها أن ينسى موظف شركة الكهرباء قطع التيار ولو ليوم واحد فقط".

بعد محاولات عديدة لإيجاد فرصة عمل، لم يستطع عبد الله التمتع بأمان وظيفي، يقول: "قررت السفر باحثاً عن فرصة عمل، ولكي أرى الحياة التي لم أكن أرها إلا على شاشة التلفاز أو في قصائد أصدقائي الكاذبة...". في الوقت الذي يشير فيه تقرير مركز الإحصاء الفلسطيني لعام 2021، أن معدل الشباب الخريجين العاطلين عن العمل في قطاع غزة 74%.

في وصف للحرية المفقودة، والتحرر الأول من الخوف الذي تصنعه الطائرات في قلب كل فلسطيني، يقول عبد الله: "جئت إلى تركيا، واستمتعت لأول مرة بصوت طائرة تمر من فوق البيت، وهي لا تحمل صواريخ لأول مرة منذ ست وعشرين سنة". يضيف: "أصبحت موظفاً أمتلك مكتباً لأول مرة في حياتي أيضاً. وكأنني خرجت أخيراً من غياهب الجب بعد موتين وأربع حروب وشيء من أمل في الحياة".

الصورة الثانية

"عشت في غزة خمس سنوات لم تكن سهلةً على الإطلاق، بل إنني أستطيع أن أقول إنها كانت الأصعب في حياتي بلا شك".

- محمد خلف، روائي.

جمعتني صورة واحدة بصديقي محمد خلف الذي ترك ليبيا بعد أحداث عام 2011 وانتقل إلى غزة مع أسرته ليكمل تعليمه عام 2013، يصف محمد تجربته في قطاع غزة كسلسلة من الصدمات المتتالية. يقول لرصيف22: "عشت في غزة خمس سنوات لم تكن سهلةً على الإطلاق، بل أستطيع أن أقول إنها كانت الأصعب في حياتي بلا شك، فذلك الوطن الذي كان يراود أحلام صباي وشبابي لم يكن الذي رأيته واقعاً، وبدأت الصورة الجميلة التي كنت أرسمها له في خيالي تغدو صورة صدمات متتالية لتسفر عن وجه ما كنت أتمنى أن يكون لوطني".

جئت إلى تركيا، واستمتعت لأول مرة بصوت طائرة تمر من فوق البيت، وهي لا تحمل صواريخ لأول مرة منذ ست وعشرين سنة

ثم يضيف موضحاً انطباعه عن المجتمع الغزي: "أولى الصدمات تجلت في الحاضنة الاجتماعية التي تميز الوطن عن أي شيء آخر، فالناس في قطاع غزة أشبعتهم الصراعات والأزمات سواء التناحر الفصائلي أو الصراع مع الاحتلال، فنتج عن ذلك مجتمع أمني متشكك قائم على الصراعات والمؤامرات ليحول أي علاقة مهما كانت بسيطة إلى صراع دائر معلن أو غير معلن".

وعن الحالة الوطنية التي كان يتطلع إليها بشغف، يقول: "ثانية الصدمات تجلت في الحالة الوطنية التي تكاد تكون شبه معدومة أو في حالة موت سريري، والصراع مع الاحتلال الإسرائيلي يخضع لضوابط تخفى عن المواطن العادي على بداهتها، والمبادئ التي استند عليها الفلسطينيون لانتزاع حقوقهم تتغير من وقت لآخر تحت مبررات وذرائع مختلفة ويلقى المنتقد أو المشكك في تلك السياسات مصيراً سيئاً على أيدي الأجهزة الأمنية، وبالتالي أصبحت رقابة الشارع الفلسطيني مقتصرة على الفصائل التي تحتكر العمل المقاوم معدومة أيضاً، فلا شيء يضمن سير المقاومة على الطريق الصحيح سوى الإيمان المطلق بها فقط مهما كانت قراراتها وتصرفاتها".

وبشأن الأزمات التي عاشها طوال خمس سنوات، يقول: "تنعكس تلك الحالة أيضاً لتقيد كل محاولات الإصلاح الداخلي، فقد أمضيت خمس سنوات في غزة ولا أزال إلى الآن لا أعلم من كان المتسبب في أزمة الكهرباء أكانت الحكومة في رام الله أم في غزة، وقس على ذلك كل الأزمات الأخرى من بطالة ونقص في السلع أو إغلاق للمعبر، فلا أزال أذكر تلك الليلة من شتاء 2013 إذ كنت أستعين فيها بشمعة لأتخذها مصدراً للضوء والدفء أثناء مذاكرتي في السنة الأولى التي التحقت فيها بالجامعة، وما زلت أذكر حادثة موت خمسة أطفال حرقاً بسبب شمعة لجأوا إليها نتيجة انقطاع الكهرباء، وكذلك أذكر بقائي عاطلاً عن العمل من عام 2016 إلى عام 2018 لعدم توافر الفرص وعدم استطاعتي السفر بسبب الأزمات وإغلاق المعبر".

ترك محمد قطاع غزة عام 2018 بعد أن استنفد كل محاولاته لأن يحيا حياة تمتلك الحد الأدنى من مقومات الحياة الطبيعية، وحول إمكانية عودته لقطاع غزة يقول: "أنا الآن أعمل في الخليج ككثير من العرب، تمنيت أن يكون لي وطنٌ أعود إليه ليحتضنني عندما تقسو علي البلاد الأخرى، ولكنني أقول آسفاً لأنني على خلاف كل الآخرين لا وطن لي لأعود إليه!".

الصورة الثالثة

"الأمل في غزة بيتٌ ليس له نافذة أو أبواب، إنه بيت قديم يحتاج إلى ترميم"

- محمد شاهين، مهندس مدني.

جمعتني بمحمد شاهين صور عديدة خلال سنوات الدراسة في كلية الهندسة بجامعة فلسطين - قطاع غزة. خلال سنوات الدراسة الخمس، لم يتوقف فيها محمد عن التذمر من المجتمع وتصرفات أفراده. حتى أن هناك جملة لم تفارق لسانه هي "عالم مريضة". ولم يكن الوحيد الذي امتلك هذه النظرة، فلطالما لامست الانحدار الاجتماعي والنفسي الذي كان الحصار لمدة 15 سنة سببه الرئيسي، فعزل غزة عن المجتمعات الأخرى، أظهر انحرافات في سلوك الأفراد المقيمين فيها. لهذا يمكنني القول إن حصار غزة لم يكن اقتصادياً بالدرجة الأولى، لا، بل حاول الاحتلال الإسرائيلي أن يشوه المجتمع الغزي اجتماعياً وقد نجح في هذا تماماً.

يقول محمد شاهين لرصيف22: "دائماً يرتبط الخوف والأمل بأشخاص أو أحداث، إلا في غزة، فالخوف والأمل يرتبطان بالمكان. فكل شيء هنا سيىء وغريب". فقد حوّل الحصار أرض غزة إلى مصدر لليأس في ظل محدودية الحركة، والاختلال في المصطلحات والتعريفات التي تمنحها الحياة للأفراد، حتى باتت المشكلة ليست في فرد أو حدث، فقد انتقلت لما هو أوسع من ذلك. باتت تشمل "الأرض" أي كل ما عليها.

دائماً يرتبط الخوف والأمل بأشخاص أو أحداث، إلا في غزة، فالخوف والأمل يرتبطان بالمكان

"عندما أفكر بالمستقبل، أشعر بالتيه واليأس، وما ينقذني دائماً هو رغبتي بالحب والحياة وأملي بالسفر". يقول محمد. ثم يصف البحر- المنفس الوحيد لأهل غزة - والجلوس أمامه كأفضل علاج للوقت وللمستقبل الغامض. ثم تفر دمعتان من عينيه وهو يتحدث عن أن الوحدة باتت طوق نجاة بالنسبة للكثير من شباب قطاع غزة مؤخراً، خصوصاً في ظل انعدام فرص العمل والمستقبل المستحيل.

الصور التي هربت أنا منها

تحولت أغلب الصور التي جمعتني بأصدقائي إلى خرائط لم يعرفها العالم من قبل. يمكنني القول إنهم سقطوا من الصور إلى الأبد، رحلوا تاركين غزة وراءهم بكل ما فيها من خوف وأمل ومستقبل مستحيل. واكتشفت أن وجوههم المبتسمة في الصور، كانت بمثابة تلويحة مهاجر. أما بقية الصور التي لم يسقط أصدقائي منها أو يهربوا، هربت أنا منها بعدما حاولت طوال خمس سنوات أن أتأقلم في مجتمع حوّله الحصار إلى خراب. 

Website by WhiteBeard