الفتاة التي أصبحت أيقونة الحريات الشخصية في إيران

الاثنين 22 أغسطس 202202:43 م

في صورة تظهر الفتاة تقرأ نصاً مكتوباً في ملفّ وجالس أمامها رجل بزيّ رسمي أسود اللون يرفع ‏قلماً بيده، وينظر لها بكل جدية، حاولت السلطات الإيرانية أن تعلن عن وجود ‏‏سِپيدِه رَشنُو المعتلقة منذ نحو شهر بسبب قضية الحجاب، وذلك بعد ما تعالت ‏أصوات المطالبين بفك سراحها.‏

"التجمع والتواطؤ ضد أمن البلاد بقصد ارتكاب الجرم عبر العلاقة مع أشخاص في الخارج، وممارسة النشاط الدعائي ضد الجمهورية الإسلامية، وحث المواطنين على الفساد والفحشاء"، كان إعلاناً فاجأت به السلطةُ القضائية الإيرانية الرأيَ العالم عن ‏تهم المعتقلة، وصرحت عن استدعائها من سجن طهران إلى محكمة ‏الثورة الإسلامية لشرح التُّهم الموجهة ضدها لتستعدّ للدفاع عن نفسها في جلسة محاكمة ‏مقبلة.‏


ما هي الحكاية؟

في خضم الحروب اليومية التي تعيشها النساء الإيرانيات منذ بداية الصيف الحالي تحت حكم المتشددين، وإصدار أوامر من خطباء صلاة الجمعة ‏وهيئة الأمر بالمعروف لأنصار الحكومة بتضييق الخناق أمام "سيئات ‏الحجاب"، وهو التعبير الذي ‏يُطلق على اللواتي يغطين نصف الرأس بالشال ويرتدين ‏"المانتو" المفتوح من الأمام، تم تداول مقطع فيديو في تموز/يوليو الماضي على نطاق واسع، والذي ‏ظهر شجاراً بين فتاة محجبة وأخرى ‏غير محجبة في حافلة نقل عام ‏بالعاصمة طهران، وقد أثار حفيظة الرأي العام الإيراني وردود فعل واسعة في البلاد.‏

منذ فترة اعتقالها تحولت الكاتبة الشابة إلى أيقونة المطالبات بحقوق ‏المواطنة والحريات الشخصية، وقد طالب بإطلاق سراحها السياسيون ‏الإصلاحيون والقانونيون والنشطاء الاجتماعيون والصحفيون والكثير من ‏النساء الإيرانيات

ووفقاً للفيديو، يبدأ الصدام في الحافلة بعدما قامت الفتاة المحجبة ‏بمطالبة ‏الأخرى بالالتزام بالحجاب الإسلامي المفروض، وتظهر ‏الفتاة المحجبة في الفيديو وهي تقول مخاطبة سِپيدِه الغاضبة جداً منها وفتاة أخرى تقوم بتصويرهما: "سوف أبعث ‏الفيديو للحرس الثوري كي ينالوا منك"، وبعد ‏توقف الحافلة في المحطة يتم طرد ‏المحجبة من قبل الفتاة حسب الفيديو الذي ‏انتشر بشكل واسع في ‏البلاد.‏

لم تمر إلا ساعات قليلة حتى أعلنت الشرطة عن إلقاء القبض ‏على الفتاة ‏"سيئة الحجاب" أي سِپِيدِه رشنُو"‏ التي تشاجرت مع الفتاة الآمرة بالمعروف، حسب ‏ما نقلته ‏وكالة "فارس" للأنباء، التابعة للحرس الثوري، وتخضع  ‎هذه الكاتبة ‏والمترجمة ذات 28 عاماً للحبس منذ ذلك الحين حتى الآن.‏

‏بعد أسبوع على سجنها، نقلتها السلطات للمستشفى إثر نزيف داخلي، ‏قيل إنه كان بسبب التعذيب، كما نشر التلفزيون الإيراني تقريرين مصورين ‏يظهران المعتقلة وهي تعترف قسرياً أمام الكاميرا بأخطائها، وتظهر على وجهها آثار التعذيب.


سپیده رَشنو خلال الاعتراف عبر التلفزيون الإيراني 

أيقونة الحريات الشخصية

ومنذ فترة اعتقالها تحولت الكاتبة الشابة إلى أيقونة المطالبات بحقوق ‏المواطنة والحريات الشخصية، وقد طالب بإطلاق سراحها السياسيون ‏الإصلاحيون والقانونيون والنشطاء الاجتماعيون والصحفيون والكثير من ‏النساء الإيرانيات، وأصبحت قضيتها تحت مجهر الإعلام الحر في داخل إيران وإعلام ‏المعارضة في خارج البلاد.‏

وأثارت التهم الموجهة للمعتقلة سخط وسخرية أغلب رواد التواصل ‏الاجتماعي حتى المؤيدين للحجاب الإسلامي، بل وحذروا من ‏تداعيات مثل هذه التهم والتي من الممكن أن تجلب أحكاماً شديدة خاصة ‏في ظل أنها ستمتثل أمام محكمة الثورة الإسلامية التي تعرف بتشددها ‏في إصدار الأحكام بحق المتهمين. ‏

سِپيده رَشنو قبل الاعتقال

علّق الصحفي المعارض داخل البلاد كِيانُوش سَنجَاري، والذي خضع هو ‏أيضاً للسجن والمطاردات الأمنية لمرات عدة، على التهم الموجهة ل‏سپيده: "هكذا فهّموها جريمة احتجاجها ضدّ العبودية"، إشارة إلى أن ‏الخضوع لأحكام الدولة في قانون الحجاب الإلزامي ما هو إلا عبودية.‏

أما الناشط الاجتماعي المحافظ وحيد أشتَري، فقد تساءل من السلطات: ‏‏"أحقاً أصدرتم لائحة الاتهام هذه لمجرد شجار داخل حافلة؟"، وأكمل: "ألا ‏يوجد شخص عاقل في أعلى السلطة لديه اهتمام بالدين والحجاب ليذكر هؤلاء ‏بمدى الأضرار التي تلحقها هذه التصرفاتُ بالفئة المتدينة والفتيات ‏المحجبات؟".‏

محكمة علنية ‏

أما الناشط السياسي والاجتماعي عباس عبدي فقد طالب السلطات ‏القضائية بأن تكون جلسات محاکمة سِپِيدِه علنية، ومع وجود محام ‏منتخب من قبلها، وأن تقام المحكمة وفق القواعد القانونية.‏

أما حشود اليمين المتطرف فعزف على التفرقة كالعادة ورحب بلائحة ‏التهم الموجهة، بل ورحب بكل خطوة تتخذها الدولة في سبيل ترسيخ ‏الحجاب، لكن واقع الحال في شوارع إيران ينقل شيئاً آخر، فالفتيات ‏اللواتي تحدين قواعد الزيّ الشرعي أخذن في زيادة ملحوظة وحتى الأسر ‏التي تلتزم بالحجاب وفق الشريعة أو التقاليد باتت لا تفرضه على بناتهن ‏وهذا ما يمكن ملاحظته بشدة في البلاد.‏

ولم يتوقف مسلسل المواجهات العنيفة بين شرطة الحجاب والفتيات ‏الإيرانيات على الرغم من التنديد الواسع والغضب العارم في الشارع الإيراني ‏خلال موسم الصيف الجاري، فمازالت السلطات تنسج قصصاً من الصراع ‏ضد الحجاب.‏

لم يتوقف مسلسل المواجهات العنيفة بين شرطة الحجاب والفتيات ‏الإيرانيات رغم التنديد الواسع والغضب العارم في الشارع الإيراني ‏خلال موسم الصيف الجاري فمازالت السلطات تنسج قصصها

ونشر موقع قناة إيران إنترناشيونال، مقطع فيديو يوم أمس يوثق سيارة ‏شرطة مسرعة وهي ترمي بفتات وسط شارع مزدحم في مدينة رَشْت ‏شمال إيران، ما أثار سخط رواد المنصات الإيرانية. 

ونقلت مواقع إعلامية محلية تصريحات أحد قادة شرطة المدينة، حسين ‏حسن پور، وهو ينفي الأنباء المتداولة حول علاقة هذا المقطع بدوريات ‏الحجاب: "تلقينا شكوى من أحد المواطنين وذهبنا هناك، وبعد المتابعة ‏مع المتهم، تم القبض عليه، وكانت هذه السيدة في حالة غير طبيعية ‏وهاجمت الشرطة بالسب والشتم، كما تشبثت بالسيارة كي تمانع من ‏اعتقاله، لذلك وعند حركة السيارة سقطت على الأرض". ‏

الحجاب من جريمة إلى مخالفة تستوجب غرامة مالية

وبعد المواجهات العلنية التي دعت إليها هيئة الأمر بالمعروف والنهي ‏عن المنكر وإصدارها أوامر عدة للمؤسسات الحكومية والمرافق العامة ‏والبنوك بألّا يقدموا أي خدمة لسيئات الحجاب، فضلاً عن الرقابة ‏الصارمة على الموظفات في القطاع الحكومي والخاص من قبل دوريات ‏سرية تابعة للهيئة، يبدو أنها لم تر في ذلك حلاً لتأتي بحل جديد أثار ‏سخرية المواطنين.‏

وبما أن المادة 638 من قوانين البلاد تنص على معاقبة من لا تلتزم ‏بارتداء الحجاب الإسلامي بالحبس والجلد دون وضوح معايير الحجاب ‏واللباس، فقد صرح أمين عام الهيئة محمد صالح هاشمي أن هذا ‏القانون غير قابل للتنفيذ عملياً.‏

كما كشف هاشمي عن إحصائية مركز أبحاث البرلمان تؤكد أن ما يزيد ‏عن 50 بالمئة من النساء في الجمهورية الإسلامية "سيئات الحجاب"، وموضحاً أنه بعد دراسة قانون الحجاب توصلت هيئة الأمر بالمعروف ‏إلى تحويل الجريمة إلى مخالفة تسدّ عبر غرامة مالية. ‏

واعترف هاشمي: "يبدو أننا قد خفّنا الجريمة إلى مخالفة، وهذا سيكون ‏مجدياً ومؤثراً وقابلاً للتطبيق، وليس حكراً على الفتيات، بل المخالفة تضم ‏المحلات التجارية والمكاتب الحكومية وغيرها من الأماكن التي تقدم خدمات لسيئات ‏الحجاب".

وبعد هذه التصريحات التي اعتُبرت تراجعاً من المواقف الحادة السابقة، ‏تداولت مواقع التواصل الاجتماعي في إيران أسعار الغرامة المالية وهي كما يلي:

‏عدم ارتداء المانتو وهو الحجاب الشائع الآن: 500 ألف تومان (17 $)، عدم ارتداء ‏غطاء الرأس: 300 ألف تومان (نحو 10 $)، ارتداء المانتو القصير: 150 ألف ‏تومان (5 $)، ارتداء مانتو مفتوح من الأمام: 100 ألف تومان ‏‏(أكثر بقليل من 3 $) والزيادة في استخدام المكياج: 85 ألف تومان (نحو 3 $).‏

‏"هل العروسة دفعت غراماتها؟ سؤال يضاف إلى جلسة الخطوبة"P "أدفع ‏نحو مليون تومان وأخلع ملابسي"؛ هذه وعشرات النكت الأخرى أبدعها رواد مواقع التواصل في إيران ‏ليتفاعلوا بسخرية مع الأسعار المعلنة التي لم يتم تأكيدها أو نفيها من ‏قبل هيئة الأمر بالمعروف أو بقية مراكز القرار، ليذهب البعض في ‏القول إن الهيئة سربت الخبر لجسّ نبض الشارع. ‏ 

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard