صيفٌ أشدّ حرارة ونساء أكثر صموداً… معركة الحجاب في إيران

الأربعاء 13 يوليو 202204:20 م

تتضاعف سخونة الصيف في إيران مع زيادة ضغوط الشرطة على النساء بفرض ارتداء الحجاب لتخلق انقسامات اجتماعية وثقافية كبيرة بين المجتمع الإيراني. وفي هذا الصيف زادت إجراءات الحكومة غير المسبوقة في تنفيذ الأحكام الإسلامية المتعلقة بالحجاب في الأماكن العامة، بدءاً من الشوارع والمنتزهات وصولاً إلى المطاعم والمقاهي ومكاتب الأطباء والبنوك والنقل العام.

وجاءت التشديدات من قبل النظام بعد نشر مقطع فيديو لاجتماع صبايا (بلا حجاب) وصبيان من جيل 2000 في مدينة شيراز وذلك بمناسبة اليوم العالمي للتزلج على الألواح في شهر حزيران/يونيو الماضي، مما أثار ضجة واسعة في المجتمع الإيراني بين مؤيدين ومعارضين لنمط حياتهم/ن الذي يختلف عما يريده النظام الإيراني ويروج له طيلة أربعة عقود.

يبدو أنه لن تتنازل الفتيات عن تحديهن في تخفيف حجابهن في الشوارع والمطاعم أو المولات التجارية والنقل العام، الأمر الذي جاء بعد سنوات من التدرّج من خلع "الشادور" 

وتكاثرت حضور دوريات شرطة الحجاب في شوارع إيران لتضييق الخناق على الفتيات التي تعتبرهنّ سيئات الحجاب أو دون حجاب، من خلال معاملات سيئة تصل أحياناً للصراع في الشوارع، إضافة إلى إجبار الفتيات بملء استمارات وتقديم التزامات لشرطة الآداب.

ولم تكتف السلطات بزيادة الدوريات التي من شأنها تتسبب بضجة اجتماعية وتخلق جواً غير آمن بالنسبة للنساء، بل تدخلت هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بصدور أوامر للمؤسسات الحكومية والأهلية والمرافق الصحية والسياحية والعامة تطلب من مدرائها مراقبة حجاب الموظفات، وإخراج اللواتي لا يلتزمن بالحجاب الإسلامي، كما شرعت دوريات سرية تهدف إلى رفع ملف للمدراء والهيئة بغية مواجهة المخطئات، حسب قولهم.

وصدر قرار آخر من الهيئة يدعو باستقرار أفراد في جميع المكاتب والبنوك وغيرها لإرشاد المواطنات دون حجاب اللواتي يرتدن على تلك المراكز والحد من تقديم الخدمات لهن.

وفي مدينة مشهد الدينية شمال شرقي البلاد، أصدر مساعد النيابة العامة كتاباً رسمياً يمنع دخول المواطنات غير المحجبات إلى قطار الأنفاق واستخدام النقل العام.

واستمر رجال الدين الشيعة وخطباء صلاة الجمعة في البلاد بدعم نشاط هيئة الأمر بالمعروف وشرطة الآداب واعتبروه قانوناً يجب الالتزام به، كما أكدوا أن العدو يبحث عن إفساد المجتمع الإيراني.

الرئيس يؤكد على المواجهة

أما الرئيس الإيراني إبراهيم رئيسي فقد أيد الجهود المبذولة لمواجهة الفتيات دون الحجاب الإسلامي، من خلال تأكيده على أن ترويج الفساد في المجتمع الإيراني والإسلامي ناتج عن تخطيطات الأعداء، مؤكداً على أنه على السلطات القيام بأعمال منسجمة في جميع أنحاء البلاد ضد ما أسماه ترويج الفساد.

ودعت الجماعات الإسلامية أنصارها يوم أمس 12 تموز/يوليو والذي يعرف باليوم الوطني للحجاب والعفاف في إيران، للحضور في اجتماعات شعبية في المدن الإيرانية بغية تأييد ما تقوم به وزارة الداخلية من فعاليات مكثفة ضد النساء اللواتي لا يلتزمن بالحجاب، خاصة في موسم الصيف.


لكن يبدو أن الفتيات لن يتنازلن عن تحديهن في تخفيف حجابهن في الشوارع والمطاعم أو المولات التجارية والنقل العام، الأمر الذي جاء بعد سنوات من التدرّج من خلع "الشادور" وهي قطعة قماش تشبه العباءة النسائية، إلى تغطية الرأس ثم نصف الرأس، لیصل اليوم إلى وشاح يبقى على العنق لدى جزء مهم من الأجيال التي لم تعايش ثورة عام 1979. 

التحدي في التخفيف من الحجاب اليوم لم يكن وليد الساعة بل جاء بعد ثلاثة عقود من الاستمرار في التمرد التدريجي على الحجاب المفروض من قبل الجمهورية الإسلامية، ومن أجل دفع النظام بالعدول عن قراراته التي تنفي الحريات الفردية.

استمرار التحدي الأنثوي

اشتعلت منصات التواصل الاجتماعي بدورها بقضية الحجاب لتصبح حديث الساعة رغم المشاكل الاقتصادية التي أثقلت كاهل المواطنين، وأتت التغريدات دفاعاً عن حريات النساء من رواد المنصات والباحثين والسياسيين.

"أنا لا أستسلم. اختيار الحجاب هو حقي"، "وسط هذا الصيف الحار لماذا تؤذون النساء؟"، "أظن أننا ننتقل من الضغوط المالية إلى الضغوط النفسية"، "أهلاً بكم في ولاية طالبان"، "نحن لا نخالف ارتداء الحجاب بل نخالف فرضه على الآخرين والتدخل في شؤون الحياة الفردية"، "في حال أن السرقات المسلحة مستمرة، يزيدون من دوريات الحجاب ليرعبوا النساء"؛ هذه بعض من تعليقات الإيرانيين في هذا الشأن.

وتزامناً مع إعلان معارضة الكثير من الناشطين السياسين لسلوك شرطة الحجاب وهيئة الأمر بالمعروف، غرد الناشط السياسي الإصلاحي محمود صادقي، مخاطباً الحكومة: "ینشغلون بالحجاب کی ینسوا الغلاء".


وأكد الأستاذ الجامعي محسن برهاني على أن عدم تقديم الخدمات العامة للمواطنين في الدوائر والبنوك، هي جريمة وفق مادة 570 من قانون العقوبات الإسلامية قسم الجزاء، وبيّن المحامي أن في حال حدوث الجريمة سيخضع كل من الآمر والمطالب بالجريمة للمعاقبة القانونية.

ووصف الصحفي الإيراني فريد مدرسي أن الأحداث الأخيرة هي مشروع سياسي، يمتلك غرفة عمليات موحدة تحت إشراف رئيس هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر آية الله كاظم صديقي، ومن شأن هذا المشروع أن يخدم مصالح تيار سياسي محدد في انتخابات مجلس خبراء القيادة (الانتخابات الخاصة برجال الدين).

الحجاب رمز صراع المتشديين والإصلاحيين

وتعتبر مسألة حجاب المرأة في إيران قضية رمزية للمجابهة بين جبهتين من المجتمع الإيراني، حيث يصطف التيار الإصلاحي والذي ينادي بحقوق المواطنة والحريات الفردية وراء معارضته التامة لفرض الحجاب من خلال تنفيذ ضغوطات على الفتيات، وقد شهد المجتمع ذلك في فترة حكم الرئيس السابق حسن روحاني الذي طالب شرطة الحجاب بالتسامح مع النساء وفي فترة الرئيس الأسبق محمد خاتمي أيضاً.

وبينما يصطف التيار المحافظ والمتشدد خلف وجوب الالتزام بالأحكام الإسلامية مهما كلف الثمن، من خلال توظيف جميع إمكانيات وقدرات الحكومة وفرض نمط الحياة الإسلامية الإيرانية بالترويج أو الفرض عبر حكومتهم المتمثلة بالرئيس إبراهيم رئيسي التي جاءت لتذكر المواطنين بزمن الرئيس المحافظ الأسبق محمود أحمدي نجاد، هو الذي أسس شرطة الحجاب.


وقد أكد نشطاء التيار المحافظ على تأييدهم لفرض الحجاب حيث وصف الناشط السياسي حميد رضا ترقي، أن الشعب الإيراني بطبيعته هو شعب ديني يتفق مع القيم الإسلامية وبرز ذلك من خلال اتباعه للمرجعية والقيادة الدينية إبان الثورة الإسلامية الإيرانية.

"الفتيات غير المحجبات يفسدن المجتمع"؛ هكذا شرح رجل الدين البارز آية الله أحمد علم الهدى، التحركات الأخيرة في فرض الحجاب، ووصف بأن "الشادور كان حجاب المرأة قبل الإسلام وعند ما جاء الإسلام فقد قبل بالشادور حجاباً للنساء، لذلك على  من لا يؤيدون الإسلام أن يعرفوا أن الحجاب هو تقليد إيراني".

المعارضة تتدخل والحكومة تتراجع

#حجاب_بي_حجاب، وسم تصدر في منصة تويتر بنحو 80 ألف تغريدة فارسية وإنجليزية كان قد أطلقتها المعارضة الإيرانية في الخارج لتطالب الفتيات الإيرانيات في الداخل بالخروج دون حجاب الرأس، في أمس الثلاثاء حيث اليوم الوطني للحجاب والعفاف.

وأنتقد أنصار النظام تصرفات الحكومة في سبيل فرض الحجاب التي سببت توحيد صفوف المعارضة في هذا الشأن، وكتب الناشط علي الموسوي، أن المعارضة أطلقت عشرات الحملات ضد الحجاب خلال العقد المنصرم وكانت هذه الحملات راكدة وغير نشطة في الآونة الأخيرة لكن سوء الإدارة في الداخل فعلّت ذلك من جديد.

وبعد أن عادت القضية الاجتماعية والدينية إلى الواجهة في موسم الصيف وبد الانقسام الحاد في إيران تراجعت السلطات عن قراراتها حيث قال رئيس السلطة القضائية محسن إجئي، "لا يجب أن نعمل نشاط يثير الحساسية وعابر بل علينا أن نعمل بإتقان مع تدبير واطمئنان، كما وإذا أخطأنا لا نخاف من إصلاحه ولا نبرر أخطاءنا".

التحدي في التخفيف من الحجاب اليوم ليس وليد الساعة بل جاء عبر ثلاثة عقود من الاستمرار في التمرد التدريجي على الحجاب المفروض من قبل الجمهورية الإسلامية

رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف، بدوره أشار إلى النشاط الذي يهدف لترويج الحجاب قائلاً "هذه النشاطات يجب أن تكون بسلوك ايجابي وعقلاني ومدّبر وعلينا التجنب من السلوك الفردي"، أما المتحدث باسم الحكومة علي بهادري جهرمي، صرح بأن "الحكومة تعتقد أن في تقديم الخدمات العامة وتأمين حقوق المواطنة لا يجب أن يتم تقسيم المجتمع ونحن نخالف ذلك".

صراعات الحجاب على مدى قرن

حافل هو تاريخ إيران بالانقسامات في موضوع الحجاب، فبعد بناء الدولة الحديثة الإيرانية أصدر شاه إيران رضا بهلوي، عام 1936 مرسوماً ملكياً يفرض خلع الحجاب على النساء لتتسارع حركة الدولة نحو الإصلاح والحضارة الغربية، وقد قامت الشرطة في تلك السنوات وما بعدها بالحرص على القرار الملكي وظلت تعاقب كل من ترتدي الحجاب، لكن هذا القرار واجه معارضة من قبل الطبقات الاجتماعية ورجال الدين الذين كانوا يتمتعون بنفوذ واسع لدى أوساط المجتمع.

وعندما تولى محمد رضا بهلوي مقاليد الحكم خلفاً لوالده، رفع الحظر عن الحجاب لتبقى المرأة حرة في اختيار حجابها، في حين شاركت النساء اللواتي لم يرتدين الحجاب بالعملية السياسية والحزبية، ولكن بعد انتصار الثورة الإسلامية عام 1979، ورغم أن الكثير من النساء غير المحجبات شاركن في انتصارها إلا أن مؤسس نظام الجمهورية الإسلامية آية الله الخميني أصدر مرسوماً بفرض الحجاب على النساء رغم المخالفات الحزبية والسياسية والنسائية الواسعة آنذاك.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard