أشهر المساجد التي شيدتها النساء في إيران

الثلاثاء 23 أغسطس 202203:54 م

لم يذكر التاريخ شيئاً كثيراً عن دور النساء في إنشاء الحضارة الإسلامية ‏في بلاد فارس، بل اقتصر على ذكر أسمائهن دون التطرق إلى ‏سجلهن والقليل من نشاطاتهن، فالتاريخ يسجله الرجال كما هو معروف. 

في هذه المادة سنتعرف على قصص أشهر الجوامع الإيرانية التي شُيّدت على مدى ال‏قرون السبعة الماضية على أيادي السيدات المؤثرات في كلّ حقبة من تلك القرون.‏

مسجد گُوهَرشاد

لم تكتف الأميرة گُوهَرشاد بيگُم، حفيدة جنگيز خان، وزوجة الإمبراطور ‏شاهرُخ ميرزا بن تَيمور لَنگ ووالدة الفنان بایسُنقر میرزا، بدورها في ‏أروقة سياسة الحكم التَيموري (1370– 1507م)، وهي سلالة ‏تركمانية حكمت في بلاد آسيا الوسطى وأفغانستان وشمال الهند وإيران ‏والعراق والشام وشرق الأناضول وأجزاء من منطقة القفقاس، إذ كان ‏مقرها في سَمَرقَند، ثم مدينة هَرات الأفغانية.‏

عقب انقلاب حفيدها على الملك، قُتلت گوهرشاد عام 1457، ودفنت في ‏مسجد ومدرسة گوهرشاد في مدينة هرات ‏الأفغانية حيث شيدت هناك أيضاً جامعاً ومدرسة باسمها

أدت گُوهَرشاد بيگم دوراً بارزاً في تشييد الأبنية التراثية على طراز ‏الفن التيموري ومن هذه الصروح، مسجد كبير في مدينة مشهد شمال ‏شرقي إيران، حرصت على إنشائه إلى جوار مرقد هارون الرشيد ‏والإمام علي الرضا ثامن أئمة الشيعة من آل البيت. ‏

أتم المعمار الإيراني الشهير قوام الدين الشيرازي بناء هذا الصرح عام 1418م، ‏وحمل عنوان "مسجد گوهرشاد"، وما زال لليوم يستضيف المئات للعبادة، وهو ضمن مرقد الإمام الرضا الذي يتسع لمليون متر مربع. ‏

يضم الجامع قبة زرقاء كبيرة ومنارتين قصيرتين وشرفة واسعة تبلغ ‏مساحتها 500 متر مربع وارتفاعها 25 متراً، ويعتبر من روائع نمط ‏العمارة الإيرانية في العصر التيموري حيث زينة القرميد القاشاني ‏والأقواس داخل الرواق والنقوش الجدارية إضافة إلى الفسیفساء البديعة.‏

ونظراً ‏لفن ابنها بايسُنقر ميرزا في كتابة القرآن الكريم، طلبت گوهرشاد منه أن يخلد اسمها في مكانين مختلفين من الجامع، ليخط ‏الفنان لوحة من القاشاني بخط الثلث، تحمل عنوان المسجد وسنة ‏إنشائه.‏

وخصصت السيدة أوقافاً كثيرة منها أراض زراعية وبساتين وعيون ماء ‏ومبان، في سبيل إدارة وصيانة وترميم مسجد گوهرشاد، بل وحتى ‏لقراء القرآن، وبالنظر إلى الدور البارز للجامع في حياة سكان المدينة، حرص ‏المحسنون على وقف ممتلكاتهم في هذا الصدد، فأصبح هذا الجامع يُعد من أبرز ‏الجوامع التي يملك أموالاً ضخمة لإدارته. ‏

عقب انقلاب حفيدها على الملك، قُتلت گوهرشاد عام 1457، ودفنت في ‏مسجد ومدرسة گوهرشاد، ولكن ليس في مدينة مشهد، بل في مدينة هَرات ‏الأفغانية، حيث شيدت هناك أيضاً جامعاً ومدرسة باسمها.‏

مسجد پِیرزَن (العجوز)‏

ابتاعت السيدة گوهرشاد، منازل عدة في جوار مرقد هارون الرشيد والإمام ‏الرضا في سبيل إنشاء مسجدها، غير أن امرأة عجوزاً أبت أن تبيع دارها، ‏فحرصت گوهرشاد على تشييد الجامع دون المساس بمنزل العجوز، ‏وبعد الانتهاء من عملية البناء، وكان قد وقع منزلها في وسط فناء الجامع، ‏قررت أن توقف دارها للعبادة، فأطلق الناس عليه "مسجد پِیرزَن"، ما يعني في الفارسية "العجوز". ‏

وكان يفصل مسجد پيرزن الواقع وسط مسجد گوهرشاد، أعمدة حديدية ‏وحجرية دون جدران وسقف، ومن حوله يقع حوض ماء للوضوء، يُفرَش ‏بالحصير، ويحرص المؤمنون على إقامة الصلوات فيه.‏


ما ذكر أعلاه حكاية متناقلة عبر الألسن خلدتها الكتب في بداية القرن العشرين دون أن ‏تكون هناك وثائق عنها من القرن الخامس عشر، أي عند بناء مسجد گوهرشاد. ولكن ‏بقي مسجد العجوز قائماً حتى ثلاثينيات القرن الماضي، ثم تحول ‏إلى حوض ماء كبير. ويقول الباحثون إن تداول مثل هذه القصص يأتي ‏تأكيداً على التعاليم الأخلاقية في إنشاء الصروح، إذ لا يجب ظلم الناس ‏حتى أضعفهم كتلك العجوز.‏

جامع "كَبُود" الأزرق‏

وبينما كان شرق إيران يخضع لحكم التيموريين، استولت قبيلة ‏القراقویونلو على شمال غربي إيران، وهي قبيلة من التركمان حكمت ‏‏منذ 1390إلى 1468م في شرق الأناضول وأذربيجان والقوقاز وبعض ‏أجزاء إيران والعراق.‏

وطلبت جان‌ بیگُم، زوجة الملك أبي المظفر جَهان شاه، تشييد جامع في مدينة تبريز شمال ‏غربي البلاد عاصمة الدولة، وفي روايات ‏أخرى طلبت منه ابنته صالحة خاتون، فوافق الملك وأمر بذلك ليتم بناء مسجد على ‏طراز العمارة الإيرانية المليئة بالتصاميم والزخارف المزينة ‏بالحجر الأزرق الفيروزي.‏

باحة مربعة الشكل يتوسطها حوض ماء وأروقة حولها صنعت من ‏الرخام، منقوشة بالآيات القرآنية، هو أهم ما في الجامع الذي ‏عرف بأسماء عدة منها: "جَهان شاه"، و"شاه جهان"، و"العمارة المظفرية المباركة "،‏كما أنه يطلق عليه حديثاً مسجد كَبُود (الأزرق) ومسجد "فیروزة الإسلام".‏

ورغم ما تقدمت به زوجة الملك أو ابنته لبناء المسجد، إلا أن اللوحة التي ‏تعلو رواقه تروي شيئاً آخر، فقد سجلت أن هذا المكان شُيّد عام ‏‏1465م بأمر من أبي المظفر جهان شاه بن قرا يوسف. ولكن بقيت ‏صفحات التاريخ تدل على أن من أراد ذلك هي امرأة، ولربما أرادت أن ‏يعلو شأنها كما گوهرشاد التي أتمت مهمتها قبل ذلك بـ47 سنة.‏

وحالف جان بيگم وابنتها صالحة خاتون الحظ لتدفنا في مقبرة المسجد ‏إلى جوار الملك جهان شاه، لتكونا علامة بارزة في حرصهما على إنشاء ‏هذا المكان التراثي في مدينة تبريز. ‏

ورغم احتواء جدران الجامع على أسماء أئمة الشيعة، إلا أن أسرة ‏الملك اشترطت في رسالة وقف الجامع، على وجوب أن يكون إمام ‏الجامع شيخاً من المتصوفة ينتمي للمذهب السني. لربما كانت دولة ‏القراقویونلو تعلم ماذا سيجري في تبريز بعد 36 سنة إذ تأسست الدولة ‏الصفوية الشيعية عام 1501. ‏

جامع نَمَكِي ‏

عندما كانت الدولة الصفوية في قمة عزّها في مدينة إصفهان وسط ‏إيران، وخلال حكم سابع ملوك الصفويين، الشاه عباس الثاني (1632 - 1666 م)، بادرت الحاجة شاه خانُم، بنت ميرزا أحمد بيك نَمَكِي، من ‏أكابر الدولة، بتشييد جامع يعرف اليوم باسم "مسجد نَمَكِي".‏

وأوقفت شاه خانم في سبيل صيانته وحفظه ممتلكات خاصة من أموال ‏وعقارات، ورغم أنه تأسس في زمان أحدث من المساجد السابقة إلا أننا ‏لم نحصل على معلومات كافية تشرح قصة تشييده وإن كان على نفس ‏الاسم في بدايته أم كان له اسم آخر يدل على مؤسستِه.‏

مسجد إيِلْچِي ‏

عند تولي شاه سليمان (1638 – 1693م)، مقاليد الحكم بعد شاه عباس ‏الثاني، قامت امرأة تدعى صاحب سلطان بيگم، بنت أحد أكابر ‏الحكومة الصفوية بإنشاء مسجد في العاصمة آنذاك إصفهان. ‏

‏"قد وقفت لبناء هذا المسجد في زمان دولة السلطان الأعظم... أبي مظفر ‏شاه سليمان الحسيني الموسوي الصفوي...، صاحب سلطان بيگم بنت ‏حكيم نظام الدين محمد الملقب حكيم الملك إيِلْچِي"؛‏ هكذا تقول لوحة المسجد التي تعلو البناية وقد خطت بتاريخ ‏‏1686م، وفي لوحة أخرى فوق محراب المسجد: "هو الأعلى. لما ‏سمحت المخدرة الصالحة المقصورة صاحب سلطان بيگم بنت المرحوم ‏المغفور حكيم نظام الدين محمد، شُهره إيلچي و...". فعلى طريقة گوهرشاد ‏التي تمسكت بكتابة اسمها في مكانين مختلفين من الجامع، خطت هذه السيدة ‏الصفوية اسمها على الجدران. ‏

ومما جعل هذا الجامع محل انتباه الباحثين هو عمارته الجميلة والخط ‏المستخدم في كتابة الآيات والأحاديث وأسماء آل البيت، إذ يتشكل من ‏باحة صغيرة و رواق صغير يتوسطه محراب على نمط الفن الصفوي. ‏

مسجد خانُم (السيدة)‏

في عهد الدولة القاجارية الشيعية (1785 – 1925م)، لعبت المرأة ‏دوراً مهماً في الحياة الاجتماعية، ومن بين هذه الناشطات هي جميلة بنت حسين قُلي خَان سَرداري ‏المشهور بـ"ذوالفقاري" والتي كانت تقطن مدينة ‏زنجان شمال غربي البلاد.


أشرفت جميلة على إنشاء مسجد ومدرسة في عام 1905، ولكن وافتها ‏المنية قبل أن تكمل صرحها، فأخذت ابنتها "قَمر تاج" تشرف على عملية ‏البناء، ومن ثم تولت أمور الجامع والمدرسة، فاشتهر المكان باسم "مسجد ‏خانم"، ربما عرفاناً لدور هاتين السيدتين في تشييده. ‏

الأصفر والبرتقالي والوردي والأبيض والأسود، ألوان زينت ‏جدران الجامع ليكون علامة مميزة لانفراده بين سائر ‏المساجد التي شيدها الرجال. ويضم المسجد وفيه غرف كثيرة لإقامة ‏الصفوف، باحة تضم حوض ماء وأشجاراً تمنح المكان جواً هادئاً ‏مليئاً بالألوان والخضار. ‏

جامع فخر الدولة

ولم تخل طهران عاصمة إيران اليوم، والتي اختارتها الدولة القاجارية ‏مركزاً لحكمها، من أثر السيدات اللاتي شاركن في تشييد بعض المعالم ‏والصروح في تلك الحقبة. ‏

شهدت الأميرة القاجارية أشرف الملوك فخر الدولة، بنت الملك مظفر الدين ‏شاه، انقلابَ رضا بَهْلوي على حكم أحمد شاه آخر ملوك القاجاريين، وقد ‏أسس الملك الجديد (رضا بهلوي أو رضا شاه)، الدولة البهلوية (‏‎1979- 1925‎‏).‏ فبقيت الأميرة تحرص على إقامة نشاطات خيرية، وكانت الدولة ‏الحديثة تكن لها الاحترام، فدعت المعمار الروسي نيكولاي ماركوف، ‏والذي بادر بإنشاء الكثير من المباني في إيران، وكان محل ثقة الحكومة الإيرانية، ‏لتطلب منه بناء مسجد في وسط طهران. ‏‎ ‎


شيّد المعمار الروسي مسجداً على طراز الفن البيزنطي، يشبه دور العبادة ‏والكنائس الغربية، عام 1945، وبعد أربع سنوات تم العمل، ‏لتأمر أشرف الملوك والتي كانت تشرف على عملية البناء بنفسها حيث ‏كان المسجد أمام منزلها، على أن يكتبوا لوحة الجامع باسم والد زوجها ‏المستشار الأعلى في عهد والدها الملك مظفر الدين شاه.‏

ساهمت ‏امرأة في بناء مسجد في العقود الأخيرة في محل حسينية في ‏مدينة بوشِهْر المطلة على الخليج، يعود تاريخه إلى فترة الحرب العالمية ‏الأولى

‏"مسجد أمين الدولة"، هكذا أطلقت الأميرة على الجامع، تقديراً لدور ‏ميرزا علي خان، ولكن نشاطها المستمر في المسجد وتقديم النذورات في ‏شهر محرم وإطعام المساكين، جعل المسجد يشتهر باسم مؤسسته وبات ‏يردد الناس اسمه: "مسجد فخر الدولة".‏

مسجد پیرزَن أو فاطمة الزهراء

وكيلا يسجل التاريخ أن جنوب إيران كان بلا جامع بنتْه سيدة، ساهمت ‏امرأة في بناء مسجد في العقود الأخيرة، في محل حسينية في ‏مدينة بوشِهر المطلة على الخليج، يعود تاريخه إلى فترة الحرب العالمية ‏الأولى، وكانت هذه المرأة والدة أحد الأبطال المحليين الذين شاركوا في الحرب ضد الغزو البريطاني، ‏يدعى زايِر خضر خان أهْرُمِي. ‏

وتحولت هذه الحسينية بعد مرور فترة على بنائها إلى مسجد، تحيط به محلات تجارية في ‏الجانب الغربي، لتصرف أموال الدكاكين على ترميم وصيانة الجامع ‏الذي بات يطلق عليه "مسجد پيرزن" أي "مسجد العجوز".‏

وهو ضمن أول مساجد مدينة بوشهر التي شُيّدت فيها مأذنتان في ‏الخمسينيات القرن الماضي. وقد أطلق على الجامع "مسجد فاطمة ‏الزهراء"، بعد انتصار الثورة الإسلامية.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard