"كان عليّ أن أكتب بهذا الخطّ النحس"... ثلاث إيرانيات يكتبن رحلاتهن

الثلاثاء 29 مارس 202206:24 م

كانت حصة النساء الإيرانيات من السفر خلال الفترة القاجارية () وما قبل ذلك (قبل عام 1925م) ‏تقتصر على الزيارات الدينية، والتي كانت تتم بإذن أزواجهن. ومع ذلك، اغتنمت بعضهن هذه ‏الفرص الصغيرة، وكتبن مذكرات عن رحلات طويلة وصعبة في صيغة كتب رحلات، والتي تعتبر ‏وثائق تاريخية مهمة، بالإضافة إلى أهميتها الأدبية.‏

خلال السنوات الأخيرة، تم تعديل وطباعة ثلاث رحلات سفر لنساء إيرانيات من القرن التاسع ‏عشر، وهي: "ثلاثة أيام حتى نهاية البحر" لأميرة قاجارية كتبتها عام 1885م، و"نصبنا ‏خيمتنا وذهبنا للمشاهدة" كتبتها عالية خانم شيرازي عام 1891م، و"غداً موعد ‏الرحيل يا سيدتي" كتبتها سكينة سلطان الملقبة بـ"وقار الدولة" عام 1899م.‏

تاريخ كتابة الرحلات في إيران

يعود دخول مجال كتابة الرحلات إلى إيران، إلى العصر الصفوي (1736-‏‏1501 م)، والتي لم تكن جميعها منثورة، حيث أول رحلة حج كتبتها امرأة كانت منظومة على شكل قصيدة مزدوجة (مثنوية) طويلة، تتألف من 1200 بيت، كتبتها امرأة تدعى شَهْربانو بيكُم.‏

بلغت كتابة رحلات السفر ذروتها في الفترة القاجارية، وأصبحت من أهم أساليب النثر الإيراني ‏الحديث، كما أن أولى الروايات الفارسية كُتبت في تلك الفترة بشكل رحلات سفر. أفسحت القصص ‏البطولية الطريق لأدب الواقع، وبدأ الراوي يظهر في النص، على عكس الأعمال الكلاسيكية.‏

الخصائص المشتركة بين كاتبات رحلات السفر القاجاريات

النثر البسيط والسلِس، والخيال، والتفاصيل، وروح الدعابة والشجاعة للكاتبات الثلاث، واللاتي ‏جميعهن كن من سيدات البلاط القاجاري، ومن الطبقات العليا في المجتمع الإيراني آنذاك، هي ‏السمات المشتركة لهذه الرحلات الثلاث. والملفت للنظر أن نثر هذه الرحلات مشابه للنثر الفارسي ‏الحديث والمستخدم اليوم في إيران، وكان يختلف كثيراً مع النثر المعقد السائد في ذلك الوقت، والذي ‏كان مليئاً بالاستعارات والقوافي والمجازات اللغوية الأخرى.‏

خلافًا للاعتقاد السائد، لم تكن المرأة خلال الفترة القاجارية منعزلة اجتماعياً، بل بذلت الكثير من ‏الجهود لتكون حرة وأن تكتسب هوية مستقلة

نصوص هؤلاء النساء الثلاث بعيدة عن أي تعقيد، فهي قريبة من اللغة العامية أكثر مما هي ‏قريبة من النثر الأرستقراطي السائد في عصرهن. وتمت كتابة هذه الرحلات بهذا الأسلوب، في ‏ذروة جدل خطير بين الكتابة المعقدة (نثر رجال البلاط والسكرتارية) والكتابة البسيطة (نثر ‏الصحفيين الجمهوريين).‏

تدل كتابة النساء القاجاريات الثلاث بأسلوب الحداثيين والجمهوريين (الدستوريين) على أنهن كنّ ‏واعيات بتطورات عصرهن ولم يتجاهلن قراءة الصحف التي كانت تطبع آنذاك.‏

خلافاً للاعتقاد السائد، لم تكن المرأة خلال فترة القاجارية منعزلة اجتماعياً، بل بذلت الكثير من ‏الجهود لتكون حرة وأن تكتسب هوية مستقلة، وحضور النساء في التطورات السياسية كـ"انتفاضة ‏التبغ"، خير دليل على ذلك.‏

وقد عبرت هؤلاء القاجاريات الثلاث في نصوصهن، عن مشاعرهن وشوقهن وسخريتهن ورغباتهن ‏دون أي خجل. في الحقيقة، لقد تركت هذه النساء تفاصيل الحياة الاجتماعية للمرأة الإيرانية آنذاك. ‏ولغتهن متهورة وبعيدة عن اللغة المصقولة التي ظهرات بعد الثورة الدستورية في إيران.‏

تخبرنا النساء الثلاث في رحلاتهن، تفاصيل عن الوضع الاجتماعي والاقتصادي والثقافي ‏للشعب الإيراني والعراق وسوريا في ذلك الوقت، وهي التفاصيل التي عادة ما كانت تغيب عن ‏نظر الرجال.‏

لا صوت الجمل، ولا أحد ينادي "تعال"‏

‏"ثلاثة أيام حتى الوصول إلى نهاية البحر" هي رحلة كتبتها إحدى الأميرات الإيرانيات التي لا ‏نعرف اسمها. يطلب يدها الملك القاجاري ناصر الدين شاه، عندما كانت في سن الخامسة عشرة من ‏عمرها، بعد إعجابه بجمالها. لكن حسد المحيطين به يؤدي إلى إلغاء الخطبة، ویتم زواجها بأمر من ‏الملك من رجل يدعى عماد الملك، حاكم منطقة طبَس، والذي كان يكبر الأميرة بأكثر من ثلاثين ‏عاماً.‏

عداوة زوجات عماد الملك الأخريات لها وعدم إنجابها الأطفال ومعاناتها من وفاة شقيقين صغيرين ‏لها تضيق المجال أمام الأميرة القاجارية، لدرجة أنها تشك في الدين، وللبحث عن طريقة لاستعادته تبدأ ‏سفراً بإذن من زوجها، رغم أنه لم يكن راضياً بهذا السفر.‏

هي امرأة دقيقة. واستخدامها السليم للقصائد والأمثال وروح الدعابة في النص وذكر الأحداث ‏التاريخية يدل على معرفتها العالية بالقراءة والكتابة. بدأت رحلتها في الحادي والعشرين من شهر ‏شعبان 1303 هـ، وتم إعادة كتابة النص عام 1899م.‏

طريق رحلتها شمل كلاً من طبَس وكِرمانشاه، ثمّ الكاظمين، وبغداد، والبصرة، وبوشِهْر، والمحيط الهندي، والمدينة، والنجف، ‏وكربلاء، والسامراء، وقصْر شيرين، وكاشان، وطبس.‏

ومواجهة قطاع الطرق وغرق السفينة كانت من أصعب مغامرات رحلتها، وسجل قلمها، ‏كالكاميرا، اللحظات المهمة في هذه الرحلة. ذكرت في جزء من رحلتها: "ماذا أكتب عن جمال بغداد ‏وهذا الشط. مجموعات من الشباب اليهود والمسلمين والأرمن يسبحون في الماء. ومجموعة من ‏الرجال والنساء يتجولون بالقوارب في الماء". ‏

مواصفات المدينة التي تكتبها الأميرة تظهر اختلافها عن شکلها ووضعها الحالی بشكل جيد: ‏‏"المدينة المنورة بها العديد من الحدائق. مرقد النبي ليس له قبة. المنارات ليست مرئية من بعيد ‏بسبب كثافة النخیل". ‏

بعد أن تجتاز مصاعب الرحلة، تشق الأميرة طريقها نحو منطقة الجبل في المدينة، وتعجب بأجواء ‏المنطقة، وتکتب في وصف حسن ضيافة أهالي المنطقة: "إذا دخل ألف شخص إلى مضيف الأمير ‏في يوم واحد، فسيكون بالتأكيد طعام لهم... يطبخون الخروف دون تقطيعه ویضعون صواني كبيرة ‏أمام الضيف وفيها الخروف وإلى جانبه البصل والتمر".‏

المیاه في كلّ مكان

كُتِبَت رحلة عالية خانُم خلال الفترة الناصرية. ومن بين رحلات السفر في ذلك الوقت، رحلتها هي ‏الوحيدة التي لا يذكر فیها ضرورة إذن الزوج لسفر المرأة.‏

‏ ورغم أن الحج واجب شرعي ولا يتطلب إذن ولي الأمر، إلا أن الرجال في ذلك الوقت كانوا ‏یعارضون سفر زوجاتهم لتأدية الحج، أو لم يوافقوا على ذلك بسهولة.‏

وذهاب المرأة بدون المحارم إلى رحلة طويلة، وتولیها قيادة قافلتها بنفسها، لم يكن أمراً يمكن ‏لرجال قاجار التعامل معه بسهولة، لكن عالية خانم قامت بذلك، وذهبت في زيارة بدأتها من مدينة ‏كِرمان باتجاه بومباي.‏

‏ جزء من كتاب علياء خانم المتعلق بالرحلة البحرية، يوقف أنفاس القراء، حيث تقول فيه: "كانت ‏السفينة تميل كثيراً لدرجة أننا كنا نظن أننا سنغرق... إنها القيامة... إنه يوم الحشر... تميل السفينة لدرجة تمتلئ بالماء".‏

في البداية، كان من المقرر أن يكتب شخص يُدعى السيد ولي خان، هذه الرحلة، بدلاً من عالية خانم، ‏لكنه توقف عن كتابة الرحلة منذ البداية بسبب الكسل، واستمرت عالية خانم بكتابتها، وهكذا تشرح ‏الموقف: "كان علي أن أكتب سيرة ذاتية بهذا الخط النحس النجس لأجعلها ذكرى".‏

تخبرنا النساء الثلاث في رحلاتهن، تفاصيل عن الوضع الاجتماعي والاقتصادي والثقافي ‏للشعب الإيراني والعراق وسوريا في ذلك الوقت

‏ تقدم هذه الملاحظات صورةً شجاعة ومستقلة وجريئة لعالية خانم، التي قطعت رحلة طويلة ‏وصعبة دون زوجها وأطفالها. في بعض الأحيان وللحصول على حقوقها كانت تتشاجر مع ‏الرجال، وأحياناً كانت تتناقش معهم وتدخل معهم في مفاوضات، كما أنها كانت تفصل طريقها ‏عنهم في أحيان أخرى.‏

في الجزء الثاني من رحلة عالية خانم، والتي تدور أحداثها في طهران، يتغير أسلوب الكتابة. ‏

تبقی عالية خانم في بلاط ناصر الدين شاه لمدة طويلة. فيأتي وصفها للبلاط من وجهة نظر شخص غريب ‏يشرح الوضع السائد في تلك الفترة ونمط الحياة في البلاط، وهذا ما يجعل نص عالية خانم مختلفاٌ عن ‏كتابات أقارب الملك، حيث تكتب في جزء منها: "كانت تأتي زوجات الملك كل يوم. كنت ‏أشاهدهن. في المساء كنا نذهب إلى الحديقة الملكية، كانت جميع زوجات الملك الثمانين يضعن ‏الماكياج... كان يتقدم الملك وتتبعه النساء". ‏

تقدم أوصاف عاليه خانم لناصرالدين شاه صورة مختلفة للنثر الذكوري آنذاك، إذ تكتب عنه: ‏"كان الملك يمشي حتى اقترب مني... خلع نظارته وفتح منديله وقرب رأسه إلى وجهي. نظرت إلى ‏الأرض من الخجل. قال بسرعة ولعدة مرات انظري إليّ، هل أنا شخص مقبول أم لا؟ نظرت إليه ‏وقلت: نعم، ماشاءالله، أنت جيد جداً ومقبول. قال إنك تكذبين، فأنا لست شخصاً مقبولاً... وذهب نحو ‏المطربين". ‏

غداً موعد الرحيل يا سيدتي

كانت وقار الدولة امرأة محظوظة حيث كان بإمکانها السفر إلى مكة بموافقة زوجها، حيث كان ‏يتعين على العديد من النساء في ذلك الوقت إما التنازل عن مهرهن أو ايجاد زوجة شابة لأزواجهن ‏للحصول على إذن السفر منهم.‏

لكن وقار الدولة تحتج في رحلتها لعدة مرات على سلوك الرجال تجاه النساء. كانت هذه المرأة ‏المتعلمة إحدى زوجات ناصر الدين شاه، والتي أصبحت زوجة ميرزا إسماعيل خان معتصم ‏الملك، أحد رجال الحكومة البارزين، بعد وفاة زوجته. ‏

لم تسمح التعصبات والقيود المفروضة في تلك الفترة للمرأة للسفر إلى الدول الأوروبية ‏حتى يستمتع الجيل القادم بقراءة آراء النساء تجاه تلك الدول

‏ لا تتردد في رحلتها في التعبير عن حبها لزوجها المقتول. تبدأ قصتها في السابع والعشرين من ‏شهر جمادى الأولى (تشرين الأول/أكتوبر 1899) وتستمر لمدة عام ونصف. وشمل طريق رحلتها كلاً من طهران، وكرمانشاه، ‏وكربلاء، والنجف، وحلب، والإسكندرية، وطرابلس، وبيروت، ومكة، والمدينة المنورة، ‏وكاظمين، وسامراء، وكرمانشاه، وبروجرد، وطهران.‏

يغلق الطريق إلى منطقة الجبل، وتضطر القافلة للذهاب إلى مكة عبر حلب أو الشام: "تم القرار أن ‏يذهب نصف الحجاج عبر طريق الشام ونصفهم عبر طريق حلب. طلبت منهم أن يأخذوني عبر ‏طريق الشام كي أقوم بزيارة السيدة زينب خاتون. شقیقي عارض هذا، ولذلك سيأخذوني عبر طريق ‏حلب. بكيت كثيراً في الليل... مهما كان فإن المرأة المسكينة هي أسيرة الرجل".‏

عندما تصل القافلة إلى حلب، تكتب وقار الدولة: "حلب مدينة جميلة جداً. لديها أناس نظيفون. فيها ‏أزقة نظيفة للغاية... لكن دعوني أخبركم عن حمام حلب الذي لم أر مثله من قبل... حمام لا يمكن ‏وصفه".‏

تثیر أجواء بيروت إعجاب وقار الدولة: "یمکن من بعيد رؤية بيروت ومعرفة أنها مدينة مقبولة للغاية... لم ‏نسمع صوت الموسيقى منذ بدء رحلتنا لكن هذه المدينة لديها موسيقى جيدة جداً. ويقال بأنها أكبر ‏من کل مدن الصفحات، بل أكبر وأكثر فخامة من مدينة الشام، وفیها أسواق جيدة وقصر حكومي ‏جيد جداً... يسمع صوت الموسيقى حتى الساعة الواحدة فجراً، وحتى الساعة الخامسة صباحاً كانت ‏تسمع أصوات مطربي المسارح".‏

للأسف، لم تسمح التعصبات والقيود المفروضة في تلك الفترة للمرأة للسفر إلى الدول الأوروبية ‏حتى يستمتع الجيل القادم بقراءة آراء النساء تجاه تلك الدول. لكن الرحلات الدينية التي تم التطرق ‏إليها في هذا المقال، تلقي الضوء على أفکار النساء الإيرانيات في ذلك الوقت؛ الأمر الذي يعرّفنا ‏إلى حد ما علی أجوائهن الفكرية وخصائصهن الأخلاقية، فبعضُ الشيء أفْضلُ من لاشيء.‏ 

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard