شاركوا في مهمّتنا،
بل قودوها

غيّروا، لا تتأقلموا!
ليليان شعيتو ليست استثناءً... تهميش جرحى انفجار بيروت يُعرّي "النظام الطبقي"

ليليان شعيتو ليست استثناءً... تهميش جرحى انفجار بيروت يُعرّي "النظام الطبقي"

سياسة نحن والفئات المهمشة

السبت 20 أغسطس 202212:09 م


كان يوم 4 آب/ أغسطس 2020، يوماً مشؤوماً على سالم بكري (42 عاماً)، الذي فقد ذاكرته نتيجة الانفجار الذي وقع في مرفأ بيروت في ذلك اليوم الأسود. استيقظ سالم بعد ثلاثة أشهر من الانفجار، ولم يقوَ على تذكّر سوى معلومة واحدة فقط، هي أنه كان يعمل في خدمة الديليفري على دراجة نارية، ويتجول في شوارع بيروت لإيصال بعض الحاجيات إلى أحد الزبائن، فسمع صوتاً قوياً وما زال حتى اليوم لا يعلم ما الذي حصل بعدها.

وُجد سالم بعد الانفجار مرمياً على الأرض، بعد أن طار عن دراجته النارية التي اختفت، ما أدى إلى نزيف في الدماغ وكسرٍ كبير في جمجمته وتمدد الغرغرينا في ساقه التي تحتاج إلى بترٍ في أسرع وقت. وخلال أسبوعين، أجرى الأطباء له ست عمليات جراحية وكان الأمل بنجاته لا يتعدى الـ3%، ولكنه نجا، مع عجز عن المشي أو حتى تحريك قدمه، وما زالت جمجمته مكسورةً وتضررت عينه اليسرى ما أدى إلى رؤيته الأشياء مزدوجةً من دون وضوح وبألم شديد.

يعيش سالم اليوم في منطقة الشويفات مع شقيقه الذي لم يتذكره بعد، ويقول لرصيف22: "استيقظت وأنا غير مدرك لمن حولي، أخبروني بأنهم إخوتي، فسألتهم عن والديّ فأجابوا بأنهما توفيا قبل سنوات كثيرة، فتعجبت. لا أملك من ذاكرتي أي تفصيل، فأنا عاجز عن استرجاع أحداث حياتي. سألتهم إذا كنت متزوجاً فأجابوا: لا. حسناً هذا جيد، فكيف سيرى أولادي شكل أبيهم بنصف جمجمة وبذاكرة ممحوة تماماً؟".

يقضي سالم يومه كله وهو يبكي، بسبب انزعاجه من الحفاضات التي يستعملها لمرات قليلة بسبب ارتفاع سعرها، ومن مكوثه بين أربعة جدران منذ عامين من دون أي أمل بتحسن ما، ويسأل: "لم لا أبكي؟ لقد فقدت حياتي في ثوانٍ وها أنا اليوم أنظر إلى المرآة فأخاف، لذا أتجنب المرور بالقرب منها. وتعويضاً عن ذلك، أقضي يومي وأنا أتأمل صوري القديمة وأحاول استرجاع أي من ذكرياتي ولكن دون جدوى. أخاف من شكلي الجديد؛ رجل بنصف رأس، لا أملك إلا نصف جمجمة مغطاة بجلدة رقيقة. ما الذي حلّ بي؟ أكثر ما يضايقني هي لحظة تصفّحي صور عائلتي، إذ أجد نفسي واقفاً وأنا أغمر والدتي وإخوتي. تُرى هل يستطيع الولد أن ينسى والدته؟ أقبّل الصور وأنا أعلم جيداً أنني لحظة تصفّح هذه الصور من جديد سأسأل إخوتي: من هذه الموجودة في الصورة؟ وسيجيبون بأنها أمي وسأبكي".

استيقظت وأنا غير مدرك لمن حولي، أخبروني بأنهم إخوتي، فسألتهم عن والديّ فأجابوا بأنهما توفيا قبل سنوات كثيرة، فتعجبت.

في 4 آب/ أغسطس 2020، لقي 230 شخصاً حتفهم، وأصيب أكثر من 6،000 شخص بإصابات متنوعة، كُثر منهم قُضي على حياتهم العملية والمهنية وصاروا عاجزين عن إكمال حياتهم بشكل طبيعي. وبعد مرور أيام وأسابيع معدودة، ضجت وسائل الإعلام بمجموعة صغيرة من الضحايا ومن المتضررين، فسُلّطت الأضواء عليهم. تداول رواد مواقع التواصل الاجتماعي صورهم، وحفظوا سير حيواتهم، وتابعوا قضيتهم من دون كلل أو ملل. فمن منا لم يسمع بعروس الدفاع المدني الشهيدة سحر فارس، أو الطفلة ألكسندرا نجار، أو الشهيد جو نون وغيرهم؟.

الأميرة النائمة

في المقابل، قصص وروايات كثيرة لم تصل إلى كُثر من اللبنانيين وغير اللبنانيين. منها قضية الزوجة الأم المتضررة ليليان شعيتو (29 عاماً)؛ الثابتة في سرير المشفى منذ عامين كاملين، والتي كانت تعيش مع زوجها في إفريقيا وعادت إلى لبنان لإنجاب طفلها الذي لم يكن يتجاوز شهراً ونصف الشهر من عمره لحظة وقوع الانفجار. في أثناء تسوقها في وسط العاصمة بيروت، دوّى الانفجار وسقطت واجهة أحد المحال التجارية عليها ما أدى إلى دخولها في غيبوبة دامت نحو عام كامل. ووسط ذهول الأطباء الذين لم يتوقعوا نجاتها، استيقظت شعيتو وفتحت عينيها، ولكنها لم تجد طفلها.

قبل الذكرى الثانية للانفجار، سمع اللبنانيون وعرفوا بليليان. تابعوا قصتها من خلال فيديو انتشر بشكل كبير على وسائل التواصل الاجتماعي. هي لا تستطيع سوى تحريك يدها، والنطق بكلمة واحدة: "ماما"، والتي عُدّت نداء استغائة لرؤية ابنها الغائب عنها منذ عامين. وقد أثّر ضغط وسائل التواصل الاجتماعي والإعلام على هذه القضية بعد تداول صورة لليليان وهي تمسك بدمية صغيرة عوضاً عن رضيعها، ما أثار غضب اللبنانيين الذين تضامنوا معها.

لا أملك إلا نصف جمجمة مغطاة بجلدة رقيقة. ما الذي حلّ بي؟ أكثر ما يضايقني هي لحظة تصفّحي صور عائلتي، إذ أجد نفسي واقفاً وأنا أغمر والدتي وإخوتي. تُرى هل يستطيع الولد أن ينسى والدته؟

وأدى هذا الضغط الإعلامي إلى تدخل رجال دين ولجنة الأطباء وعائلتها الذين أشاروا إلى أهمية رؤية ليليان لطفلها علّه يساعدها على التعافي، داعين إلى ضرورة التخلص من نزاع الحضانة مع زوجها، وحل كل المشكلات والأقوال المتناقضة بين العائلتين، خاصةً أن ليليان حُرمت في كل الأحوال من رؤية ابنها منذ أن وقعت ضحية.

ومؤخراً، عادت هذه القضية إلى الواجهة بعد أن سعت عائلتها إلى الحصول على جواز سفر ابنتهم الموجود لدى زوجها، لتتمكن من السفر خارج لبنان لتلقّي العلاج اللازم، فيما صرحت العائلة بأن عائلة الزوج تحتجز جواز السفر، وبعد ضغط شعبي واسع استطاع ذووها الحصول عليه. حتى اليوم، ما زالت ليليان تكافح جراحها بصمتٍ وبعجزٍ في انتظار معجزةٍ تخولها استعادة صحتها والتجاوب مع العلاج لتعود وتحضن ابنها.

رحلة العذاب

لارا حايك (43 عاماً)، ضحية ثانية مطروحة في فراش المستشفيات منذ عامين، وهي ابنة منطقة الجميزة، أنهت عملها في شركتها كالمعتاد وعادت إلى منزلها لتأخذ قسطاً من الراحة. حينها وقع الانفجار، ولم تعلم والدتها نجوى بأن ابنتها الوحيدة في حالة يُرثى لها. حاولت الاتصال بها كثيراً لكن دون جدوى، فذهبت إلى البيت للاطمئنان عليها.

تقول لرصيف22: "وجدت ابنتي مطروحةً على الأرض وهي بـ’روب’ الحمام، وكانت إصابتها في رأسها وعينها. مسكت عينها وهي تبكي وتصرخ من الألم بالقرب من الباب. ألبستها وركضت إلى شارع الجميزة الذي كان شبيهاً بمدينة الأشباح المدمرة، وحاولت إيجاد أي سيارة لتوصلنا إلى المستشفى، ولكنني عجزت. فالجميع كانوا في حالة هيستيريا والدنيا في فوضى، فما كان مني إلا أن تظاهرت بأني غائبة عن الوعي ومصابة في الشارع، فساعدني سائق شاحنة وأوصلنا إلى المستشفى. وبسبب الضغط الهائل والفوضى العارمة، تأخر الأطباء عن معالجة لارا التي بدأت تتقيأ الدم وتنزف، فتوقف قلب صغيرتي، وحاولوا إنعاشها إلا أن الأوكسيجين لم يصل إلى رأسها فغابت عن الوعي ودخلت في كوما".

تروي نجوى رحلة عذاب ابنتها بحزنٍ، وتصفها بأنها جسد بلا روح منذ عامين، وتتضرع للمقدسات الدينية كلها لتتدخل وتعيد الصحة إلى ابنتها. تبكي وتكرر باستمرار أسئلةً عديدةً: "ما ذنب ابنتي؟ لم تقترف أي ذنب. من حكم عليها بالموت السريري؟ أعلم جيداً أن ابنتي لن تتعافى، فالأطباء أخبروني بأن لا أمل لها بالاستيقاظ، ولكن ماذا أفعل؟ هل أقتل ابنتي مرةً أخرى؟ أنا أمها وما زلت بعد عامين أزورها يومياً وأحدّثها وأغنّي لها لأسمع نبضات قلبها وهي تغفو في سريرها علها تجيبني أو تهمس لي".

جسد على ساق واحدة

بُترت قدم جوزيف خضري (58 عاماً)، وكُسرت كتفه وعجز مجدداً عن المشي بعد أن وقع عليه جدار في الأشرفية في أثناء قيامه بممارسة الرياضة. ويروي خضري لرصيف22، عن معاناته التي لم تنتهِ حتى اليوم مع الألم والعذاب. يقول: "في بداية الأمر قمت بعمليه طويلة لقدمي، ولكنني فقدت الإحساس بها واصفرّت أصابعي، فأخبرني طبيبي بأن هذا الأمر بسيط ولن نحتاج إلى قطعها، أحسست بأنه يخفي الحقيقة عني. وكما توقعت، بعد أيام أخبرني الطبيب بأنه سيقطع ساقي كلها".

 أعلم جيداً أن ابنتي لن تتعافى، فالأطباء أخبروني بأن لا أمل لها بالاستيقاظ، ولكن ماذا أفعل؟ هل أقتل ابنتي مرةً أخرى؟ أنا أمها وما زلت بعد عامين أزورها يومياً وأحدّثها وأغنّي لها 

يضيف: "لم يكن الأمر سهلاً، إذ كيف يمكن لإنسان أن يكمل حياته بساقٍ واحدة؟ كيف سأمشي وأركض؟ كيف سأتوجه إلى عملي وأقابل زملائي في الشركة؟ كلها أسئلة دارت في رأسي ولم أجد أي إجابة عنها. اليوم فقدت قطعةً من جسدي بالقوة، ولكنني أعلم جيداً أنني في هذا البلد، أفقد جزءاً من روحي كل يوم وأفقد حقوقي أكثر فأكثر. ولكن ماذا أفعل؟ حتى عندما قام طبيبي بتركيب قدم اصطناعية لم أتقبّلها، فكيف لقطعة بلاستيكية أن تحل محل شراييني وأعصابي وجسدي لتساعدني على السير؟ هل بتنا دمىً في هذا البلد، وكلما بتروا لنا عضواً نستبدله بقطعة بلاستيكية؟".

معاناة مستمرة

كل الذين عرضنا أعلاه حالتهم، أكدوا لرصيف22، أنهم لم يتلقوا أي مساعدة من الدولة اللبنانية أو وزارة الصحة أو الضمان الاجتماعي، إنما تمكنوا من العلاج عبر بعض الجمعيات التي قدّمت مبالغ بسيطةً من المال، إما عبر أصحاب الأيادي البيضاء الذين ساعدوهم على إجراء عملياتهم الجراحية، أو عبر ذويهم الذين سعوا إلى تأمين كل المبالغ المالية المطلوبة، ولكن بسبب تأرجح الدولار وارتفاع أسعار العمليات الجراحية توقفوا جميعهم عن متابعة رحلات علاجهم، فألغوا كل العمليات الجديدة ولم يستطيعوا شراء أدويتهم وامتنعوا عن متابعة علاجاتهم الفيزيائية.

يرى المحامي مازن حطيط، أن الكثير من الضحايا هُمّشوا ولم يحظوا بأي اهتمام من الدولة اللبنانية أو من الإعلام، وقد تابع منذ الانفجار حالات عدة لضحايا، وعمل على مساعدتهم لتحصيل حقوقهم، وهؤلاء كانوا مهمشين وفي حالة يُرثى لها، وهم مجموعة من الأجانب أو من العمال اللبنانيين الفقراء الذين لا معيل لهم.

يقول حطيط لرصيف22، إن "النظام القانوني والسياسي في لبنان هو نظام عنصري طبقي يتعاطى بتمييز مع حقوق الإنسان. فالقانون يضمن الحق الإنساني، وهو حق لكل الضحايا من دون استثناء، ومن دون أي تمييز طبقي أو عرقي، وللضحايا حق في أن يحصلوا على معاملة إنسانية تليق بهم وبحالتهم وفي ضرورة متابعتهم وتأمين طبابتهم ومراحل علاجهم، وإعطائهم تعويضات لهم ولأهالي الشهداء بالإضافة إلى حقهم في الحصول على العدالة ومعرفة قاتلهم ومحاسبته. وكل التهميش الحاصل اليوم يدلّ على التعدّي على حقوق الإنسان في العالم كله، ويدلّ على إهمال الدولة".

خلفيات التهميش

ترى الصحافية والخبيرة في نشر المواد في الإعلام المرئي، دلال معوض، أن السبب الرئيسي في تسليط الأضواء في الإعلام على مجموعة محددة من الجرحى والضحايا وتهميش مجموعة أخرى، يعود إلى أسباب عدة منها أن "نشر المواد يحتاج إلى عناصر مهمة والأهم أن تكون متعلقةً بالأحداث التي تحدث في لبنان، وأن تكون قصصاً مؤثرةً لجذب المشاهدين وحثّهم على المتابعة المستمرة. كما يجب أن تكون هذه المادة منتشرةً على وسائل التواصل الاجتماعي وذلك لكسب التراند.

النظام القانوني والسياسي في لبنان هو نظام عنصري طبقي. فالقانون يضمن الحق الإنساني، وهو حق لكل الضحايا من دون استثناء، ومن دون أي تمييز طبقي أو عرقي، وللضحايا حق في أن يحصلوا على معاملة إنسانية تليق بهم 

وتشير إلى أن "تهميش بعض الفئات يعود إلى أسباب عدة، وهي تسمية الضحايا وذكرهم كمجموعات وليس كأفراد، ما أدى إلى عدم معرفة المشاهدين بهم. فمثلاً، قضية ليليان شعيتو اكتسحت الإعلام لأنها تحمل قضايا عدة في آن واحد، فهي تحمل قضية النظام البطريركي والمحكمة الجعفرية والحضانة والمشكلات الزوجية وغيرها. أما أهالي معظم الضحايا فقد كانوا ناشطين جداً على وسائل التواصل الاجتماعي وسعوا يومياً عبر الاتصال بالإعلام إلى متابعة قضيتهم للحصول على العدالة".

تعطي معوض أمثلةً على ما تقول: "أهالي الطفلة ألكسندرا نجار، والشهيدة سحر فارس، وشقيق جو نون الذي يتابع القضية إعلامياً وميدانياً منذ عامين. هذه الأسباب هي التي ساعدت على تسليط الأضواء عليهم، لا سيما أنه لا يمكن إنكار أن الإعلام اللبناني ما زال مقيّداً مالياً من قبل بعض الفئات السياسية، وعليه أن يتحرر أكثر ويطوّر مضمونه أكثر ليحاكي كل فئات المجتمع من دون استثناء".

وتضيف أن "تهميش هذه الفئات أتى بعد تفضيل حالات أخرى وتسليط الأضواء عليها، إذ لم يسلَّط الضوء على الأشخاص الفقراء وركّز الإعلام على الإضاءة على الناشطين وأصحاب القضايا التي تثير البلبلة أو الذين ينتمون إلى مراكز مرموقة أو معروفة في لبنان. ويبقى الفقير في لبنان يعاني من التهميش في حياته ومماته من دون أن تعيره وسائل الإعلام أي أهمية".

كل فئات المجتمع تستحق الحياة، هكذا ببساطة. شاركونا ما يدور في رؤوسكم حالياً. غيّروا، ولا تتأقلموا!

نؤمن في رصيف22، بأن بلادنا لا يمكن أن تصبح بلاداً فيها عدالة ومساواة وكرامة، إن لم نفكر في كل فئة ومجموعة فيها، وأنها تستحق الحياة. لا تكونوا زوّاراً عاديين، وساهموا معنا في رحلتنا في إحداث الفرق. اكتبوا قصصكم. أخبرونا بالذي يفوتنا. غيّروا، ولا تتأقلموا!

Website by WhiteBeard