تعطيل تحقيق "انفجار بيروت" مستمر... هذه معركة "التغييريين" لتحرير القضاء وتحقيق العدالة

الجمعة 27 مايو 202203:53 م

ما يقارب 25% من اللبنانيين صوّتوا لصالح تعطيل التحقيق في انفجار مرفأ بيروت الذي حصل في 4 آب/ أغسطس 2020، وعرقلته. خلاصة لا بدّ منها، إذا احتسبنا أنّ نسبة الاقتراع قاربت 50%، وأكثر من نصف المقترعين صبّوا أصواتهم لصالح ثنائي حزب الله-حركة أمل وبعض حلفائهما، المعطّلين الفعليين والمباشرين للتحقيق.

بالنسبة إلى أهالي ضحايا الانفجار والجرحى والمتضررين وعموم المعنيين بهذا الملف، لا شيء أسوأ من حقيقة أنّ ربع اللبنانيين لا يأبهون بالشهداء والضحايا الذي سقطوا، وآلاف الجرحى الذي أصيبوا، ومئات الآلاف الذين هُجّروا من منازلهم. لا يأبهون بكل هذا، بل أكدوا خيار التعطيل الذي انتهجه الثنائي عبر السبل القضائية حيناً، وعبر ضغوط الشارع حيناً آخر، وبالتهديد المباشر للمحقق العدلي في محطّة أخرى.

116 يوماً من التعطيل

ينوي أهالي الضحايا العودة إلى الشارع في الثالث من حزيران/ يونيو المقبل، في تحرّك ومؤتمر ينوون من خلالهما إعادة تحريك المياه الراكدة في ملف التحقيقات 

في المقابل، أهالي الضحايا لم يوقفهم الاستحقاق الانتخابي، ولن توقفهم نتائجه أيضاً كما يقولون. يعودون إلى الشارع في الثالث من حزيران/ يونيو المقبل، في تحرّك ومؤتمر ينوون من خلالهما إعادة تحريك المياه الراكدة في ملف التحقيقات منذ 23 كانون الأول/ ديسمبر 2021. 116 يوماً (حتى 27 أيار/ مايو 2022)، مضت والتحقيق متوقّف، والمدّعى عليهم طليقون يسرحون ويمرحون؛ اثنان منهم عادا نائبين شرعيّين إلى مجلس النواب، علي حسن خليل وغازي زعيتر، وأحدهم خسر حصانته النيابية، نهاد المشنوق.

أيضاً، الادعاء طال مسؤولي أجهزة أمنية، الأول مدير عام الأمن العام اللواء عباس إبراهيم الذي يتابع مهامه ويعمل على ملفات كبرى بين لبنان والمنطقة، والآخر مدير جهاز أمن الدولة اللواء طوني صليبا الذي يقوم جهازه باعتقال ناشطين وملاحقتهم كما يوثّق قانونيون يتابعون هذه الملفّات.

116 يوماً يمكن إضافتها إلى سبعة أيام في موجة تعطيل سابق بين أيلول/ سبتمبر وتشرين الأول/ أكتوبر الماضيين، و26 يوماً بين تشرين الثاني/ نوفمبر وكانون الأول/ ديسمبر الماضيين، أي 149 يوماً، أي خمسة أشهر ضائعة من عمر التحقيق الموضوع في عهدة المحقق العدلي القاضي طارق البيطار خلال عام وثلاثة أشهر.

تحرّك الأهالي

تعقد لجنة أهالي ضحايا انفجار المرفأ وجرحاه والمتضررين منه، مؤتمراً صحافياً في الثالث من حزيران/ يونيو المقبل للإضاءة على مسار التعطيل والعرقلة في ملف التحقيقات. ويقول ويليام نون، شقيق شهيد فوج الإطفاء جو نون، إنّ "العمل مستمرّ من أجل إعادة تحريك الملف وعودة المحقق العدلي إلى عمله على رأس التحقيق".

ويشير نون إلى أنّ لجان الأهالي عملت خلال الأيام الماضية على التواصل مع النواب المنتخبين من مختلف الكتل النيابية من أجل دعوتهم إلى التحرّك والمشاركة في وضع خطة عمل تشريعية من أجل الدفع في اتجاه حماية القضاء والمحقق العدلي والتحقيق. ويضيف أنّ "الاتصالات شملت أغلب الكتل النيابية، إلّا تلك المعنية مباشرةً بتعطيل التحقيق بشكل مباشر طبعاً. فلا يمكن دعوة مدّعى عليه إلى حلقة نقاش أو مؤتمر صحافي لضحية هو مسؤول عن قتلها".

النواب الجدّد

يبقى التعويل كبيراً على النواب الجدّد الذين دخلوا البرلمان من باب المجموعات التغييرية وقوى انتفاضة 17 تشرين والناشطين فيها. على الأقلّ 14 نائباً من هذه القوى باتوا تحت قبّة البرلمان، ويمكن إضافة نواب آخرين إليهم، مثل أسامة سعد وعبد الرحمن البزري ونواب حزب الكتائب وآخرين مستقلّين لا نوايا تعطيلية لديهم تجاه ملف المرفأ، لا بل همّ معنيون بكشف الحقيقة وإحقاق العدالة في هذا الملف.

تواصلت لجان الأهالي مع النواب المنتخبين من مختلف الكتل النيابية (ما عدا المتورطين بعرقلة التحقيق) من أجل دعوتهم إلى التحرّك والمشاركة في وضع خطة عمل تشريعية من أجل الدفع في اتجاه حماية القضاء والمحقق العدلي والتحقيق

وفي هذا الإطار، يؤكد النائب ملحم خلف، النقيب السابق للمحامين في بيروت والذي قاد حملة الدفاع عن ضحايا المرفأ من موقعه النقابي، على أنّ لا سلطة فعليةً للنواب في ما يخصّ التحقيق، "لكن بالطبع ندرس إمكانية طرح مشاريع قوانين وتعديل أخرى للدفاع عن الناس وحقوقهم المختلفة"، مشدداً في هذا الإطار على وجوب "عدم إعطاء الناس آمال خطأ على هذا المستوى، لكن بالطبع نعمل على إعداد نقاط موجّهة في موضوع القضاء".

اقتراحات ومشاريع

وفي متابعة مع عدد من المحامين المعنيين بالملف، يذكر هؤلاء أنه بإمكان النواب تقديم مجموعة من التعديلات أو اقتراحات القوانين التي من شأنها وضع حدّ للعرقلة الحاصلة في ملف انفجار مرفأ بيروت.

من بين هذه القوانين المطروحة، قانون حول منع التعسّف في استعمال الحق، أي وضع حدّ لورقة تقديم طلبات الردّ والنقل ودعاوى المخاصمة التي تقدّم بها المدّعى عليهم طوال العام الماضي، من أجل كفّ يد المحقق العدلي عن التحقيق وإعاقة عمله. ومن بين المواضيع المطروحة أيضاً تعديل البنود المتعلّقة بحصانات النواب، لجهة إسقاطها في الملفات العدلية كما هي حال جريمة 4 آب/ أغسطس، ما يضمن مثول النواب المدّعى عليهم أمام المحقق العدلي. وبالإضافة إلى كل هذا، اقتراح قانون استقلالية القضاء، الذي من شأنه رفع يد السياسيين بشكل كامل عن القضاء وتعيين القضاة وتشكيل الهيئات القضائية.

بإمكان النواب تقديم مجموعة من التعديلات أو اقتراحات القوانين التي من شأنها وضع حدّ للعرقلة الحاصلة في ملف انفجار مرفأ بيروت

التعطيل المباشر

التحقيق في جريمة انفجار مرفأ بيروت متوّقف فعلياً منذ 23 كانون الأول/ ديسمبر 2021، بفعل طلب ردّ مقدّم من قبل كل من الوزيرين السابقين النائبين علي حسن خليل وغازي زعيتر، ضد القاضي البيطار. ولاستكمال مسرحية العرقلة، تقدّم زعيتر وخليل أيضاً في الرابع من كانون الثاني/ يناير الماضي، بطلب ردّ القاضي ناجي عيد، الناظر في طلب ردّ البيطار، مع علمهما المسبق بأنّ الهيئة المعنية بالنظر في طلب ردّ عيد، أي الهيئة العامة لمحكمة التمييز، متعثّر انعقادها بفعل شغور مقاعدها بعد خروج عدد من القضاة إلى سنّ التقاعد.

يعني ذلك، أنّ التحقيق متوقّف إلى حين تعيين أعضاء جدد للهيئة العامة التمييزية، والقرار في عهدة السلطة التنفيذية. كيف؟ قدّم المجلس الأعلى للقضاء، بناءً على القوانين المرعية الإجراء، اقتراحاً بالتشكيلات القضائية الخاصة بمحكمة التمييز، وقدّمها إلى وزير العدل هنري خوري الذي أحالها إلى وزير المال لتوقيعها وإحالتها إلى رئيس الحكومة والجمهورية. لكن وزير المال، يوسف الخليل، المحسوب على حركة أمل، رفض التشكيلة وأعادها إلى مجلس القضاء الأعلى عبر وزير العدل. فأعاد مجلس القضاء تقديم التشكيلة نفسها، وأعيدت إلى وزير المال قبل أيام، في انتظار ما ستؤول إليه الأمور. وتالياً، فإنّ التعطيل المباشر، ناجم اليوم بشكل مباشر عن السلطة التنفيذية في تدخّل مباشر في عمل السلطة القضائية وفي ضرب محكم لمبدأ فصل السلطات، كما يقول المحامون الذين يتابعون الملف.

الموقوفون متضرّرون

منذ تولّي القاضي البيطار مهّمة التحقيق في جريمة المرفأ، يوم 19 شباط/ فبراير 2021، تقدّم المدّعى عليهم بـ32 دعوى وطلباً وإجراءً قضائياً لعرقلة عمله. وكانت الحصة الأكبر للوزيرين خليل وزعيتر مع 15 إجراءً، و7 للوزير السابق يوسف فنيانوس، و3 للوزير والنائب السابق نهاد المشنوق، وواحدة لكل من رئيس الحكومة السابق حسان دياب، والمحامية مي الخنساء، والمواطن هشام أحمد وزوجة الشهيد علي صوان، راغدة الزين. كما تقدّم ثلاثة موقوفين بطلبات نقل الدعوى، وهم مدير مرفأ بيروت الموقوف حسن قريطم، ورئيس مصلحة الأمن والسلامة الموقوف محمد زياد العوف، ورئيس الميناء الموقوف محمد المولى.

هذه العرقلة، لا تصيب الضحايا والمتضررين وأهاليهم فحسب، إذ إنّ الموقوفين متضررون أيضاً من التعطيل لأنّ لا إمكانية لإطلاق سراحهم ولا تخلية سبيلهم في ظلّ كف يد المحقق العدلي. حتى القوى السياسية التي تدافع عن عدد من الموقوفين، ومنها التيار الوطني الحرّ وتيار المستقبل، تعي بأنّ عرقلة عمل المحقق العدلي تضرّ بمصالحها وبأزلامها الموقوفين المدّعى عليهم في الملف، لكنها لا تقارب الموضوع من هذا المنطلق، إذ إنّ مفهوم التسويات والربح والخسارة يطغى على مقارباتها للأمور والملفات.

العرقلة، لا تصيب الضحايا والمتضررين وأهاليهم فحسب، إذ إنّ الموقوفين متضررون أيضاً من التعطيل لأنّ لا إمكانية لإطلاق سراحهم ولا تخلية سبيلهم في ظلّ كف يد المحقق العدلي

طريق الحلّ

بحسب المحامين، لإيقاظ تحقيق انفجار مرفأ بيروت من غيبوبته، يجب أولاً إصدار مرسوم التعيينات في المحكمة التمييزية لتصبح هيئتها العامة فاعلةً وقادرةً على النظر في طلب ردّ القاضي ناجي عيد. عند تشكيل الهيئة يصبح بإمكانها البتّ بهذا الطلب، الذي على الأرجح سيسقط كما سواه من طلبات الردّ الأخرى المقدّمة سابقاً، فيعود القاضي عيد ويبتّ بطلب الردّ المقدّم ضد القاضي البيطار، والذي على الأرجح، سيسقط أيضاً كما سقط سواه من طلبات الردّ الأخرى المقدّمة سابقاً. وعند ذلك تعود الحياة إلى التحقيق. فتكون بعدها خريطة الطريق واضحةً في اتجاه حماية القضاة والمسارات القضائية ورفع قبضة السياسيين عن القضاء من خلال إقرار سلّة القوانين الإصلاحية على المستوى القضائي.

من شأن سيرة التعطيل في ملف جريمة انفجار مرفأ بيروت أن يوضح حجم القبض السياسي على القضاء والهيمنة عليه. الأمر-الواقع يفترض تحريكاً جدياً لاقتراح قانون استقلالية القضاء لإنهاء سطوة العصابة الحاكمة على الجسم القضائي وهيئاته. فلا شيء أسوأ من عصابة حاكمة، سوى العجز عن محاسبتها وملاحقتها. هذه هي حال أهالي الضحايا وعموم المعنيين بملف المرفأ وغيره من الجرائم المرتكبة على يد السلطة السياسية اللبنانية.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard