لماذا يغلبنا النعاس عندما يجول الإمام في خطبة الجمعة؟

الخميس 25 أغسطس 202212:33 م


في اللحظة التي يصل فيها الإمام للمسجد ويجول من أعلى المنبر في خطبة الجمعة، يغمض الكثير من المصلين أعينهم بإرادتهم أو رغماً عنهم. ورغم ذلك، يواصل الرجل مهمته الوعظية وكأن شيئاً لم يكن، على طريقة المبصر الذي يحدث عمياناً.

يتكرر المشهد بالتفاصيل نفسها. في كل أسبوع، أذهب إلى صلاة الجمعة ولدي رغبة قوية في أن أسمع من الخطيب ما يفيدني في ديني وينفعني في دنياي. ولكن، في رحلة العودة إلى المنزل تنتابني دوماً حالة من الإحباط التي تعصف بي بشدة خاصة عندما أحاول استرجاع حرف واحد مما قاله الرجل. تخونني الذاكرة إلى حد أفشل فيه حتى في تحديد عنوان الموضوع الذي دارت حوله الخطبة.

في كل أسبوع، أذهب إلى صلاة الجمعة ولدي رغبة قوية في أن أسمع من الخطيب ما يفيدني في ديني وينفعني في دنياي. ولكن، في رحلة العودة إلى المنزل تنتابني دوماً حالة من الإحباط 

تبقى عالقة في الذاكرة صورة الخطيب بعد صعوده المنبر وهو يرفع صوته حيناً ويخفضه في أحيان أخرى بينما يشيح بيده يميناً ويساراً وهو في قمة التأثر. رغماً عني، أفقد في تلك اللحظة تدريجياً الوعي بما يجري حولي وأصبح أشبه بالمريض الذي يحقنه طبيب التخدير قبل إجراء عملية جراحية بالمخدر. وبعدها بثوانٍ، لا يرى في الأفق سوى خيالات وأشباح لا يستطيع تمييز حقيقتها قبل أن يفقد بشكل كامل الإحساس بما يدور حوله.
كالعائد إلى الحياة بعد صحوة الموت، افتح عينيّ بصعوبة شديدة بين لحظة وأخرى. وقتذاك، أضبط نفسي متلبساً بالاستسلام للنعاس. ما زال الخطيب أعلى المنبر يعظنا أو هذا ما يحاول فعله. لا أكاد أميز حرفاً واحداً مما يقول، وداخل عقلي تتزاحم الأسئلة. من بوسعه أن يوقظ القلب الذي نام قبل الجسد أو يريح العقل الذي جاء يطلب خلاصاً لشتاته الأبدي في عراك حياة لا تهدأ أبداً.

أرواح معذبة وعقول حائرة

التفت حولي في رحلة البحث عن الذات الضائعة حتى في قلب المسجد فأجد جميع المصلين مثلي تماماً. هناك من يجاهد من أجل إبقاء عينيه مفتوحتين لدقائق معدودة، في حين غط آخرون في سبات عميق ويصدر عنهم بين الحين والآخر صوت صفير يصم الآذان.
إنهم مثلي تماماً محض أرواح معذبة وعقول حائرة وأجساد منهكة جاءت تبحث عمن يروي عطشها ويأخذ بيدها في شؤون الدين والدنيا، فلم تجد سوى خطبة معلبة أعدت سلفاً ووزعت على جميع المساجد لتقرأ بالطريقة نفسها في كلمات منزوعة الدسم لا تغري أياً من الحيارى بالسماع.
أرفع عينيّ صوب المنبر فأجد الإمام مصراً على مواصلة مهمته بحماس وتلاوة الخطبة التي يبدو أنه قضى وقتاً طويلاً في حفظها وكأنه يخشى أن يكون هناك من اندس بين المصلين ليضبطه متلبساً باستبدال كلمة بأخرى.
لا يبدو خطيب المسجد مكترثاً بما يجري حوله. ما من شك لدي في أنه يرانا جميعاً من فوق منبره العالي وقد غلبنا النعاس. لكنه، لا يتوقف، ويبدو أنه ليس في وسعه أن يغير مجرى الحديث. أصبحت مع الوقت على يقين كامل أنه لا يشغل نفسه من الأساس بما يؤرقنا نحن المعذبين في الأرض وهو يرانا جالسين أمامه لا حول لنا ولا قوة.
في كل مرة يتكرر السؤال نفسه دون أن أجد له جواباً. لماذا يغلبنا النعاس عندما يجول الإمام في خطبة الجمعة؟ وماذا يربح خطيب المسجد عندما ينام المصلون بعد دقائق قليلة من صعوده المنبر؟

لا يبدو خطيب المسجد مكترثاً بما يجري حوله. ما من شك لدي في أنه يرانا جميعاً من فوق منبره العالي وقد غلبنا النعاس. لكنه، لا يتوقف، ويبدو أنه ليس في وسعه أن يغير مجرى الحديث

القطيعة بين المصلين والخطباء

هل هناك من يريد أن يتحول المسجد في كل يوم جمعة إلى استراحة ننعم فيها بالقيلولة وقسط من النوم قبل أن نعود إلى منازلنا كما أتينا منها وكأن شيئا لم يكن؟ ألا تستدعي حالة القطيعة هذه بين المصلين وخطباء المساجد قدراً من تفكير أحد؟
لن يستسلم المصلون للنعاس إذا وجدوا من خطيب الجمعة اشتباكاً مع القضايا التي تؤرقهم في دنياهم. نذهب جميعاً إلى المسجد في كل جمعة بأرواح متعطشة لمن ينير بصيرتها ونفوس تبحث عمن ينتشلها من حيرتها، ولكننا لا نجد شيئاً من هذا كله.

هل هناك من يريد أن يتحول المسجد في كل يوم جمعة إلى استراحة ننعم فيها بالقيلولة وقسط من النوم قبل أن نعود إلى منازلنا كما أتينا منها وكأن شيئا لم يكن؟ 

نعاس المصلين خلال خطبة الجمعة ليس في حقيقته سوى حيلة من الضعفاء للهرب من واقع مفروض عليهم بالجملة. لا يستطيعون منه خلاصاً فمهما تنقل المرء بين المساجد فلن يجد سوى نسخ كربونية لنفس الإمام.
المفارقة هي أن النعاس الذي يغلب بعض المصلين في صلاة الجمعة توثقه أسبوعياً كاميرات التلفزيون المصري وهي تنقل مشاعر صلاة الجمعة. ورغم ذلك، فإن أحداً من المختصين لم يشغل نفسه حتى الآن بدراسة هذه الظاهرة والبحث عن علاج لها.
ليس في هذه السطور انتقاص من دور الخطباء أو مَسَاس بقدسية المساجد أو تَحْرِيض على عدم أداء الشعائر حتى لا يتخذ منها البعض وسيلة للمزايدة على طريقة و"لا تقربوا الصلاة" وإنما هي دعوة لاحترام عقول المصلين والتدقيق في اختيار موضوعات الخطبة كي تكون أكثر التماساً مع هموم الناس وقضايا المجتمع. وذلك حتى لا تتحول خطبة الجمعة إلى استراحة مصلٍ لا يجد ما يفعله سوى أن يغمض عينيه حتى يهبط الإمام من منبره وتقام الصلاة.

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard