"إنسانية الحضارة الإسلامية"... عنوان خطبة الجمعة لفقراء ينقصهم الخبز

الثلاثاء 7 ديسمبر 202112:42 م

لا تحتاج الأحوال العامة إلى ذكاء كبير لملاحظة بصمات العقل المصري المدبّر. هناك في مكان ما يمسك الخيوط، ويحرك العرائس. لا يهمه أين يوجد المسرح، ولا طبيعة الجمهور. لا فرق بين مواد الصحف والمجلات، ومحتوى البرامج التلفزيونية في الفضائيات الرسمية والخاصة، وخطبة الجمعة في مساجد يذكر فيها اسم الله كثيراً.

تمّت السيطرة على الإعلام وتوحيد خطابه، ولم يلزم الأمر إخضاع المسؤولين، فقد جرى اختيار المستأنسين لمهمة تنفيذ الأوامر، ولا يجرؤون على مناقشة ما يملى عليهم. خطاب سلطوي تغني فيه فضائية عن أخواتها، ومذيع عن زملاء لا يبذلون جهداً مهنياً في إعادة صوغ بيانات رسمية تنطق بها ألسنتهم. فأين وصل القطار؟

آخر محطات توحيد الخطاب الرسمي كانت خطبة الجمعة. في البدء شككت في خطيب مسجد بعيد، جاء صوته مقتحماً حرم مساجد أخرى في المنطقة، مستفيداً بارتفاع مئذنة تحتضن ميكروفونات تضخّ من مستوى أعلى، وتطغى على ميكروفونات مساجد صغيرة وزوايا بلا مآذن. بدأ قائلاً: "حديثنا اليوم عن إنسانية الحضارة الإسلامية"، فظننته مجتهداً، يرفض خطباً تقليدية تصيب المصلين بالضجر. واستعرض خطوطاً عامة، ستتناولها الخطبة، عن احترام الحضارة الإسلامية لغير المسلمين.

فجأة شوّش عليه ميكروفون المسجد القريب بقول الخطيب: خطبة اليوم عنوانها "إنسانية الحضارة الإسلامية". ليس بوسع أذنين التقاط خطبة ثالثة، من مسجد ما، لتنافس الخطيبيْن في رفع الصوت، والانفعال بذكر مناقب الحضارة الإسلامية.

في البدء شككت في خطيب مسجد بعيد، جاء صوته مقتحماً حرم مساجد أخرى في المنطقة، مستفيداً بارتفاع مئذنة تحتضن ميكروفونات تضخّ من مستوى أعلى

جرّبتُ تشغيل جهازين يذيعان برنامجاً واحداً. في العادة يوجد فرق زمني قليل بين استقبال الكمبيوتر والتلفزيون والراديو لنشرة أخبار أو مباراة للكرة. جرى هذا في خطبة الجمعة، وأحدهما يلاحق الآخر بالجملة، وأحياناً يتم التطابق حسب سرعة هذا وبطء ذاك. وبالإمكان أيضاً التقاط أول الجملة من خطيب وإكمالها من الآخر.

لا اجتهاد إذاً كما توهّمتُ، اللهم إلا في إضافة جملة من هناك وأخرى من هناك، ويبقى الخطاب نفسه تحت السيطرة، ومحسوباً بالمسطرة. سلوك اضطراري لا يبشّر بخير، وليس في هذا أي تجديد للخطاب الديني، وإنما عودة بالخطاب إلى ما قبل التقليد، إلى وعّاظ سذّج كانوا يقرأون الخطبة من ورق، فتحدث مفارقات.

كان أحدهم يقرأ الخطبة من الأوراق، غير مبال بمصلين يفترض أنه يراهم من أعلى. هربوا من الملل إلى النعاس، وقد تخرج أصوات غير مستحبة. يوم الجمعة ليس عطلة في القرى. ومن يشقون في الغيطان لا يملكون رفاهية التمتع بوقت للفراغ، ولا يجدون في خطبة الجمعة ما يصرفهم عن نعاس لا يجتهدون في مقاومته، فالخطبة معادة، ولا تعنيهم.

ما علاقتهم بالنهي عن ارتداء جلباب يبلغ الكعبين؟ هم لا يفكرون في لبس خاتم ذهبي أو اراتداء ثوب من حرير، لكي يعنفهم الإمام مشدداً على حرمة الحرير والذهب على الرجال. حين ينتهي الإمام من القراءة الرتيبة، ويبدأ الدعاء، يفيق النيام تلقائياً، ويرددون "آمين".

في الأحياء الشعبية وضواحي القاهرة مشاهد تشبه ظاهرة عمال التراحيل. كان هؤلاء أذلة مهانين، حتى مدّت ثورة يوليو 1952 يدها إليهم، وانتشلتهم من الفقر. وفي رواية "الحرام" التي أنتجتها السينما طرف من عذاباتهم. ما علاقة فقراء لا ينالون حدّاً أدنى من التغذية السليمة بإنسانية الحضارة الإسلامية؟

الحضارة موضوع للبحث العلمي، لا لخطب تخدّر من لا يجدون كفايتهم من الخبز

المسلمون الفقراء ليسوا مهمومين بهذه الخطب، سمعوا منها نسخاً قديمة، وسيسمعها أبناؤهم في القادم من الأيام السود، ولن يصدقوا أداءً صوتياً معزولًا عن بؤس لا يتيح لهم رفاهية ارتداء الحرير ولبس الذهب. الخطيب الرتيب استجاب للتخلي عن القراءة من الأوراق، وأنهى خطبة الجمعة التالية، المحفوظة، بأن قضية الخمر "خطيرة ولا تتسع لها هذه الصفحات".

توحيد خطبة الجمعة بدافع إحكام السيطرة الأمنية يجعل الخطباء آلات تقرأ بياناً واحداً، ويفقدهم مهارات التفاعل مع المصلين، وينزع عن الخطب حكمة التنوع حسب السياق. في أحياء الأثرياء تدعو الخطبة إلى الإحسان، وأداء زكاة المال. وفي المصانع تركّز على إتقان العمل. وفي الأسواق تنهى عن الغش. وفي مجتمعات تحرم البنات من الميراث تحثّ على ردّ الحقوق إلى أصحابها، وإنصاف النساء. وفي مجتمعات رجال المال والأعمال يُذكر قول عمر بن الخطاب: "احتكار الطعام إلحاد". وفي حضور المسؤولين تتناول عواقب الفساد. أما توحيد الخطبة، في هذا التوقيت، فيدعو إلى الريبة. الهروب من الجوع والقهر إلى إنسانية الحضارة الإسلامية يشبه استبدال القبعة بالعمامة.

الحضارة الإسلامية بنت زمانها، نبتٌ عظيم ينتمي إلى ظرف تاريخي لا يستعاد، والانتقاء منه قد يضرّ. بلغ الوعي البشري والتطور الأخلاقي أفقاً يحرّم ما أباحته الأديان واعتادته الحضارات، قبل الإسلام وبعده. بالقوانين البشرية نسخت الأخلاق الإنسانية أحكاماً ثابتة بالنصوص، عن قسمة غنائم الحرب، والتفرقة في الدية بين الحرّ والعبد، وبين الرجل والمرأة. أين نضع تراث ابن تيمية وابن عبد الوهاب؟ وقول ابن باز: "عمل المرأة من أعظم وسائل الزنا"؟ وماذا نفعل في ثلاثة مجلدات لخّص فيها السيد سابق "فقه السنة"؟ يقول: "أوجب الله الجزية للمسلمين نظير قيامهم بالدفاع عن الذميين وحمايتهم في البلاد الإسلامية التي يقيمون فيها". إقامة لا مواطنة.

في كانون الثاني/يناير 2020 قال الدكتور أحمد الطيب شيخ الأزهر في افتتاح "مؤتمر الأزهر العالمي للتجديد في الفكر الإسلامي" إن التراث الإسلامي "الذي نهوّن من شأنه اليوم، نهوّن ونهوّل في تهوينه، حمل مجموعة من القبائل العربية التي كانت متناحرة ولا تعرف يميناً من شمال، في ظرف ثمانين عاماً، إلى أن يضعوا قدمهم في الأندلس وقدمهم الأخرى في الصين، لأنهم وضعوا أيديهم على مواطن القوة في هذا التراث". فخرٌ في غير محلّه. ليست الفتوحات من أركان الإسلام الخمسة، ولم يجمع الصحابة على حروب الردة. رفضها عمر بن الخطاب، وأصرّ عليها أبو بكر. ويمكن استيعابها في ضوء الخوف على دولة لم تستقرّ أركانها.

أين نضع تراث ابن تيمية وابن عبد الوهاب؟ وقول ابن باز: "عمل المرأة من أعظم وسائل الزنا"؟ وماذا نفعل في ثلاثة مجلدات لخّص فيها السيد سابق "فقه السنة"؟

من لم يقرأوا السيرة النبوية شاهدوا مسلسل "عمر"، الذي أخرجه حاتم علي عام 2012. بدا النجاشي ملك الحبشة ذا مروءة. خالف مستشاريه، وأكرم المسلمين اللاجئين، ورفض تسليمهم إلى عمرو بن العاص، وضحّى بتجارته مع قريش. ثم قويت الدولة، وفوجئ برسالة تدعوه إلى الإسلام، تزامناً مع رسائل إلى الملوك. ولم يثبت أن هذه الشعوب استغاثت بالمسلمين، واستعانت بهم على ملوكهم.

لم تتضمن الرسائل حق الشعوب في إدارة ثرواتها، وجرى استبدال حكم بآخر. كانت الخيارات بين الإسلام والجزية والحرب. سلوك أورث الإيرانيين حقداً فلا تصفو قلوبهم للعرب، قبلوا الدين ورفضوا اللغة؛ سلوك استنسخه الأتراك فشحنوا الوعي الشعبي في البلقان واليونان بالعداء للإسلام.

الحضارة ليست كتلة مصمتة، فيها يجد المتباهي حاجته، ويسوّغ الكاره كراهيته. هي موضوع للبحث العلمي، لا لخطب تخدّر من لا يجدون كفايتهم من الخبز، وقد اكتفوا من العداء لأهل الكتاب، عبر خطب تسعى إلى إذلالهم، وتغترف من "فقه السنة" الذي تتناسل طبعاته من دون تعليق، لشرح تاريخية اجتهادات منها حكم أخذ الجزية من غير أهل الكتاب. يرى مالك والأوزاعي وفقهاء الشام أخذها "من كلّ الأمم؛ سواءً أكانوا كتابيين أم مجوساً أم غيرهم، وسواءً أكانوا عرباً أم عجماً"، وقال الشافعي: "لا تقبل من عبدة الأوثان على الإطلاق. وقال أبو حنيفة رضي الله عنه: لا يقبل من العرب إلا الإسلام أو السيف".

ما يحتاج إلى تجديد هو الخطاب السياسي الحاكم.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard