هل يُصلِح الليبراليون العرب ما أفسده الإسلام السياسي؟

الخميس 26 مايو 202201:48 م

ضاقَ العالم العربي جلُّه بأحزاب الإسلام السياسي وتياراته وجماعاته، بعد أن كشفت أيديولوجياته عن أجندات استحوذاية وإقصائية مرتبطة بالتمكين. وفي الذاكرة أمثلة قريبة تدعم ذلك الضيق، وتعزّز الخشية من علوّ كعب الأحزاب الدينية، خصوصاً تلك الناطقة حصرياً بلسان السماء.

هل تكون الليبرالية هي الحل؟

أحرقت تيارات الإسلام السياسي سفنها في زمن قياسي، وبدت رماحها مصوبةً إلى صدر الحريات العامة، وخاصةً حرية المرأة، التي هي في نظري، أسُّ الحريات، والعلامة الأكيدة على عافية المجتمعات. كما ناهضت تلك التيارات كلَّ ما خالفها، وقطعت الحبال مع التعددية في المعتقد وفي طرائق العيش، ولم تخشَ من الجهر بميولها الرامية إلى جرّ الحاضر إلى الماضي والبقاء تحت نيْر قداسته، بالرغم من مضيّ أكثر من ألف عام، تغيّرت فيها النصوص، وتبدّلت النفوس، ولم يعد الماضي يصلح إلا للمتاحف والأناشيد!

الليبراليون العرب ظلوا مطرودين من جنّة السلطات، لكونهم ماركسيين سابقين، أو يساريين متأرجحين بين الرأسمالية والاشتراكية، أو قوميين سئموا شعارات البعث، أو علمانيين تشربوا من الثقافة الغربية وراق لهم مفهوم فصل الدين عن الدولة. وفي لحظات كثيرة خُيّرت السلطات بين التيارات الدينية والتيارات الليبرالية فاستجارت بالأولى، وهذا مفهوم ومتوقَع في التاريخ السياسي العربي الإسلامي، حيث تحالفت السلطات مع رجال الدين، فأنجب ذلك القِران "فقهاء السلاطين" الذين فتكوا بمصادر التشريع، وخاصةً القياس والإجماع، فصارت العروش محمولةً على أسنّة الفقهاء والجيوش، واقتُلعت المجتمعات من "الشروش"!

أحرقت تيارات الإسلام السياسي سفنها في زمن قياسي، وبدت رماحها مصوبةً إلى صدر الحريات العامة، وخاصةً حرية المرأة، التي هي في نظري، أسُّ الحريات، والعلامة الأكيدة على عافية المجتمعات

وليس الليبراليون، الذين نتحدث عنهم هنا، وهذا استطراد، إلا من نسل أولئك الثوريين الذين شاركوا في الثورة الفرنسية، وفي ثورات أوروبا وأمريكا، مستلهمين أفكار جون لوك في الحرية والمساواة والديمقراطية التمثيلية وسيادة القانون. لذلك من شأن "تمكين" الليبراليين العرب أن يكون خشبة نجاة لبعض الأنظمة العربية التي تعاني من أزمة في الحكم وفي تداول السلطة، فهل تكون الليبرالية هي الحل؟

في لحظات كثيرة خُيّرت السلطات بين التيارات الدينية والتيارات الليبرالية فاستجارت بالأولى، وهذا مفهوم ومتوقَع في التاريخ السياسي العربي الإسلامي.

المسارعة في الإجابة عن السؤال السابق، ربما لا تخلو من العسف، لأنّ التيارات الليبرالية لم تُختبر في الحكم، أي لم تتسلم حكومةً عربيةً، بل اقتصر الأمر أحياناً على شخصيات ليبرالية تتولى حقائب وزاريةً، وربما رئاسة وزراء، لكنّ ذلك جرى بشكل فردي، وليس امتثالاً لنتائج حزب فائز في الانتخابات وآن له أن يتداول السلطة، كما ينوي غيُر نظام عربي أن يفعل.

ومن الإنصاف القول إنّ الشخصيات العربية، التي تولت مناصب قياديةً، كانت تتمتع برصيد عالٍ من الكفاءة والنزاهة والثقافة والتعليم والانفتاح والدراية بأحوال العالم، لكنّ آليات الحكم التي عملت في ظلالها كانت باليةً، حتى اتسع فتقُها على أمهر الراتقين، فانتكست التجربة، لكنّ الحالة ظلت شاخصةً للأعيان.

الليبراليون العرب المتناثرون (في جمعيات المجتمع المدني والناشطون في مختلف الميادين، وقادة الرأي العام، والمؤثرون على وسائل التواصل الاجتماعي...) مدعوّون إلى الالتئام في حركة سياسية منظمة ذات برامج واقعية فعالة توصلهم إلى البرلمان والحُكم، وتوفر منبراً لإسماع صوتهم الذي لم يُسمع، بعدُ، كتيار يلقى الدعم الذي كانت تلقاه التيارات الأخرى، وأهمه دعم الدولة التي ما زال الحرس القديم فيها يعادي قيم الحداثة، فما بالك إذا كان ذلك الحرس متحالفاً، على نحو مُضمَر أو مُشهَر، مع توجهات تعتقد أنّ بمقدور بول البعير أن يشفي من السرطان؟!

واتصالاً بالنظرة السابقة، يتم التعامل مع الليبراليين بوصفهم أعداء للدين والعادات والتقاليد، إلى آخر المعزوفة التي تُتلى كلما ظهر صوت مختلف ينادي بحرية التعبير والاعتقاد، والتفكير العلمي، والحقوق المدنية، والمواطنة، وحرية الصحافة، وبأنّ الديمقراطية هي الحل.

الليبرالية الحديثة في العالم، الآن، تعي أكثر من سواها أزمة المجتمعات، وأنظمة الحكم الحائرة بين التقليد والمعاصرة

وإذا قُيّض لنا أن نكون من ناصحي النظام العربي، فإننا نرى في الليبرالية خياراً آمناً لانتقال المجتمعات العربية من الدولة الريعية إلى دولة منتِجة تتحكم باقتصادها ومواردها وثرواتها، وأيضاً لا يمكن أن تستمر الدولة في جباية الضرائب إلا إذا كان ذلك مقروناً بالتمثيل السياسي، وزيادة على هذا، فإنّ الدولة القَبَلية القائمة على العصبية فقط لا أمل لها بالاستمرار. المحاصصة ضد المواطنة والمنفذ الوحيد إلى المستقبل هو الشراكة.

الليبرالية الحديثة في العالم، الآن، تعي أكثر من سواها أزمة المجتمعات، وأنظمة الحكم الحائرة بين التقليد والمعاصرة. وحتى لا نتورط في الترويج لليبرالية السوق بمعناها المنفلت من عقاله الذي لا تتحكم فيه الدولة، فإننا نرى في الليبرالية الاجتماعية سبيلاً أنسب وأكثر مواءمةً مع أحوال العالم العربي الذي ضاعفت الجائحات والحروب عدد فقرائه. الليبرالية الاجتماعية، وتسمى أحياناً الليبرالية اليسارية أو التقدمية، تُعدّ وسطاً بين الرأسمالية والاشتراكية، وتالياً من واجب الدولة الليبرالية توفير فرص العمل، والرعاية الصحية، والتعليم، وتأمين الحقوق المدنية وتوقيرها.

حتى لا نتورط في الترويج لليبرالية السوق بمعناها المنفلت من عقاله الذي لا تتحكم فيه الدولة، فإننا نرى في الليبرالية الاجتماعية سبيلاً أنسب وأكثر مواءمةً مع أحوال العالم العربي الذي ضاعفت الجائحات والحروب عدد فقرائه

وتعميقاً للمعرفة بخصوص الليبرالية الاجتماعية، تستوقفنا أفكار عالم الاجتماع البريطاني والمنظّر السياسي الخلاق، ليونارد هوبهاوس، الذي يرى أنّ للثروة بعداً اجتماعياً؛ كونها منتجَاً جماعياً، ما يعني أنّ أولئك الذين لديهم مُلكية ما مدينون ببعض نجاحهم للمجتمع، لذا عليهم التزامٌ تجاه الآخرين. الأمر يتعدى المِنّة والتصدّق، إلى إعادة توزيع الثروات بشكل مُنصف يتجوهر حول المسؤولية الاجتماعية وأخلاقياتها.

لا ريب في أنّ مهمة الليبراليين صعبة، لكنها ليست مستحيلةً، لأنّ المزاج العام في العالم العربي يحتاج إلى رافعة حقيقية تحفظ للدولة أمنها وللشعب رفاهه، وهذان الشرطان الأخيران لا ينتعشان إلا في أجواء الحرية وغياب الإكراهات في مختلف وجوهها. ربما يكون ما نأمل به ضرباً من الحلم، لكننا، سنبقى مع المتفائلين الذين يقاتلون من أجل النّور.

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard