شاركوا في مهمّتنا،
بل قودوها

انضمّ/ ي إلى ناسك!
حكايات روائيين وقعوا فريسة الجنون وتمزّق شخصياتهم بسبب أبطالهم

حكايات روائيين وقعوا فريسة الجنون وتمزّق شخصياتهم بسبب أبطالهم

انضمّ/ ي إلى مجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات”.

هدفنا الاستماع إلى الكل، لكن هذه الميزة محجوزة لمجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات"! تفاعل/ي مع مجتمع يشبهك في اهتماماتك وتطلعاتك وفيه أشخاص يشاركونك قيمك.

إلى النقاش!

ثقافة

الثلاثاء 13 سبتمبر 202212:34 م

غالباً ما تُقاس جودة العمل الأدبي بمدى صدقه، وقدرته على إدهاش القراء، وإثارة مشاعرهم، ودفعهم للتعاطف مع الشخصيات لدرجة التورط الوجداني. وتتوقف تلك المسألة على مدى براعة الكتاب وقدرتهم على التخيل والاندماج مع الشخصيات والأحداث التي يخلقونها من رحم بنات أفكارهم.

"كل شيخ له طريقة"، ولكل كاتبٍ/ة طريقة وطقوس معينة

وكما يقول المثل الشعبي: "كل شيخ له طريقة"، فإن لكل كاتبٍ/ة طريقة وطقوساً معينة، تبدأ من لحظة الإلهام، وتنتهي بكتابة السطر الأخير من عمله/ا الأدبي؛ وسواء أكان الكاتب/ة ممسكاً/ة بزمام شخصياته/ا ويـ/تقودها بنفسه/ا نحو نهاية رسمها/تها مسبقاً، أو يُـ/تفضّل أن يـ/تترك لها حرية التصرف منتظراً/ة أن تصل إلى مصائرها، إلاّ أن بعض الروائيين يندمجون بشدة مع شخوص رواياتهم لدرجة التماهي، والارتباط العاطفي يصل إلى درجة تقمّص الشخصية الخيالية، وبدلاً من أن يضع الكتاب أنفسهم مكان الشخصية، متخيلاين النحو الذي ستتصرف عليه، فإنها تتلبسهم وتسيطر على عقولهم.

وكثيراً ما يلجأ الكتّاب للسفر إلى مدينة أو دولة أخرى لقضاء فترة من الوقت بين سكانها المحليين لاستلهام شخصيات وأحداث رواياتهم، أو يغوصون في بحر من الوثائق الأرشيفية والمراجع التاريخية لالتقاط طرف الخيط، الذي سيبنون عليه الرواية، وليرسموا في مخيلتهم تصوراً للشخصيات، غير أن حرص الكتّاب على الاندماج والتقمص قد يقودهم  أحياناً إلى أن يخوضوا تجاربَ شاذةً وخطيرة تخالف المألوف والمعتاد، ليختبروا مشاعر شخصياتهم ويحصلوا على الإلهام.

تُعد قصة الكاتب الأميركي من أصل هولندي ريتشارد كلينهامر، هي الأغرب على الإطلاق في هذا الصدد، حيث قاده هوس الإلهام والكتابة إلى قتل زوجته "جوهانا" عام 1991، فقط ليشعر بأحاسيس بطل روايته "الأربعاء... يوم اللحم المفروم"، ويتمكّن من كتابة تفاصيل قتل البطل لزوجته.

وعلى النقيض من كلينهامر، لم تقتل الروائية الأمريكية نانسي كرامبتون بروفي، زوجها بحثاً عن الإلهام، ولكن ما حدث هو أن أحداث وشخوص روايتها "كيف تقتلين زوجك؟" قد تلبستها لتنفذ جريمتها، التي تُرجّح السلطات أن يكون الدافع وراءها هو تقاضي تعويضات من 10 عقود تأمين بقيمة إجمالية تبلغ 1.4 مليون دولار.

التلبّس والشيزوفرانيا

ويلجأ بعض الروائيين العرب إلى المعايشة والتقمص حتى تصبح الشخصية كائناً حياً من لحمٍ ودم، بحسب تعبير الروائي الكويتي سعود السنعوسي، الفائز بجائزة البوكر عن روايته "ساق البامبو"، والذي أفاد في تصريحات صحافية سابقة، أن درجة التقمّص وصلت به إلى جعل بيت البطل هوزيه أو خوسيه أو عيسى بيته، وبدأ بتأثيث البيت روائياً، بحيث أصبحت قصة "هوزيه ميندوزا" تعشعش في ذهنه، إلى أن أصبح كائناً حياً من لحم ودم، مؤكداً أن الرواية تلبسته قبل الكتابة، ولم يتوقف عن الكتابة إلى أن أنجزها.

ويرى الروائي والأكاديمي الجزائري فيصل الأحمر، أن لعبة التلبس بالشخصيات يمكن أن تكون خطيرة، لأنها تسير بالكاتب، الذي يدفعه عمله بقوة الأشياء صوب تجليات متنوعة للشيزوفرينيا، إلى أشكال متقدمة من هذه الاضطرابات، التي يحدث ألاّ نعود منها سالمين.

ويقول لنا الأحمر: "شخصياً، حدث معي الأمر مرتين بشكل يدعو إلى شيء من القلق: إحداهما كانت محرجة جداً؛ فعلى هامش كتابة روايتي (ساعة حرب ساعة حب)، كنت مضطراً إلى مجالسة أحد المتورطين في أعمال العنف من التائبين والعائدين إلى الحياة المدنية لساعات وأيام طوال، وكان عليّ تلبس آرائه وممارساته في نوع من النفاق الفني. ذلك أن الرواية تتبنّى في جزء منها وجهةَ نظر إرهابيّ، صعد إلى الجبل مسلحاً في أيام العشرية السوداء.

"كان أمامي خياران؛ إما كتابة الأمر حسب تصوراتي... ولكنني ساعتها كنت سأضحي بكثير من التفاصيل التي تصنع جاذبية الشخصية، وقدرتها على الإقناع، وإما أن أفعل ما فعلته، فأتظاهر، والكلمة ألطف بكثير من الواقع، بقناعات ليست هي قناعاتي، وأدخل في جلد الإسلامي المتطرف سياسياً، المؤمن بكل ما تؤمن به تلك الجماعات، وقد فعلت، وطال بي الأمد وأنا في لباس تلك الشخصية، وفي تلك الأوقات كثيراً ما تلتقي بأناس، وتتصرف بتصرفات معينة تتطلب مواقف تبريرية".

زوجته وابنتاه يصفن الأب الروائي بالمجنون، ظهر أمامهم تارةً بشخصية الإسلامي المتطرف، وتارة بشخصية كارل ماركس، العاجز المريض... إلى أي مدى يمكن للروائي أن يعيش أجواءَ بطله دون أن تؤثر على هويته الشخصية؟

تكررت تلك الحكاية مع الأحمر مرة أخرى، على هامش كتابته لرواية حول الأيام الأخيرة لكارل ماركس، يقول: "أجبرت نفسي على عيش حالة مرضِه المتأخرة. عشت في وسط رطب جداً، وداخل غرف مغلقة، ولازمت الفراش، ولم أقرأ إلاّ وثائق وصحفاً من مرحلته، ولم أستمع إلا إلى الريبيرتوار الموسيقي الذي كان على أيامه أو على ذائقته، وكلُّ ذلك لكي أتلبس تماماً بيومياته".

استمرت تجربته الثانية شتاءين متتاليين، وبدأ يلاحظ بعد نهايتها أن كلَّ تجربة "لا تمرّ دون آثار مستدامة على المستوى النفسي، وخاصة حينما تنتهي من العمل، وتحاول محو البرمجة لأجل العودة إلى الوضع الأولى، وهي مرحلة عسيرة جداً".

وينهي الأحمر حكايته قائلاً: "على كلِّ حال زوجتي وابنتاي يصفنني بالمجنون!".

شخصيات تهيمن على خالقها

على عكس الأحمر، يرى الروائي العراقي نزار عبد الستار، أن شخصيات رواياته مخلوقة من اجتزاءات حياتية اختبرها أو من شخصيات عرفها عن قرب، ورغم ذلك فإنه مع كلّ رواية يكتبها يعاني كثيراً من هيمنة الشخصيات، وخاصة حين يكتمل خلقها مع التقدم في الكتابة.

يقول عبد الستار: "أنا شديد الاهتمام بمصائر الشخصيات النفسية، وحيرتها الوجودية، وعادة ما أتتبع الوجع النفسي، وأفكر بتصرف الشخصية القادم، وبجملة المشاعر التي تولد في موقف ما. وهذا الأمر يؤذيني؛ دائماً أشعر بالشفقة أو الحزن على الشخصية".

ويكشف عبد الستار أنه في روايته الأخيرة "الأدميرال لا يحبّ الشاي" تعرض إلى ارتباكات نفسية كثيرة، وكان قد انقطع عن الكتابة كيلا يواجه المصيرَ الذي سيفرضه على الشخصية، وفي المشاهد الصعبة، مثل: زواج ماريكا من الأدميرال، لازمه الحزنُ طويلاً، وخلال 6 ساعات من الكتابة اليومية، كان لا يكتب أكثر من 30 إلى 50 كلمة فقط".

وبالنسبة إلى عبد الستار فإن الشيء الأصعب هو علاقته بالشخصيات، فهو لا يستطيع الحديث عن ذلك للمقربين، خشيةَ أن يُتّهم بالمبالغة، ولكنه وجع حقيقي يتصل بإخراج شيء مؤلم من بئر الذات أو القسوة التي يتطلبها الحدث، مضيفاً: "الأكثر مأساوية هو الوقوع في حبّ الشخصية أو الشفقة التي تتلبسني عليها، وهي بالأساس شفقة على الذات، يعاد إنتاجها من جديد بعد أن تحنطت في داخلي لعقود".

هل وقعتم في عشق شخصية خيالية خارجة من الكتب والروايات؟ ألم تتساءلوا مرة ماذا فعلت تلك الشخصية بخالقها؟ حكايات عن روائيين وقعوا فريسة للجنون وتمزّق شخصياتهم بسبب أبطالهم

يعيد عبد الستار تعريف عملية الكتابة، بإيحاء من تجارب التلبس والتأثر تلك، قائلاً في حديثه لنا: "الكتابة في الحقيقة عمل موجع وضاغط وشاق، وعندما تنتهي الرواية أشعر أنني خرجت من غيبوبة، وأراني فقدت الوزنَ، ونومي كان سيئاً، وصحتي ليست على ما يرام، وأحتاج إلى الرعاية والنقاهة".

وتخالفهما في الرأي، الكاتبة المصرية سعاد سليمان، التي تعتبر أن تقمص الكتاي لشخصياته ضرر لكل من الكاتب والكتابة، لأن الجزء الأكبر من الإبداع يقوم على القدرة على التخيل، والتمثل، والملاحظة، وتفكيك الشخصية أكثر، وليس على التقمص أو التلبّس بشكل كامل.

تتقمص سعاد الشخصية بشكل جزئي، فالاندماج الكلي بالنسبة لها يضر بالقدرة على كتابة الشخصية.

"لا بد أن يعي العقل الواعي عند الكاتب بذلك حتى يستطيع كتابة شخصياته بحيادية وعمق، حتى لو كانت إحدى هذه الشخصيات تحمل لمحةً من تكوين الكاتب، حتى لا يتحول العمل الأدبي إلى سيرة ذاتية"، بحسب سعاد.

حبيس شخصيتي الروائية

العلاقة بين الروائي وشخصياته مكتنزة باحتمالات كثيرة، حتى الأكثرها غرابة، محتمل الوقوع، كأن تتمرد شخصيةٌ روائية على قدرها، وتؤثر في مخترعها، وتدفعه أحياناً إلى محاولات فاشلة للتحرر منها، وهو ما حدث مع الروائي الليبي، شكري الميدي أجي.

يحكي شكري الميدي أجي عن علاقته مع الشخصية الروائية الأولى "بركاي هامشي مي"، التي لم ينجزها حتى الآن في رواية مكتملة، لكنها أخذتْ الكثير من تفاصيله، وغدتْ مهمة، مستهلكة تجاربَه وقراءاته، حتى أنه مع الوقت بدأ يرى عيوبه من خلال تلك الشخصية.

"صرتُ أراقب نفسي دون قصد، أعيد الحديث عنه دوماً، حتى إنني خلقت شخصية ثانية، هدفها الأساسي هو الحديث عنه، والبحث عن تفاصيله، وبناؤه من جديد، ظهرتْ في رواية كاملة وعدة قصص... أتحدث عن بركاي هامشي مي كأنني أتحدث عن نفسي بعد عشرين سنة أخرى؛ تجاربه فاقت تجاربي. أشعر أحياناً أنني حبيس هذه الشخصية، وأن روايتها لن تكتب أبداً، فقط ستظهر في قصص قصيرة، أنجح في كتاباتها على فترات متباعدة".

ويتابع أجي أن الذنب الذي يشعر به بطلُ الرواية أصبح من صميم مشاعره اللاإرادية لفترة طويلة، مبيناً أن الأسوأ في تجربته تلك هو انكشاف هشاشته للآخرين.

الكاتب انعكاس للشخوص

"تلاحق شخوص الروايات الكاتب وتزاحمه منذ لحظة اختراعها، وكأنه حين يطلق سراحها، يعجز عن حبسها مرة أخرى، فهل كانت تلك الشخصيات انعكاساً لحياة الكاتب، أو أن الكاتب نفسه صار انعكاساً لتلك الشخوص؟"؛ تتساءل الروائية الأردنية جولان الواوي.

بالنسبة للواوي لا يمكن أن يخلق الكتّاب شخوصهم من العدم، لأنهم يختارون لأبطالهم ملامح وسمات، يجمعونها من الوعي واللاوعي، من أشخاص يعرفونهم، أو آخرين التقوا بهم في زمن سقط من ذاكرتهم، مثل نحات يعكف على تشكيل تماثيله، لكنهم في مرحلة ما، يفقدون السيطرة على كبح جماح أولئك الأبطال، ويتركون لهم حرية التصرف على سجيتهم الخاصة.

وتكشف الواوي أن بعض شخصيات رواياتها انقلبت عليها، ووقعت في حبّ بعضها، ثم حاولت جاهدة التخلص منها دون جدوى، حتى باتت تزاحمها على ذاتها، مؤكدة أن الكتاب مهما حاولوا جاهدين ليبتعدوا عن إضفاء ملامحهم الشخصية وسماتهم الروحية على أبطال رواياتهم، فقد يصطدمون خلال الكتابة بذواتهم، مجسدة أمامهم، وكأنهم أمام مرآة تعكس وجوههم في عالم موازٍ، أو نسخة جديدة منهم، لا يمكنهم توقع تصرفاتها.

تكمل الواوي حكايتها: "عندما كتبت (نون النشوة)، منحت البطولة لأربع نساء ورجلين، كنت أتقمص أدوار أولئك الأبطال، أتخيل لساعات كيف تكون ردود أفعالي إذا تعرّضت للتشريد والبيع في أسواق تشبه أسواق النخاسة كإحدى بطلاتي. وكنت أيضاً التي تدافع عن تلك الفتيات، ثم تقمصت دور الرجل الذي يدير عمليات البيع، ودور قاتله. ووصل بي الحدُّ أن زرت أماكن تشبه ما خلقتها في روايتي، وأحسست بالارتباط معها، ثم حدث ما لم أحسب له حساب".

شَرَك شخصيات ورقية

يثمن الكاتب والناقد الكردي العراقي، كه يلان محمد، قيمةَ الشخصية في الرواية، فهي "ركن أساسي في بناء العمل الروائي، مستوى تفاعل المتلقين مع الشخصية الروائية، ومراقبة حركاتها، وتدشين لعبة الافتراضات والتوقع حول ما يقوم به البطل أو البطل الضد. كلُّ ذلك يُعدُّ مؤشراً لإدراك نحاج الكتّاب".

ويشير إلى أن الروائي قد يتورطُ في شَرَك شخصيات ورقية صنيعة لرغبته الإبداعية، فالكاتب الإيطالي أليساندرو باريكو، استعاد في روايته "ثلاث مرات في الفجر" شخصية "أكاش ناريان" من عمله السابق "مستر غوين" لأنه لم يغادر أجواء روايته.

تكرر الأمرُ بالنسبة للكاتبة الفرنسية فرانسواز ساغان التي أوردت في روايتها "جرح الروح" عنوان بعض أعمالها السابقة، وذلك يظهرُ ما تملكه الشخصية الروائية من شحناتٍ مؤثرة على نفسية المبدعين والمتلقين في آن واحد.

أما الواوي، فتقول منهية حديثها لنا: "لقد تقطّعت بين شخوصي، وتقمصت أدوارَها أكثر من اللازم، حتى لم يعد بإمكاني الخروج منها إلا بإضفاء تجارب شخصية جداً، تعيد إليّ توازني وحياتي".

إنضمّ/ي إنضمّ/ي

رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.

لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.

Website by WhiteBeard