دخنتُ سيجارة في أوغندا، وشعرتُ أني أفريقية الأصل

الأحد 21 أغسطس 202204:48 م

أفريقيا. لطالما خشيتها، فبرغم جولاتي حول العالم إلا كنت أعتبرها ذلك الظلام الذي حذّر منه موفاسا، صغيرة سيمبا.

أفريقيا هي الأوبئة، وقوة الأفارقة الجسمانية التي كانت تخيفني، فقد أتعرض للاغتصاب أو السرقة ولن أستطيع حتى الصراخ؛ هكذا تخيلتها.

كل تلك المشاعر اختلطت فيّ عندما جاءني تكليف بالسفر إلى أوغندا. كنت في بداية الأمر أخلط بينها وبين غانا وغينيا،فجميعها دول تتميز بحرف الغين، ووجدت نفسي أدخل على محرّك البحث لأعرف ما الذي يشتهر به ذلك البلد الذي سأضطر لتناول تطعيمات لا حصر لها، من أجل بضعة أيام عمل فيه.

"أوغندا، تُلقب بلؤلؤة أفريقيا"، سُررت، على الأقل سأجد أضواء تبعث في نفسي الحيوية، لربما تكون أوغندا مميزة، وليس مثل دول أفريقية أخرى تتشابه في الغابات والأحراش والبدائية.

كنت في مصر أقضي إجازتي السنوية، وكان الشتاء قد بدأ يتسلل إلى عظامي، ويشعرني بتلك الحالة النفسية، التي تسمى "الاكتئاب الموسمي"، تذكرني بأيام باريس المقبضة، لذا وافقت على السفر إلى أوغندا، على مضض، آملاً في العودة إلى الهند سريعاً، حيث أقيم، وحيث الأجواء الصيفية الاستوائية التي تناسبني.

في البداية كنت خائفة من السفر إلى دولة أفريقية مثل أوغندا، ولكن بعد أن هبطت الطائرة وأنا أتأمل الطرقَ المبهرة والمحلات ذات الواجهة العربية والهنود... شعرت أني أفريقية الأصل

مدة الطيارة المستغرقة من القاهرة إلى أوغندا كانت 4 ساعات ونصف، وجاء حظي التعيس في الجلوس بجانب مراهق أفريقي، يضع سماعات الأذن، ويظل يخبط ذراعي بالخطأ حتى جعلني أشعر بالعصبية، وتخيلت استحالة انسجامي مع المجتمع الأفريقي الأجش!

وأخيراً وصلت إلى كامبالا، مع نسمات الصباح الأولى.


عرب في كامبالا

كنت أتوق إلى سيجارة تزيح التوتر والعصبية عني، فإذا بالسائق الخاص بي يعرض علي واحدة في أدب جمّ وودّ ملحوظ، بل وأكد عدم اعتراضه على التدخين داخل السيارة، وهو الأمر الذي أفتقده في رحلات أوروبا، وحتى بعض مقاطعات الهند.

دخّنتُ وأنا أتأمل تلك الطبيعة من خلف زجاج السيارة، شعرت فجأة أنني بطريقة ما أنتمي لهذا المكان، فكوني أفريقية الأصل قد لعب على أوتار شعوري نغمات أعرفها ولا أعرفها تماماً، مثل اللحن الذي نسمعه من بعيد، فنحاول تذكر أنه من أي أغنية دون أن نتذكر شيئاً.

الطرق في الحقيقة كانت أولى صدماتي، فهي حديثة و"على أعلى مستوى"؛ شريط مرسوم بحرفية وسط مساحات خضراء، تكتنفها منازل صغيرة على الجانبين، ذكرتني فوراً بسويسرا أو كشمير الهندية.

اختاروا لي فندقاً في أعلى نقطة من المنعطفات الجبلية، حتى يتسنى لي رؤية كامبالا العاصمة، بالكامل، من الشرفة.

الشيء الغريب، هو أنني وجدت عدداً لا بأس به من العرب، بل وأكثر من متجر مكتوب عليه بالعربية ويبيع منتجات مصرية وعربية، علّل مساعدي هذا بوجود عدد كبير من الطلبة العرب يدرسون في جامعة "كامبالا".

كامبالا هي مدينة صغيرة، ولكنها تعطي شعوراً بأننا في إحدى مدن المصيف. ذكرتني بالجونة في أوائل الألفية، ومدن الشمال الأرجنتيني، وحتى "غوه" الهندية. مدينة أجواؤها حارة، ويسير الناس في الطرقات بملابس خفيفة ونعال مفتوحة، والكثير من قمصان كرة القدم لفرق أوروبية أو منتخب أوغندا، فتلك الدولة ككل دول قارة أفريقيا، مولعة بكرة القدم، وكأنها غذاء الروح.

بدأت أشعر بودّ تجاه الأفارقة، وكنت أقول لنفسي إنني كنت أسيء فهمهم، فوجوههم الجامدة تحمل ابتسامات ساحرة.

السائق، وهو من السكان المحليين، شرح لي كيف كانت القبائل تعيش في العصور الوسطى، وكيف كان لكل قبيلة ساحر وملك، على أن أشهر القبائل الأوغندية هي قبائل "البانتو"، وكانت تعيش على الزراعة، ويرجع الفضل لذلك إلى نهر النيل، طلبت منه إذا ما كان يعرف عجوزاً ما يحدثني عن السحر.

لفت نظري الشَّعر المستعار، إنه مطلوب أكثر من اللازم في أوغندا

اصطحبني إلى دكان حلاقة قديم، يجلس فيه أحد أصدقائه، ورجل عجوز، عرفت أنه والده. سعد كثيراً لرؤيتي: فتاة بيضاء نسبياً، ذات شعر ذهبي، تجلس بجواره وهو يحكي.

حكى لي العجوز عن قوة السحر في الماضي، وكيف كان لكل قبيلة ساحر له احترام الطبيب، وله مهمتان: الأولى، المساعدة في زيادة المحصول، والثانية، علاج أهالي قريته.

حتى بعد انتشار الطب، كانت لتميمة الساحر سحرها الخاص. أزاح أزرار قميصه ليريني تميمة صغيرة تحوي وجهاً أفريقياً قديماً، محاطاً بالخيوط الملونة.

عرفت منه أنه لم يخلع تلك التميمة عن عنقه منذ أكثر من 50 عاماً، فقلت له مازحة: "هل معنى ذلك أنك ارتديتها عندما كنت رضيعاً؟"، فضحك، وظهرت بعض أسنان ناصعة البياض، وهو يقول لي إن ابنه الواقف أمامنا هو من تخطى الخمسين، أما هو فقد اقترب من عامه الثالث والثمانين.

نهر النيل، هذا النهر التي تشتهر به بلادي، والذي كنت أظن أنني أعرف تاريخه عن ظهر قلب، إلى أن صدمني السكان المحليون هناك عن معنى كلمة "نيل".

قيل لي إنه في العصور القديمة، جاء رجل أوروبي في رحلة استكشافية لأوغندا، ولفت نظره بشدة نهرُ النيل، ونقطة المنبع، فسأل السكان ما اسم هذا النهر، وبما أن هناك صعوبة في فهم لغات بعضهما بعضاً، فكان الجواب: "نايلي Nile" أي "لا نعلم"، بلغة البانتو القديمة، فظن الرحّال أن هذا هو اسم النهر، وسمي منذ ذلك الوقت بنهر النيل.

أسواق "جينجا"

جاءت الرحلة إلى ثاني أشهر مدن أوغندا، جينجا. استغرقت ثلاث ساعات من كامبالا، لم أشعر بها بسبب روعة المناظر على جانبي الطريق، وحديثي المسلي مع مساعدي والسائق، وكذلك تلك الأغاني الأفريقية، المليئة بالطبول والنغمات المرحة.

كان انطباعي الأول عن جينجا، بأنها مدينة هندية صغيرة. الهنود ينتشرون فيها بشكل هائل، ويرجع هذا للاستثمار الكبير الذي قام به الهنود في القرن الماضي، وأثناء تواجد المستعمر البريطاني في دولتي الهند وأوغندا؛ لذا كان يستعين بعض البريطانيين بالهنود لمساعدتهم في العمل الصناعي والزراعي، ومن هنا قررت قوى رأس المال الهندية التوجه إلى أوغندا، والاستثمار في مصانع الذهب، والزيوت، والسيارات، والطاقة، وغيرها.

شرح لي، أنا المصرية القادمة من بلاد الأهرامات والفراعنة، كيف كانت القبائل تعيش في العصور الوسطى، وكيف كان لكل قبيلة ساحر وملك... ويرجع الفضل في ذلك إلى نهر النيل

أبرز ما يميز جينجا هي رحلات النيل التي تأخذنا إلى أول نقطة للنيل، المنبع، لنرى المياه وهي تصعد من أسفل إلى أعلى لتنطلق في رحلتها الطويلة حتى تصل إلى مصر.

كذلك طائر الأفعى النادر، والذي سمي بهذا الاسم نظراً لأنه يعوم في النيل، ويخرج رأسه فقط كالأفعى حتى يتغذى على الأسماك. بمناسبة الأسماك وأسمائها، تناولت في وجبة غذاء ذلك اليوم أسماك التيلابيا، وهي أشهر أسماك النيل الأوغندي، وكانت من أشهى الأسماك التي تناولتها في حياتي.

وها قد جاء وقت التسوق، الوقت المفضل لي، فأنا أعشق زيارة الأسواق الشعبية، وأعشق شراء أشياء محلية لن أجدها ثانية، إلا إذا عدت لذات البقعة من الأرض. سوق جينجا، هو الأشهر في أوغندا. تجولت فيه، ولفت نظري الشعر المستعار، إنه مطلوب أكثر من اللازم في أوغندا.

كيف عرفت ذلك؟ كلما سرت مائة متر تعثرت بمتجر للشعر المستعار.

ولفت نظري شكل متاجر الفاكهة، إذ تمنح شعوراً بالجوع، فرغبتُ في تناول كل أنواع الفاكهة. هناك وجدت الأسماك والفاكهة جنباً إلى جنب، دون أن يتأثر الأنف برائحة كريهة.

العديد من الأطفال هنا، بوجوههم السمراء الطيبة، كانوا يبتسمون لي بإعجاب، جعلني أطلب منهم التقاط صورة، وأنا ألتقط صورة لطفل قال لي إن اسمه حمزة، سألته: "هل تعرف محمد صلاح؟"، أجابني: "ليفربول … أعرفه بالطبع".

رغم أن تلك الدولة تصنف متوسطة الفقر فإن لباقة شعبها في تحدث الإنكليزية مبهرة، وعندما سألت مساعدتي أنيتا عن السبب، ردت ببساطة أن الأفارقة يتعلمون بسرعة، ومنذ وقت الاحتلال، وجدنا ضرورة في أن تكون تلك اللغة على لساننا بنفس قوة لغة الأم، وبما أن أوغندا لديها أكثر من لغة بالفعل، نظراً لتعدد القبائل، فكانت الإنكليزية بالنسبة لهم غير صعبة.

أنيتا أوغندية، أربعينية، لديها بنتان. سألتها عن عمر بناتها، فصدمتني بأن الكبرى تدرس في جامعة كامبالا، وتقترب من العشرين. عللت أنيتا ذلك بأنها تزوجت في سن الخامسة عشرة، لأنها كانت ترغب في الزواج من شخص يطعمها لأن والديها فقيران.

وبعد الزواج بخمس سنوات، وإنجاب طفلتين، هرب الزوج كعادة 70% من الأزواج في أوغندا، ومنذ ذلك الوقت تعمل أنيتا بجهد كمساعدة، ومترجمة، وطاهية في بعض الأوقات، حتى تؤمن مستقبل ابنتيها، كيلا يتزوجا في سن مبكرة من أجل الطعام فقط.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard