رحلة في ممالك أفريقيا الإسلامية

الأربعاء 21 أبريل 202111:51 ص

يقول عثمان برايما باري في كتابه "جذور الحضارة الإسلامية في الغرب الأفريقي"، إن ممرات القوافل في الصحراء الكبرى لعبت دوراً كبيراً في تسرّب الإسلام من شمال قارة أفريقيا إلى جنوبها، بعد أن أحكم المسلمون قبضتهم على شمال أفريقيا، وتحديداً منطقة الشمال الغربي، والتي دخلت قبائلها في الإسلام أفواجاً عقب استتباب الحُكم الإسلامي في ليبيا والمغرب وتونس والجزائر.

بطبيعة الأمر الواقع، امتلكت قبائل مترامية الأطراف كالبربر قدرة هائلة على نشر تعاليم الإسلام من أول القارة لآخرها، بفضل امتلاكها، مع غيرها، شبكات التجارة الأساسية التي كانت تحكم اقتصاد القارة آنذاك، وهكذا قدّمت هذه القبائل المسلمة حديثة خدمات دعاية مجانية، نشرت الإسلام تدريجياً في مناطق لم تصلها جيوش دول الخلافة.

وبالإضافة إلى ذلك، فإن بعض القبائل العربية قررت التخلي عن قواعدها المضمونة في بلاد الحجاز، ونزحت إلى أفريقيا، بعضها انصهر في المجتمعات التي وفد إليها، وبعضها الآخر نجح في التحوصل على ذاته حتى بلغ من القوة أن أسّس لنفسه دولة حاكمة بسطت سيطرتها حتى على أهل البلاد الأصليين.

تغلغل الدعوة الإسلامية إلى أعمق أعماق أفريقيا، سمح للمسلمين بالانتشار والتوسع حتى تمكنوا من إقامة العديد من الممالك الفائقة القوة على الأراضي السمراء منها: مملكة غانا، ومملكة كانم – برنو، ومالي، وصُنغاي، وشوا وأوفات

كل هذه العوامل لم تؤمن فقط تغلغل الدعوة الإسلامية إلى أعمق أعماق أفريقيا، بل سمحت للمسلمين بالانتشار والتوسع حتى تمكنوا من إقامة العديد من الممالك فائقة القوة على الأراضي السمراء، نستعرض سيرة بعضها في هذا الموضوع.

مملكة غانا

يقول الباحث العاجي آدم بمبا في أطروحته "الإسلام وتشكيل الهويات في إفريقيا"، إن غانا هي أقدم مملكة معروفة في بلاد السودان، ادّعى ملوكها النسب العلوي، وفقًا لما أشار إليه الإدريسي في كتابه "نزهة المشتاق"، خلال حديثه عنها، فقال: "هي أكبر بلاد السودان قطراً وأكثرها خلقاً وأوسعها متجراً، وأهلها مسلمون، وملكها فيما يُوصف من ذرية صالح بن عبد الله بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب".

يقول الباحث العاجي آدم بمبا في أطروحته "الإسلام وتشكيل الهويات في إفريقيا"، إن غانا هي أقدم مملكة معروفة في بلاد السودان، ادّعى ملوكها النسب العلوي، وفقًا لما أشار إليه الإدريسي في كتابه "نزهة المشتاق"

ويضيف حمدي عبد الرحمن في كتابه "الدولة المستحيلة في أفريقيا"، إن الكثير من المعلومات توافرت عن هذه الدولة بفضل كتابات الرحالة العرب عنها، مثل ابن حوقل والبكري، ويتبع: "أنشأ شعب السونينكي دولة قوية في منطقة السافانا الواقعة بين السنغال والنيجر، قاد هذه المملكة 44 زعيماً نصفهم من المسلمين".

كتب عنها اليعقوبي عام 872م بعد زيارته لها: "ملك غانا هو ملك عظيم، ومملكته مناجم من الذهب، ويخضع لحُكمه عدد كبير من الممالك".

بسبب الرخاء الاقتصادي الذي عاشته المملكة، تدفق عليها التجار العرب والمسلمون، ما زاد من كثافة العلاقات بين الطرفين، وهو ما يوضحه الدكتور سليمان خاطر في أطروحته "مدن إقليم غرب إفريقيا"، الذي أكد أن تلك المملكة التي كانت تقع إلى الشمال من نهر السنغال، كثرت فيها الجالية العربية حتى كادت أن تبلغ نصف سكان عاصمتها "غانة".

يقول البكري في كتابه "المغرب في ذكرى بلاد إفريقيا"، إن حجم جيش ملك غانا بلغ 200 ألف فرد، منهم 40 ألف رامٍ، مؤكداً أن مملكة غانا تحوي 18 مدينة كبرى، يظهر تأثير الإسلامي واضحاً في سبع منها فيما بقيت ثلاث على عاداتها الوثنية، أما بقية المدن فقد سكت عنها.

كما يروي البكري أن العاصمة احتشدت بالمساجد والأئمة والفقهاء لدرجة قارنها معها بمراكز المغرب العلمية بالغة النشاط في تلك الحقبة، وبطبيعة الحال تمتّع المسلمين بمعاملة متميزة في البلاد، بداية من بلاط الملك وحتى بين الأهالي، فحسبما يروي البكري كان الوثنيون يُفسحون الطريق إن رأوا مسلماً قادماً عليهم.

مملكة كانم - برنو

تقع هذه الدولة على ضفاف بحيرة تشاد، انتشر الإسلام فيها عن طريق بلاد النوبة وطرق القوافل الآتية من شمال أفريقيا.

يحكي الشيخ، أن دولة "كانم" تأسست في أواخر القرن الـ11 الميلادي، وبعد 200 سنة ضمّت إليها إقليم "برنو" المُجاور، والذي أصبح مقر الحُكم.

اعتنق شعب هذه البقاع الإسلام في القرن الـ12 الميلادي، وارتبطت المملكة بمصر وأقطار شمال أفريقيا ارتباطاً قوياً، فلم تنقطع وفود علماء الأزهر وجامعة الزيتونة وعلماء المغرب من الوفود إليها، وتمتّع سلطانها بعلاقات وثيقة مع السلطان برقوق في مصر خلال القرن الـ14 الميلادي.

تأسست دولة "كانم" في أواخر القرن الـ11 الميلادي، وبعد 200 سنة ضمّت إليها إقليم "برنو" المُجاور، والذي أصبح مقر الحُكم.اعتنق شعب هذه البقاع الإسلام في القرن الـ12 الميلادي، وارتبطت المملكة بمصر وأقطار شمال أفريقيا ارتباطاً قوياً

نزحت الكثير من قبائل العرب على هذه المملكة، واختلطوا بأهلها وهو ما يُفسِّر تغلغل الثقافة العربية في هذه المنطقة حتى اليوم، وهو ما نجده في بعض العبارات والتقاليد والأزياء العربية.

ادّعى سلاطينها النسب العثماني، الانتساب إلى الخليفة عثمان بن عفان، ووفقاً لشهاب الدين أحمد العمري، قال في كتابه "مسالك الأبصار في ممالك الأمصار"، إن أول من نشر الإسلام في هذه الأنحاء هو العادي العثماني، الذي ادَّعى أنه من ولد عثمان بن عفان.

مملكة مالي

دخل الإسلام إلى مالي في القرن الخامس الهجري/ الحادي عشر الميلادي، ونشأت ما بين العامين 1238م و1488م أول دولة إسلامية في البلاد، في السودان الغربي.

أسَّس هذه السلطنة شعب "الماندنجوه" (المتكلمون باللغة المحلية)، وعاشت أياماً مجيدة وبلغت أكبر اتساع لها في عهد السلطان "كنكن موسى"، الذي حكم خلال الفترة من 1312 إلى 1337م، وامتدت من شاطئ المحيط الأطلسي غرباً وحتى شرقي النيجر شرقاً، وهو ما كفل له التحكم التام في طرق القوافل التي تربط بين مناجم الذهب والنحاس والملح.

ادَعى ملوك إمبراطورية مالي الإسلامية الانتساب إلى الصحابي بلال بن رباح، وأطلقوا عليه "بلالي بوناما"، في إطار بحثهم عن الشرعية وتكريس أحقيتهم في الحُكم.

وهو ما جرى تعزيزه بأسطورة أخرى، وهي أن قبائل المادينغ التي تنحدر من نسل البطل الأسطوري تيرامغان tiramagan، أحد القادة البارزين الذين ساهموا في تأسيس المملكة، تزعم الأسطورة أن هذا البطل كان من صحابة النبي، وأنه شارك في غزوة بدر بصحبة 19 فارساً من أبنائه، استشهدوا جميعاً في الغزوة عدا واحد، عاد إلى بلاده ومنه انحدرت القبيلة التي لم تكن تنازعها أي قبيلة أخرى على السيادة.

دخل الإسلام إلى مالي في القرن الخامس الهجري/ الحادي عشر الميلادي، ونشأت ما بين العامين 1238م و1488م أول دولة إسلامية في البلاد، في السودان الغربي

يقول دكتور رأفت الشيخ في كتابه "أفريقيا في العلاقات الدولية"، إن هذه الدولة تمتّعت بصلات قوية بمصر، وكان لأهل "تكرور" جالية كبيرة عاشت بها خلال العهدين الفاطمي والمملوكي، حتى أن أحد أحياء القاهرة كان يُدعى "منية بولاق"، وتغيّر إلى "بولاق التكرور"، نسبة إلى أحد الأولياء من أهل "تكرور" النازلين بالمكان، واعتاد أهل مالي السفر إلى مكة لأداء فريضة الحج عن طريق مصر، واشتهر سلاطينها بأنهم كانوا يدخلون مصر في موكبٍ منيف، ويستقرون فيها شهوراً قبل الحج وبعده.

منسي موسى "سيد المناجم"

ومن أشهر هذه الزيارات المالية الكبرى لمصر، وفود السلطان "منسي موسى" الذي تولّى حكم مالي عقب "كنكن موسى"، والذي زار مصر في عهد الناصر محمد، سلطان المماليك، بصحبة موكبٍ كبير من 60 ألف جندي و12 ألف عبد، ومن خلفه قافلة عظمى من 80 جملاً محملين بغبار الذهب، هذه الثروة الهائلة أحضرها الملك لإنفاقها على سبيل العطايا.

رُوي عنه أنه لم يتوقف عن مساعدة المحتاجين والتبرع لعمارة المساجد طوال طريقه، حتى أنه كان يُلقي الذهب على المصريين في الشوارع حتى هوي سعره إلى الحضيض، وعند عودته اصطحب منسى موسى مجموعة من علماء مصر لتفقيه أهله في الدين.

كما تمتع الماليون بصلات قوية مع بلاد المغرب العربي، فهم يعتنقون المذهب المالكي مثلهم، كما تربطهم أواصر عميقة من الثقافة والتجارة والرحلات المتبادلة، ومن أشهرها زيارة الرحالة الشهير ابن بطوطة إلى مالي في عهد سلطانها منسي سليمان، بأمر من سلطان مراكش سنة 753هـ/1352م.

كشف ابن بطوطة في رحلته الكثير من جوانب الحياة في هذه المملكة الإسلامية السمراء، مثل كثرة عيش المصريين والمغاربة فيها وقلة الظلم في البلاد وانتشار الأمن في الربوع، علاوة على اهتمامهم بالحفاظ على صلاة الجماعة وحفظ القرآن، لكنه انتقد عدم عناية النساء بالتستر، فيذكر أن الجواري كن يظهرن للناس عرايا.

وللأسف، فإن رحلات منسى موسى الخارجية وبذخه في إنفاق الذهب جلب عليه الوبال. يحكي إبراهيم طرخان في كتابه "دولة مالي الإسلامية"، أن تجار البندقية أوردوا هذه الأنباء إلى قادتهم، ورسموا خرائط دقيقة للبلاد ولمنسي موسا وهو يرتكز على عصا من الذهب.

أثارت سلوكيات موسى المسرفة الطمع في نفوس الأوروبيين، بعدما أسرف في استعمال الذهب حتى لُقِّب بـ"سيد المناجم"، فشيّد به المساجد والقصور وأقام قاعة عرش ذات نوافذ ذهبية.

"الاسكيا محمد الكبير"... موسى "سيد المناجم"... منسي سليمان... قصص ملوك أفريقيا المسلمين 

يحكي ماثيو هارت في كتابه "الذهب... التنافس على أكثر معادن العالم إغراء"، أن هذه الشخصية الإفريقية المسلمة أثارت خيال الأوروبيين، وفي أطلس كاتالان الصادر في العام 1380م، أظهر ملك أسود في لباسه الملكي على عرش ذهبي، يلوّح بيده وفي قبضة يده قطعة من الذهب، وحينها بدأ البرتغاليون محاولاتهم بمحاذاة مرفأ السواحر الأفريقية للعثور على تلك المملكة الذهبية، وحتى بعد انهيار مملكة مالي، ظلَّ حلم العثور على ممالك مانس الأسطورية واحدة من أعظم مخيلات المستكشفين الأوروبيين.

صُنغاي/ سُنغاي

اعتنق ملوكها الإسلام في منتصف القرن الحادي عشر الميلادي، وكانت في البداية جزءاً من دولة مالي، حتى حصلت على استقلالها يد زعيمها "سني علي"، والذي أسّس مُلكاً عظيماً على حساب الدول المجاورة له، ولم يكد القرن السادس عشر الميلادي يهلُّ على أفريقيا حتى اتسع نفوذ مملكة سنغاي ووصل إلى شمال نيجيريا.

اعتنق ملوك صُنغاي الإسلام في منتصف القرن الحادي عشر الميلادي، وكانت في البداية جزءاً من دولة مالي، حتى حصلت على استقلالها يد زعيمها "سني علي"، والذي أسّس مُلكاً عظيماً على حساب الدول المجاورة له

تقول الباحثة الجزائرية صاص أمل كلتوم، في أطروحتها "مملكة صنغاي الإسلامية"، إن مملكة سنغاي فاقت في مجدها إمبراطوريتي غانا ومالي.

ويوضح دكتور حسين مراد في بحثه "مملكة صُنغاي"، أن مؤسسي هذه المملكة هم شعب صُنغاي Songhay، وهو ينحدر من قبيلة زنجية عُرفت بهذا الاسم. قامت هذه القبيلة بدور بارز في تاريخ بلاد السودا الغربي.

انتشر الإسلام في هذه الرقعة من الأرض بفضل الصلات التجارية التي ربطت أهلها وبلاد المغرب، ولقد أكدت العديد من النقوش الصخرية متانة هذه العلاقة حتى قبل دخول الإسلام إلى المغرب.

وفي بداية القرن الخامس الهجري تحوّل الملك "زا كُسي" إلى الإسلام، وبهذه الخطوة أصبح الإسلام هو الدين الرسمي للدولة.

من أشهر ملوكها "الاسكيا محمد الكبير"، الذي حكم خلال الفترة من 1493م إلى 1538م، واقتدى بملوك مالي في قيادة مواكب الحجّ الضخمة إلى مصر، كما أقام صلات ضخمة بالمغرب واعتنق أهل دولته المذهب المالكي، وكان طبيعياً أن تستقبل المملكة العديد من رجال الدين المغاربة.

يقول عبد الرحمن، إن الإمبراطور اتخذ العديد من الإجراءات المشددة للحفاظ على الأخلاق العامة وتعاليم الإسلام، وفي إحدى رحلات حجه إلى مكة، اشترى بيوتاً خصصها لحجيج السودان، كما سعى إلى الارتقاء بالمستوى الثقافي لدولته وأجزل العطاءات للقضاء والأطباء والعلماء.

بعض سلاطينها تسمّوا بأسماء الخلفاء الراشدين، ولم تُعرف أسماء بعضهم الحقيقية، فلقد وُجد منقوشاً على أحد الشواهد الرخامية المكتشفة في غاو، عاصمة سونغاي: "هذا قبر الملك الناصر لدين الله، المتوكل على الله، أبي بكر بن أبي قحافة، رحمه الله ونوّر ضريحه"

بعض سلاطينها تسمّوا بأسماء الخلفاء الراشدين، ولم تُعرف أسماء بعضهم الحقيقية، فلقد وُجد منقوشاً على أحد الشواهد الرخامية المكتشفة في غاو، عاصمة صونغاي: "هذا قبر الملك الناصر لدين الله، المتوكل على الله، أبي بكر بن أبي قحافة، رحمه الله ونوّر ضريحه"، وعلى شاهد آخر: "هذا قبر الملك الأجلّ، رفيعُ المحل، الناصر لدين الله، المجاهد في سبيل الله، ماما بن كما بن أعى، المُسمَّى بعمر بن الخطاب".

تؤكد صاص أن هناك نوعين من الملوك حكما المملكة الأفريقية، السلالة الأولى هي سلالة "سُني" والتي حكمت خلال الفترة (1464- 1493)، والثانية هي سلالة "الأسكيا" التي أطاحت بـ"سني" وحكمت بدلاً منهم، وفي عهد المؤسس أسكيا محمد حققت الدولة مجداً عظيماً لم يسبقه إليه أحد.

ويشرح دكتور أبو بكر ميقا في أطروحته "نظام القضاء في دولة سنغاي الإسلامي"، إن كلمة "منسي" التي حملها بعض قادة الأفارقة المسلمون تعني ملك باللغة المحلي، كما أضاف أن كلمة "سني" التي وضعوها في منتصف ألقابهم تشير إلى الانتساب إلى سُنة النبي، في إشارة غير مباشرة لأي مذاهب أخرى تفد إليهم مع التجار الشيعة أو الخوارج.

ويروي أبو بكر ميقا أن أحد ملوك سنغاي، ويُدعى محمد أسكيا، استعان بالفقيه الجزائري الشهير، الإمام محمد بن عبد الكريم المغيلي، في إدارة شؤون مملكته، مؤكداً أن هذا الملك كان أول حاكم في هذه البقاع يُلقب نفسه بـ"أمير المؤمنين". 

أول حاكم في هذه البقاع يُلقب نفسه بـ"أمير المؤمنين"

وتقول صاص إن محمد أكسيا شنَّ حروباً على الوثنيين، ووجّه حملات قوية ضدهم، خربت حقولهم ومساكنهم.

شكل رحيل الملك محمد أكسيا، ضربة قاصمة في استقرار "سنغاي"، بعدما اختلف قادته على وراثته، ما عجّل بسقوط المملكة وخضوعها لحُكم السعديين، قادة المغرب آنذاك.

شوا وأوفات

عرفت بلاد الحبشة قيام العديد من الممالك المستقلة الإسلامية، منها مملكتي "شوا" و"أوفات" اللتين عاشتا جنباً إلى جنب مع الحُكم المسيحي لمملكة "أكسوم" الشهيرة.

 يقول حسن محمود في كتابه "الإسلام والثقافة العربية"، إن مملكة تُدعى "شوا" قامت في الحبشة بنهاية القرن التاسع الميلاد وفقاً لأرجح الآراء، على يد قبيلة عربية تنتسب إلى قبيلة مخزوم القرشية.

عرفت بلاد الحبشة قيام العديد من الممالك المستقلة الإسلامية، منها مملكتي "شوا" و"أوفات" اللتين عاشتا جنباً إلى جنب مع الحُكم المسيحي لمملكة "أكسوم" الشهيرة

ووفقاً للموسوعة الإسلامية فإن بني مخزوم نجحوا في إقامة مملكتهم (283هـ/896م)، بعدما نزحوا إلى البلاد في أول الأمر، وسكنوا في ضيافة الأمير، ثم اختلطوا بالعائلة الأميرية عن طريق المصاهرة حتى آل الأمر إليهم.

وتضيف الموسوعة، أن المخزوميين اتخذوا من مدينة "ولله" عاصمة لهم، شهدت أياماً مجيدة من ازدهار العمران والنشاط الثقافي والرواج التجاري، بفضل استغلال الموارد الطبيعية الممتازة التي تمتعت بها المملكة الإسلامية.

لم يكتفِ ملوكها بجهودهم في فرض الاستقرار على أراضيهم، بل بذلوا جهوداً لنشر تعاليم الإسلام في المناطق المجاورة، ليكون وسيلة غير مباشرة لإخضاعها لحُكمهم... ممالك أفريقيا الإسلامية

ولم يكتفِ ملوكها بجهودهم في فرض الاستقرار على أراضيهم، بل بذلوا جهوداً لنشر تعاليم الإسلام في المناطق المجاورة، ليكون وسيلة غير مباشرة لإخضاعها لحُكمهم.

استمرت هذه المملكة قوية لمدة 4 قرون تقريباً، حتى سقطت على يد مملكة إسلامية أخرى تُدعى "أوفات"، وذلك في العام 1289م.

بعدها أقيمت إمارة إسلامية تقع في جنوب هضبة الحبشة. برزت إلى الوجود على رفات سلطنة "شوا"، في نهاية القرن الثالث عشر الميلادي، وأسسها قوم من العرب المهاجرين إلى الحبشة، الذين ينسبون أنفسهم إلى الصحابي عقيل بن أبي طالب.

قال عنها شهاب الدين العمري في كتابه "مسالك الأبصار": "هي عامرة آهِلة بقرى متصلة، وهي أقرب أخواتها إلى الديار المصرية وإلى السواحل المسامتة لليمن، وهي أوسع الممالك الإسلامية أرضاً، وعسكرها 15 ألفاً من الفرسان، ويتبعهم 20 ألفاً من الرَّجَّالة".

تمكنت مملكة "أوفات" من التوسع في الأراضي المحيطة بها حتى فاقت في مساحتها مملكة "أكسوم" نفسها، وأحاطت بها من الجنوب والشرق وعزلتها عن العالم، ما أدَّى إلى وقوع سلسلة من الحروب بين الطرفين أسفرت عن هزيمة ساحقة للمسلمين، وكادت تؤدي إلى إفناء وجودهم تماماً من المنطقة لولا تدخل سُلطان مصر، وفرضه عقد هدنة على الأحباش سمحت للمسلمين بالبقاء في قراهم.

وعاش الطرفان بعدها في عدد من المناوشات، التي كانت في أغلبها لصالح الأحباش، وانتهت بضم المملكة الإسلامية لصالح مملكة "أكسوم" وإنزواء سيرتها للأبد.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard