بعد توقيف ممثلة تونسية... "جريمة الزنا" تضييق على حرية الأجساد

الثلاثاء 16 أغسطس 202202:32 م

طفت قضية تجريم العلاقات الجنسية خارج إطار الزواج فوق سطح الأحداث في تونس، بعد توقيف ممثلة معروفة اتهمها زوجها بخيانته مع شاب إثر تواجده في فرنسا قبل أن يتم إطلاق سراحها.

بعد جدل كبير في شأن الحادثة، تجدّدت دعوات محتشمة لإلغاء "عقوبة الزنا" التي تطال متهمين بإقامة علاقات جنسية خارج إطار الزواج، وتصل إلى حد السجن.

قوانين "متخلّفة"

أثارت حادثة توقيف ممثلة تلفزيونية معروفة، جدلاً قديماً متجدداً في شأن العلاقات الجنسية خارج إطار الزواج، أو ما يُعرف في القانون التونسي بـ"جريمة الزنا"، خاصةً أنها طرحت بشكل جدي مسألة تجديد ترسانة القوانين في البلاد التي يعدّها ناشطون متخلفةً ولم تواكب التطورات على صعيد حقوق الإنسان بالرغم من أنها تُعدّ رائدةً في المنطقة العربية المحافظة.

وينص القانون التونسي على السجن 5 سنوات وعقوبة مالية في حال حدوث الزنا، وهي عقوبة تنطبق على الزوج أو الزوجة. وتكون العقوبة مشددةً إذا كانت الحادثة تخص الزوجة حسب ما يقول محامون تونسيون. وتُرفع الدعوى القضائية بطلب من أحد الأزواج ويتم التتبع إثر ذلك.

وذكرت وسائل إعلام محلية أنه تم الإفراج عن الممثلة بعد أن أسقط زوجها الدعوى القضائية في حقها، لكن الجدل لم يتوقف إذ كسر ناشطون حقوقيون وسياسيون حاجز الصمت مطالبين بتحديث القوانين.

وقالت رئيسة لجنة الحريات الفردية والمساواة في البرلمان التونسي السابق والناشطة النسوية، بشرى بلحاج حميدة، إنه "في علاقة بتجريم العلاقات الجنسية بين شخصين راشدين، لم يعد من المقبول اليوم في ظل تطور المجتمعات وارتفاع سن الزواج الذي تطور وغيرهما معاقبة الناس على حياتهم الشخصية والجنسية طالما لا توجد جريمة تتعلق بقاصر أو باغتصاب".

وأوضحت بلحاج حميدة، وهي محامية أيضاً، في حديث إلى رصيف22، أن "جريمة 'الزنا' تجاوزتها الأحداث لأن العالم يتقدم والفلاسفة وعلماء النفس يفسرون واقعاً موجوداً، وللأسف القوانين التونسية ما زالت متخلّفةً في وقت تتقدم وتتغير فيه القوانين لذلك يجب إلغاء هذه الجريمة وتطوير القوانين".

لم يعد من المقبول اليوم في ظل تطور المجتمعات وارتفاع سن الزواج الذي تطور وغيرهما معاقبة الناس على حياتهم الشخصية والجنسية طالما لا توجد جريمة

وشددت على أن "هناك قوانين تونسيةً يجب إصلاحها مثل مجلة الأحوال الشخصية التي دامت قرابة القرن وهو أمر غير عادي إطلاقاً".

وفي الوقت الذي احتفلت فيه تونس في الثالث عشر من آب/ أغسطس، بالعيد الوطني للمرأة، فإن الجريمة عندما تتعلق بامرأة يكون التعاطي الشعبي والإعلامي معها بشكل أكثر حدةً إذ تعرضت الفنانة المعروفة لهجوم لافت على مواقع التواصل الاجتماعي.

وقالت بلحاج حميدة، إن "ما حصل مُرعب، وأتمنى لها أن تتجاوز هذه الأزمة، لكن ما حصل من ردود الفعل حتى من طرف النساء كان مرعباً للغاية. شخصياً عملت أربعين عاماً في المحاماة وأعرف أن هناك فروقاً كبيرةً بين الخطاب الأخلاقوي الذي يدلي به البعض في تونس، وبين ما يقومون به في الخفاء، وهذه سكيزوفرينيا".

يتفق المحامي غسان الغريبي، مع ما ذهبت إليه بلحاج حميدة، إذ يقول إن "المجلة الجزائية التونسية التي تنص على هذه الجريمة تعود إلى عام 1912، وهي مجلة متخلفة ولم تتطور ولم تستوعب المنظومة الجديدة لحقوق الإنسان والحريات والمعطيات الشخصية".

عملت أربعين عاماً في المحاماة وأعرف أن هناك فروقاً كبيرةً بين الخطاب الأخلاقوي الذي يدلي به البعض في تونس، وبين ما يقومون به في الخفاء، وهذه سكيزوفرينيا

وأضاف الغريبي، في حديث إلى رصيف22: "لذلك نجد فصولاً تتعلق مثلاً باللواط والمساحقة وجريمة الفصل 236 المتعلقة بالزنا التي لا تهم في القانون التونسي إلا الزوجان، وعليه نقول جريمة 'الزنا' تهمّ الزوجين وهي متعلقة بالإخلال بعقد الزواج".

وأكد أنه "لا يمكن تجريم 'الزنا' كونه مرتبطاً بعقد الزواج، لكن قد يكون سبباً في الطلاق أو فسخ العقد، وهذه المسألة فيها الكثير من المعطيات الشخصية التي لا يمكن المساس بها في أي حال من الأحوال، وأيضاً نتحدث عن الحرية الجسدية، الإنسان حرّ في أي ممارسة متصلة بجسده بكل حرية ولا يمكن أن تتدخل لا الدولة ولا المجلة الجزائية ولا حتى العلاقة الزوجية في ذلك".

ورأى أنه "على ضوء ذلك، يجب إلغاء جريمة الزنا التي تُعتمد فقط كوسيلة لفسخ عقد الزواج".

تخفيف العقوبة

في المقابل، تذهب أوساط أخرى إلى المطالبة بالتخفيف من العقوبة فحسب، وذلك في وقت تبدو فيه الأوساط السياسية منشغلةً بالمعركة على السلطة بعد عام من إجراءات 25 تموز/ يوليو التي أطاحت بالنخبة الحاكمة السابقة.

وبحسب إيهاب الطرابلسي، عضوة المرصد الوطني للدفاع عن مدنية الدولة: "يُعدّ 'الزنا' جريمةً يعاقب عليها القانون في معظم دول أوروبا ما عدا بريطانيا التي تعدّه جريمةً مدنيةً تصل عقوبتها إلى سنتين".

وتابعت الطرابلسي في حديث إلى رصيف22: "هنا ربما يُطرح إشكال العقوبة في حدّ ذاتها، ويجب ألا تكون السنوات الخمس أكثر شدةً وأكثر إيلاماً بالنسبة إلى الفرد في تونس مقارنةً بالدول الأوروبية. نحن لسنا دعاةً للانحلال الأخلاقي مثلما يصفنا البعض، ولكننا نريد أن تؤخذ الأمور بشيء من الحكمة، وأن يكون العقاب من جنس الفعل".

ورأت أن "المشرّع التونسي لم يفرّق بين المرأة وبين الرجل، بل تعامل معهما في كنف المساواة التامة، فكما يستطيع الرجل أن يقدّم قضيةً في الغرض، تستطيع المرأة ذلك إذا ثبتت حالة الزنا".

ومن غير الواضح ما إذا كان رئيس الجمهورية قيس سعيّد الذي بات بحكم الأمر الواقع رئيساً جامعاً لكل الصلاحيات بعد نجاحه في تمرير دستور مثير للجدل عرضه على الاستفتاء في 25 تموز/ يوليو الماضي، سيستجيب للدعوات الرامية إلى تعديل منظومة القوانين المتصلة بـ"جريمة الزنا".

ويُعرَف الرئيس سعيّد بمواقفه المحافظة بالرغم من أنه يعادي المنظومة الحاكمة سابقاً التي كان الإسلام السياسي ممثلاً في حركة النهضة، ركيزتها الأساسية. ورفض الرجل، وهو أستاذ قانون دستوري متقاعد، المساواة في الميراث بعد حملة قادتها منظمات نسوية للتسريع في سنّ قوانين في هذا الإطار. ويؤيد سعيّد حكم الإعدام، فيما يرى أن المثليين جنسياً يحصلون على تمويلات من الخارج لإفساد الأمة الإسلامية، وفق حوار له في صحيفة "الشارع المغاربي" المحلية، نُشر إبان حملته الدعائية في الانتخابات الرئاسية للعام 2019.

استبعد المحلل السياسي محمد صالح العبيدي، أن يُقدم سعيّد على خطوة في اتجاه وضع حد لعقوبة "جريمة الزنا"، خاصةً أنه في حاجة إلى سند شعبي قوي في ظل الضغوط الخارجية التي يتعرض لها.

ذكرت وسائل إعلام محلية أنه تم الإفراج عن الممثلة بعد أن أسقط زوجها الدعوى القضائية في حقها، لكن الجدل لم يتوقف إذ كسر ناشطون حقوقيون وسياسيون حاجز الصمت مطالبين بتحديث القوانين

وقال العبيدي في حديث إلى رصيف22، إن "سعيّد معروف بمواقفه المحافظة وخطاباته الشعبوية، فهو نفسه شهَّرَ بقاضية في علاقة بـ"جريمة الزنا" في وقت سابق خلال عزله 57 قاضياً، لذلك أستبعد أن يلغيها أو يدفع نحو التخفيف من العقوبة على الأقل".

ورأى المتحدث أن "سعيّد ينهل شعبيته من المحافظين، لذلك لا أعتقد أنه سيغامر في هكذا خطوة في وقت يحاول فيه كسب تأييد أقوى من الشارع في ظل الضغوط الأجنبية القوية عليه خاصةً بعد الاستفتاء".

وبالرغم من أنها خاضت نضالات قويةً منذ نيل البلاد استقلالها عام 1956، إلى اليوم، إلا أن الثابت أن هذه العقوبة ستكون من أبرز التحديات للجماعات النسوية والحقوقية في تونس في المرحلة المقبلة، شأنها شأن حقوق الإنسان في ظل مخاوف من انتهاكات تخيّم على البلاد، خاصةً في ظل التطاحن السياسي القوي بين الرئيس ومعسكر المعارضة.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard