الجسد العربي في مهب اللايكات

الجمعة 29 أكتوبر 202101:37 م

ثمة سردية كبرى تخص الأجساد العربية بمختلف أجناسها بصدد التبلور والتعاظم بسرعة جنونية على مواقع التواصل الاجتماعي. فالمنخرطون في تلك المواقع منغمسون أيما انغماس في اختطاف اللحظة تلو الأخرى، وفي محاولة الإمساك بها عبر صور فوتوغرافية لا تكاد ترسو على برّ.

هوس جماعي، ولعله مرضي، باختطاف الجسد ولا سيما الوجه منه في لحظاته المختلفة. لكأن الصورة أصبحت أهم من أي لحظة نعيشها بالملموس، لكأنها الهدف الأساسي من وراء كل لحظة نخطط لها ولعلها سلبتْنَا تفاعلنا، فباتَتْ كل تفاعل وكل انفعال.

أنت ترافق "شلتك" في جولة بحرية أو برية، ما من أحد سينتبه للأضواء التي تعم المكان ولا لتفاصيله أو لأضوائه ولتغيراتها مهما كانت طارئةً، سينشغل الجميع باختطاف صورهم المنشودة بهواتفهم الذكية أو غيرها من الآلات الأخرى ذات القدرات المتفاوتة وكل ذلك من أجل جمع أكثر ما يمكن من لايكات، لا غير.

فات نرسيس أن يلتقط له صورة

لا أحد وضع لايكاً للصياد اليوناني الأسطوري نرسيس. لم تسعفه الأدوات حينذاك لفعل ذلك رغم كل غروره. ولو كان اليوم منخرطاً بالفيسبوك على سبيل المثال، أو "آنستغراموراً" لكان أول من وضع لنفسه لايك، وقد ترقى إلى رسم قلب أحمر.

لقد عَلِق ذلك الصياد المسكين في تأمل صورته المنعكسة على صفحةِ الماء في تعبير عن "لايك" طويلةِ الأمد، إلى أن عجز عن تركها وظل يحدق بها إلى أن مات. هي نرجسية خلدته ذكرى رغم كل شيء حتى أن فرويد اتخذه مثالاً لإحدى نظرياته في التحليل النفسي ألا وهي "العقدة النرجسية" المتحدث عنها. فأن يعجب الشخص بنفسه فلا يرى غيرها وينسى الآخرين إلى أن ينتهي به/ بها الأمر إلى الانسلاخ عن المجتمع نهائياً ومن ثم الموت، هو نوع من المرض العضال، ولعل انتشاره الواسع اليوم جعله كأي أمر عادي.

ثمة سردية كبرى تخص الأجساد العربية بمختلف أجناسها بصدد التبلور والتعاظم بسرعة جنونية على مواقع التواصل الاجتماعي. فالمنخرطون في تلك المواقع منغمسون أيما انغماس في اختطاف اللحظة تلو الأخرى، وفي محاولة الإمساك بها عبر صور فوتوغرافية لا تكاد ترسو على برّ

ثمة شعرة ضئيلة تفصل "نرسيس" الأساطير عن "نرسيسات" اليوم العديدة، فماذا نسمي المهووس أو المهووسة بالتقاط "سِيلْفِي"، أو "الصورة الملتقطة ذاتياً" بمناسبة وبلا مناسبة. ولعل السيلفي ما هو إلا مواصلة لتيار كانَ شائعاً في فن الرسم قديماً: "الرسم الذاتي" égoportrait.

وهو نمط من الصور يعود إلى نهاية القرن التاسع عشر بفضل ما يسمى "كاميرات براوني" التي كان المصورون يستخدمونها لالتقاط صور شخصية مستعينين بمرايا. وكلمة "سيلفي" هذه ظهرت كمصطلح سنة 2002، عندما تم استخدامها في منتدى إلكتروني التأم في أستراليا ولم يشع المصطلح إلا ابتداءً من سنة 2012.

فأن يعرض الواحد منا جسده لكاميرا أو أن يلتقط ما ينعكس منه على المرآة هو النرجسية الخفية ذاتها والتي تبلغ اليوم أوجها، ولعل النساء هن الأكثر ولعاً بها، كما تشير عدة دراسات متخصصة.

فهن يرفعن شعورهن بيد ويلتقطن باليد الأخرى صورتهن، أو هن يحركن شفاههن حركات تتنوع من امرأة إلى أخرى، فيجمعنها أو يمددنها ويقلصنها لرسم قبلة بلا رصيد، أو يَرسمْنَ بها "فم سمكة" باسمة في مائها، أو يقلدن إحدى المولعات بعملية النفخ الشائعة. موديلات عديدة ترتسم في الذهن نحاول إلباسها لأجسادنا والتقاطها في صورة سرعانَ ما يصبح لها منطقها ولغتها وتفاسيرها الخاصة.

هوس جماعي، ولعله مرضي، باختطاف الجسد ولا سيما الوجه منه في لحظاته المختلفة. لكأن الصورة أصبحت أهم من أي لحظة نعيشها بالملموس، لكأنها الهدف الأساسي من وراء كل لحظة نخطط لها

 صورة فورية من أجل معان أبدية

ما الذي نحاول قوله من خلال التقاط صورنا المحمومة؟ أليس هو الهاجس القديم ذاته والذي يتمثل في محاولة معانقة الأبدية؟ أليست محاولتنا العريقة في محاولة تخليد لحظاتنا المتعاقبة تعاقبها السريع؟ سنعود إلى صورنا تلك يوماً ما، ونبدأ مرحلة الحنين المبكر ولو بعد عام من التقاطها ونردد عبارات عن الحسرة كأننا نتحدث عن أجيال قديمة.

حتى أن موقعاً كموقع فيسبوك تفطن إلى تلك اللعبة أو نقطة الضعف الإنسانية، فساير ذكرياتنا، فلا تفوت مناسبة إلا وتعثر على صورتك التي لم يمر عليها زمن طويل، إلا أنها طويت في مواقع بلا ذاكرة.

لقد صرنا مثل تلك المواقع بلا ذاكرة، ننسى ما عشنا في فترة وجيزة ونحتاج الصورة تلك كي نجمع شتات بعض التفاصيل المنفلتة منا. لقطات فوتوغرافية نريدها أن تصمد في وجه الزمن العابر كي يجعل منا مجعدين ثم غابرين!    

الجسد الموديل

تكاد الصور الفوتوغرافية الملتقطة هنا أو هناك أن تكون صورة واحدة، لأن ما يجمع بينها كثير بشكل مباغت. هناك موديل/ موجة يشيع من زمن إلى آخر ليودع طي النسيان وينتشر موديل آخر، وذلك يتنوع بحسب الموضة السارية. شاع جسد "باربي"، الدمية الشهيرة، على سبيل المثال، ثم انطفأ شيئاً فشيئاً.

ونحن نتحدث هنا عن ذلك الجسد الذي يحاول الخلود في صورة لم يمس الزمن منها شعرة. وجوه بلا لون أو تكاد، شعر لا يطرب للنسيم، شفتان لا خطأ بهما، لا تجاعيد، رقبة مصقولة وكأنها من الشمع، نهدان لا تفاوت بينهما، بطن لا تعرجات به، مؤخرة متوازنة، سيقان مدورة تدور المنحوتات الرخامية.

ثمة شعرة ضئيلة تفصل "نرسيس" الأساطير عن "نرسيسات" اليوم العديدة، فماذا نسمي المهووس أو المهووسة بالتقاط "سِيلْفِي"، أو "الصورة الملتقطة ذاتياً" بمناسبة وبلا مناسبة؟ 

لكم أن تجدوا باربيات كثيرةً على إنستغرام، الموقع القائم على الصورة الفوتوغرافية المرتجلة. فباربي هنا أنموذج جسدي عالمي جذب أجسادنا العربية من ضمن أجساد أخرى، وتتعدد النماذج في هذا الإطار نفسه، وتجمع بين نماذج مذكرة وأخرى مؤنثة، فنلقى أجساداً "نجومية" متعددة منحدرة من مجالات عدة، فأجساد نابعة من حقل "الراب" والرياضة ورفع الأثقال، وأجساد بوهيمية تتمزق سراويلها إلى تصبح مجرد خرق، أجساد فقيرة كنزوة يمارسها البعض في ثورة واضحة ضد حركة العالم المعولمة.    

جسد الرومانس

لهذا الجسد منطقه الخاص، فهو يَرِد لنا في صور غير معنية بأي رتوش، بل في صور تحاول أن تكون مثقلة بالرموز والمعاني، لذلك هي تشفع بنصوص مرتجلة أو أخرى هي استعادة لمقولات عالمية شهيرة تلتقي مع ما يخالجه لحظتئذ.

فأن يلتقط بعض رواد تلك المواقع صورة في خلفية طبيعية، أو غيرها من الخلفيات والوضعيات، يحتاج إلى نصوص تنزلها في سياقها وتعيد إليها بعض الاعتبار في خضم متواتر ومتسارع. محاولة لمجابهة الإيقاع وإيقافه في لحظة رومانسية يستنشق خلالها جسدنا بعض الهواء الحقيقي، وهو أيضاً محاولة لدعم الجسد ببعض المعاني المترسخة، بعيداً عن "الجسد البروفيل" المختزل اختزالاً شاقاً.      

الجسد البروفيل

يكفّ الجسد في المواقع الاجتماعية على أن يكون جملة من الإدراكات والأفكار والحواس والاعتقادات والعواطف، ويختزل في "بروفيل"، أي في لمحة تعريفية خاطفة.

نمر على تلك اللمحة مروراً سريعاً ولا نكاد نقف على معنى، وهنا نقسم ذلك الجسد إلى صنفين اثنين: جسد أنثوي عام، حمّال لبعض المواقف المسبقة التي تختلف باختلاف المشاهد، ولعل ما يغلب على مواقفنا تلك في سياقنا العربي هي الأخلاقية منها، وجسد ذكوري قد لا يحظى في سياقنا العربي ذاته بالأهمية التي نوليها، سلباً أو إيجاباً، بالجسد النسوي. فعموماً يحظى الجسد النسوي بلايكات أكثر بكثير من الذكوري وبتعليقات متنوعة المرجعيات والأهداف.

يكفّ الجسد في المواقع الاجتماعية على أن يكون جملة من الإدراكات والأفكار والحواس والاعتقادات والعواطف، ويختزل في "بروفيل"، أي في لمحة تعريفية خاطفة

صورة الجسد الفوتوغرافية: محاولة لتعويض بعض النقص

قد يكون الدافع من وراء نشر صورنا كاملة أو منقوصة دافعاً نفسياً بحتاً. إننا نتسول بعض الإعجاب في محاولة لاستعادة ثقة مهتزة بأنفسنا. وهنا قد نلجأ إلى بعض الرتوش أو معالجة الصورة بما تتيحه الأداة التي استخدمناها في التقاط صورتنا الخاطفة، فنخفي بعض الخدوش والتشوه، ونضيف بعض الضوء إلى حدقتيْنِ حاملتين لظلال التعب، قد نزيد أجسادنا ضموراً أو على العكس من ذلك نزيدها امتلاء، قد نلجأ إلى صورة "الآفاتار" في محاولة لخلق شبيه سليم مما يشوبنا في الواقع الخ...

ما يمكننا فعله لنحظى بلايكات هي عبارة عن تفاعل مجتمع خفي نخافه أو نتجنبه، ولم يمكننا الواقع من أن نحظى بذلك. إننا نحاصر بعض المثالية التي تنقص أجسادنا. فالعربيات ميالات على سبيل المثال إلى ما قد يسمى "النحافة المثالية" التي باتت من المواصفات العالمية للجسد الأنثوي في عصرنا، أما الرجال العرب، والشباب منهم بالخصوص، فيميلون إلى ذلك الجسد الجامع بين خصائص الأنوثة والذكورة في آن، كأن يكون ناعماً نعومة جسد المرأة وصلباً صلابة جسد الرجل.  

إيكو لكل جسد

إيكو في الأسطورة الإغريقية القديمة، هي فتاة جميلة معروفة بفصاحتها التي كانت تؤثر على كل سامع، عاشت إيكو على ضفاف الأنهار والبحيْرات ممارسة لهوايتها المفضلة ألاَ وهي التحدث إلى كل عابر سبيل. وذات يوم التقت برنسيس فوقعت في حبه وراحت تتغزل به، إلا أنه كانَ لا يستجيب كما هو متوقع.

عندما لم تجد صدى وهو ترجمة عبارة إيكو، انعقد لسانها نهائياً وكتمت حبها واكتفت بمراقبة نرسيسها وهو يحب نفسه. إيكوات عديدات على مواقعنا الاجتماعية، ينتقلن من نرسيس إلى آخر بألسن معقودة، أغلبية صامتة في زحمة المواقع الاجتماعية الضاجة تبحث عن إيكو أو صدى من أجلها وحدها، فترشق سهام الحب من خلف شاشاتها.

ولعل الدليل على ذلك هذا الكم الهائل من القصص الغرامية الافتراضية، التي بدأت بتأمل صورة فوتوغرافية أخذت على عجل للجسد، لتنتهي بتبادل بعض الرسائل فصور "نيودز" إلخ... مما نعرف جميعاً ونتوقع.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard