بين "سجن" الجسد وقضبان الأنظمة القمعية... تفاصيل يرويها العابرون/ات جنسياً عن التعذيب

الخميس 30 سبتمبر 202105:05 م

تندرج هذه المقالة ضمن مشروع "رصيف بالألوان"، وهي مساحة مخصّصة لناشطين وناشطات وأفراد من مجتمع الميم-عين أو داعمين لهم/نّ، للتحدّث بحرية ودون أي قيود عن مختلف التوجّهات الجنسية والجندرية والصحّة الجنسية، للمساهمة في نشر الوعي العلمي والثقافي بقضايا النوع الاجتماعي، بمقاربات مبتكرة وشاملة في آن معاً.

عندما يتم ذكر كلمة عابر/ة جندرياً في بلداننا العربية، فإنكم/نّ قد تسمعون/ن قصة متعلقة بإعلان شخص ما عن هويته الجندرية وتعرضه لمخاطر اجتماعية، لكنكم/نّ على الأرجح لن تسمعوا/ن قصة من هم/نّ في السجون يعاقبون على هوياتهم/نّ الجنسية والجندرية ولن تدركوا/ن حجم العنف الجنسي واللفظي الذي يتعرض له هؤلاء الأفراد في سجونهم وأمكنة احتجازهم.

من جهتي، لقد تم اعتقالي لعدة أشهر على خلفية سياسية، غير أنه تمت معاقبتي على هويتي الجندرية، فالتحرش الجنسي والفحص الشرجي ووضعي في سجن مخصص "للرجال" و حتى منعي من دخول المرحاض ليومين متتالين، كلها ممارسات مجحفة لم تكن بسبب مشاركتي في تظاهرة سياسية، بل قامت الدولة بزجي في السجن وعاقبني المجتمع داخل القضبان على خلفية إشهاري لهويتي الجندرية، ورفضي أن أبقى سجينة الجسد الذي وُلدت فيه، ومطالبتي بضرورة احترام كل شخص بمعزل عن هويته الجنسية والجندرية.

واللافت أن قصتي مع الظلم تتقاطع مع قصة غيري من الأفراد العابرين جنسياً في بقعة جغرافية أخرى، والذين يتعرضون بدورهم للسجن والتعذيب النفسي والجسدي.

اعتقالات تعسفية

في مصر، لا يجرّم القانون صراحة العبور الجندري وتعمل بعض المستشفيات الحكومية ونقابة الأطباء، نظرياً، على إعطاء التقارير الطبية والموافقات اللازمة لإجراء الجراحات التصحيحية للأفراد المعنيين، ولكن على صعيد آخر تستند الجهات الرسمية على بعض المواد القانونية للتضييق و"تبرير" عملية إلقاء القبض على أفراد مجتمع الميم-عين، كالمواد الخاصة بمكافحة الدعارة في القانون 10 لعام 1961 التي تتحايل عليها السلطات لقمع الأفراد.

في الواقع، تعتقل السلطات المصرية، بشكل تعسفي، المثليين/ات جنسياً والعابرون/ات من الأماكن العامة أو عن طريق التطبيقات الإلكترونية.

التحرش الجنسي والفحص الشرجي ووضعي في سجن مخصص "للرجال" و حتى منعي من دخول المرحاض ليومين متتالين، كلها ممارسات مجحفة لم تكن بسبب مشاركتي في تظاهرة سياسية، بل قامت الدولة بزجي في السجن وعاقبني المجتمع داخل القضبان على خلفية إشهاري لهويتي الجندرية

في العام 2017، نشرت "المبادرة المصرية للحقوق الشخصية" تقريراً بعنوان "المصيدة"، بحيث تم رصد إحصائياً نسب اعتقالات أفراد مجتمع الميم-عين، بتهم متعلقة بممارسة الدعارة أو التحريض عليها، وخلال 3 سنوات ونصف، وصل العدد الى 232 شخص، ما بين رجال مثليين ونساء عابرات، انتقدت فيه "المبادرة" تعامل النيابة والطب الشرعي وأوضاع المعتقلين/ات داخل مقرات احتجازهم/نّ.

روت مرام (20 عاماً)، تجربتها بعدما تعرضت للاعتقال على خلفية عبورها الجنسي في العام 2018، فقالت لرصيف22: "توجهت مع صديقة لي وهي عابرة جنسياً، إلى أحد المقاهي العامة، فاخترنا بقعة هادئة، ولاحظنا وجود فتاة تنظر نحونا بطريقة مريبة، وبعد دقائق دخل المقهى ضابط ومعه مخبرين، فتشوا هواتفنا ثم قاموا باصطحابنا الى القسم ونحن في حالة من الصدمة والذهول، لأننا ببساطة لم نرتكب أي شيء يستدعي القبض علينا".

وأضافت: "منعونا من التواصل مع أسرنا لإبلاغهم عن مكان تواجدنا، كما وقعوا باسمنا على محضر لم نقرأه، وفي النيابة العامة، تم اتهامنا بأننا نستقطب رجال لإقامة علاقات جنسية ونحرّض على الفجور، وبعد انتهاء التحقيق قال لنا وكيل النيابة بصريح العبارة: ده انتو هتشوفوا أيام سودة معانا".

وأكملت مرام حديثها بالقول: "عند عودتنا الى قسم الشرطة، أقدم أحد الضباط على التحرش بصديقتي وعندما صدّته، صفعها عدة مرات على وجهها، قائلاً: هو أنا هلمسك أنت يا (شاذ) يا (مخنث)".

ناجيات وليس ضحايا

في لبنان، لا يختلف الوضع القانوني للعابرين/ات جنسياً عن مصر، إذ لا توجد مادة دستورية أو قانونية تجرّم العبور الجنسي، ولكن استناداً إلى المادة رقم 534 من قانون العقوبات والتي تحظر "إقامة علاقات جنسية بما يخالف الطبيعة"، يتم اعتقال العابرين/ات جنسياً.

في هذا الصدد، كشفت الفنانة اللبنانية ساشا اليجاه (24 عاماً)، عن تفاصيل اعتقالها: "لقد تعرضت للاعتقال على خلفية هويتي الجندرية ثلاث مرات خلال ثلاثة أعوام متتالية. في العام 2017، داهمت الشرطة أحد المباني التي يسكن في أغلب طوابقها نساء عابرات جنسياً، وبالرغم من أنني كنت برفقة صديقتي في السيارة نستعد للذهاب إلى الشاطئ، غير أن بعض الضباط أرغمونا على الخروج من السيارة بالقوة، وضعوا في أيدينا الأصفاد ومن ثم قاموا باصطحابنا الى سيارة الشرطة".

وأضافت ساشا لرصيف22: "للحظات شعرت بأن كل ما يحدث مزحة، فليس من المنطقي أن يتم القبض علينا لمجرد أننا عابرات جنسياً... في اليوم التالي، دخل علينا ضباط القسم وجردونا من جميع ملابسنا، وتعمدوا التحدث أمامنا بصوت عال وهم يقولون: حنحلق شعرن، بالإضافة إلى تهديدات أخرى بهدف ترهيبنا نفسياً".

وأوضحت اليجاه أنه بعد إلحاح وإصرار كبيرين، وافق الضباط على وضعهنّ في حجز النساء، إنما من دون السماح لهنّ بالتواصل مع أي شخص في العالم الخارجي طوال خمس عشر يوماً.

وكشفت ساشا أنه وفي كل مرة يتم القبض عليها فيها، كانوا يسيئون معاملتها ويكيلون لها الشتائم بسبب هويتها الجندرية، منوهة بأنها قررت التحدث عن تجربتها في العلن بهدف مساعدة غيرها من العابرات: "قررت أن أتحدث بكل شفافية وصراحة عمّا اختبرته، على أمل ألا يمرّ أي شخص عابر جنسياً بالتجربة نفسها، والتي كانت لها تداعيات نفسية كثيرة عليّ، كاضطراب ما بعد الصدمة والاكتئاب الحاد".

هذا وتحدثت ساشا اليجاه عن التمييز الذي تمارسه بعض وسائل الإعلام بحق أفراد مجتمع الميم- عين، بالقول: "في الكثير من الأحيان، يتم إظهارنا في ثوب الضحية وذلك عكس الواقع تماماً، فنحن لسنا ضحايا إنما نحن ناجيات".

قوة التغيير

كشفت نايا رجب، وهي عابرة جنسياً وناشطة في مجال الحقوق الجنسية والجندرية في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، عن بعض الممارسات الظالمة التي يتعرض لها أفراد من مجتمع الميم- عين، منوهة بتحسن الوضع نسبياً خلال السنوات الماضية: "قبل العام 2016، كانت الممارسات سيّئة تماماً بحق العابرات جنسياً، فكان الضباط يضربون ويتحرشون ويتبوّلون على العابرات في ظل غياب أي شكل من أشكال المحاسبة، ولكن خلال الأربعة أعوام الماضية تغيّرت استراتيجية مخفر الآداب، بحيث بات يتم وضع النساء العابرات في غرف احتجاز مخصصة للنساء، كما يتم نقل أفراد من مجتمع الميم-عين خارج بيروت خوفاً من التوثيق والتقارير التي تكتبها المنظمات".

وأوضحت رجب أن الوضع تحسن نوعاً ما بسبب نضالات نشطاء وناشطات وأفراد مجتمع الميم-عين، غير أن هذا التحسن لا ينسحب على جميع المناطق اللبنانية، وفق قولها: "لقد تحسن الوضع نسبياً في بيروت، إلا أن المحافظات الأخرى ما زال الوضع فيها كارثياً، فمثلاً في محافظة طرابلس، يستمر إخضاع أفراد مجتمع الميم-عين للفحوص الشرجية التي تم منعها من قبل نقابة الأطباء".

ممارسات ظالمة وغير إنسانية بحق أفراد مجتمع الميم- عين في مختلف دول الشرق الأوسط وشمال افريقيا، وهو القمع الذي يجبرنا يومياً على خوض صراعات لا نهاية لها مع الدولة والمجتمع، على أمل أن تصبح تجاربنا مع السجون المتقاطعة من الماضي، وأن تكون اعتقالاتنا حافزاً للمطالبة دوماً بحق الإنسان في عيش حياته بالطريقة التي يريدها

من هنا، اعتبرت نايا أن التغيير يكون عن طريق الاستمرار بالضغط على الدولة: "نحن بحاجة لتغييرات جذرية في مؤسسات الدولة والقضاء والقانون، وذلك عن طريق الضغط والتوثيق والتصعيد الدولي".

في الواقع، لا يقتصر الظلم الذي يتعرض له العابرون/ات جندرياً على مصر ولبنان فقط، إنما يمتدّ لجميع أنحاء المنطقة، ففي العام الماضي، تم سجن الكويتية مها المطيري بسبب هويتها الجندرية، وقد ظهرت المطيري في مقطع فيديو وهي تبكي خوفاً من أن يتم احتجازها في سجن الرجال، على غرار ما حدث مع صديقتها التي اعتقلت مع الرجال وتعرضت لاغتصاب ثم انتحرت بعد خروجها.

وفي اليمن، تعرضت امرأة عابرة جندرياً للاغتصاب داخل مقرّ احتجازها، وواجهت حكماً بالسجن لمدة عامين لتحدثها عن هويتها الجندرية في العلن.

في نهاية المطاف، نحن لا نعرف كم يبلغ عدد الأفراد الذين يتم سجنهم وتعنيفهم واغتصابهم لمجرد أنهم عابرين/ات جنسياً، ولكن ما نعلمه أن القوانين والمواد القانونية قد تختلف من بلد إلى آخر ولكن القمع يبقى واحداً: ممارسات ظالمة وغير إنسانية بحق أفراد مجتمع الميم- عين في مختلف دول الشرق الأوسط وشمال افريقيا، وهو القمع الذي يجبرنا يومياً على خوض صراعات لا نهاية لها مع الدولة والمجتمع، على أمل أن تصبح تجاربنا مع السجون المتقاطعة من الماضي، وأن تكون اعتقالاتنا حافزاً للمطالبة دوماً بحق الإنسان في عيش حياته بالطريقة التي يريدها وبحسب الهوية الجندرية التي تناسبه.

هذا المشروع بالتعاون مع المؤسسة العربية للحريات والمساواة AFE وبدعم من سفارة مملكة هولندا.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard