شاركوا في مهمّتنا،
بل قودوها

غيّروا، لا تتأقلموا!
المقاومة الإنسانية في مواجهة التشويه المكاني

المقاومة الإنسانية في مواجهة التشويه المكاني

رأي

الاثنين 15 أغسطس 202204:08 م

في الحرب، يدخل الكاتب في صراعه مع اللغة ويبدو التعبير مهمة مثقلة. ينجرّ تارةً إلى حسه الأدبي في عاطفة يجتاحها التوتر والقلق وتارةً أخرى إلى لغته العلمية وكناياتها السياسية. لكن مع ذلك يجسد كلاهما حصيلة هذه المعرفة والوعي الكامن لديك. والمعرفة بحد ذاتها هي حِملٌ ثقيل تتجاوب معها طردياً حجم معاناتك ورد فعل نفسك على الحرب وما تعنيه في وعيك الشخصي.

في اغترابك تجلس في فوهة الوقت، تعد الدقائق والأحداث والشهداء والجرحى والسجائر التي تمتص قهر نفسك. ثم تنتهي إلى أنفاسك تعدها حتى تأخذك غفوةُ التعبِ مجبراً. في اغترابك، خبر الحرب هو ذلك الخبر الذي تهرب منه ويقتلك القلق نحوه، فلا تنفك منه إطلاقاً.

وأنت في غربتك المكفهرة، تمارس طقسك التضامني على طريقتك الساذجة، فتقلب الصور التي يشاركها الناس على مواقع التواصل الاجتماعي، صوراً تعيد فيها الشعور بهشاشة ذاتك من جديد. صوراً تصيغ في قالبها شكلاً جديداً لما تعنيه الأمومة والأبوة والطفولة والموت والدم والجسد والدموع والحزن والقهر والصراخ.

الأمومة تختبر من جديد صلابتها وقدرتها على الموت وإنعاش الحياة بأثر الذكرى. والأبوة تختبر عجزها أمام وحشية الحرب، وتكتشف قلة حيلتها وتلاشي معناها حين يسقط البيت، وينزف الدم، ويرتقي الأبناء ويذهبون دون سؤال أو إذن. والطفولة تكبر من هول الألم وتمزق الحرب براءتها وتسخر مطولاً من نضجنا، فالوجع نحمله جميعاً دون فرق السن. والموت نواجهه وتجبرنا الحرب على الاعتراف به. والدم نعرفه من رائحته والقطرات منه لم تعد تعني شيئاً في بحر كبير نغرق فيه منذ أكثر من سبعين عاماً. أما الجسد، فقد يختلط علينا حاله ولا نعرف صاحبه سوى من ندبة في طرفٍ ما نجت من الموت مصادفة! يُقرأ الجسد في الحرب كالضوء المنشطر، فتضيع تفاصيل القصة بالفوتونات التي تذوب بالنار. يحمل أشلاء يحاولون إعادة ترتيبها كالصور. والدموع نهرٌ من الرحمة قد يجف من هول ما رأى. والحزن حالنا الدائم، غريزتنا الكامنة التي يردعها حب الحياة. والقهر وقود هذا الغضب، آه كم نحن غاضبون. أما الصراخ، فهو النفس الطويل الذي نأخذه بغصة حتى لا ينقطع عنا الهواء!

ولا تغفل حينها عن تفاصيل المشهد الأخرى التي تدرك بها أن الحرب ليست سوى شكل واحد من أشكال العنف السياسي الذي تمارسه إسرائيل ضد الشعب الفلسطيني. وهو ما يؤكده تماماً الدكتور فتحي التريكي في كتابه "الفلاسفة والحرب" حين قال: "الحديث عن الحرب لا يستقيم دون معاينة الاقتران الوثيق بينها وبين السياسة، لأنه ليست الحرب إلا مواصلة للسياسة بطرائق أخرى".

الحرب: حالة التشويه المكاني واستخدام العمارة كوسيط للتطهير

هذه الحرب تجسّد في ذاتها الشر السياسي وآلة الموت التي تستهدف الفلسطيني بكيانه المادي والروحي، لا تخطف حياته، بيته، ممتلكاته، بل تطال نيرانها ذاكرته وأشكال الوعي لديه. فيتم اختيار الهياكل والأماكن ذات المعاني المحدِدَة للنسيان بنيّة متعمدة.

ويمكن القول إن هذا التدمير كظاهرة تمتد لتستهدف حميمية الإنتاج المكاني والهياكل المعمارية القائمة بشكل خاص وذلك لأهداف سياسية ولا إنسانية. والحميمية هنا تتولد بثلاث قضايا أساسية، الأولى شعور الإنسان بالقرب والراحة في حيزه المكاني، والثانية هي طبيعة الأنشطة التي يتم ممارستها في هذا الحيز، وأخيراً المرور الزمني المستغرق في التكيف والتعود. وهذه القضايا الثلاث هي التي تشكل ذات الإنسان وهويته.

العمران الحضري القائم في قطاع غزة بما فيه من المباني والمؤسسات العامة والمناطق السكنية وكذلك الشوارع وهياكل البنية التحتية كلها مشبعة بالأيديولوجيا. الأيديولوجيا الفلسطينية المتأصلة في شكلها وتفاصيلها المادية والتي يغذيها السياق المجتمعي والتاريخي القائم. وعليه فإن هذا الاستهداف التدميري النشط والدوري للبنية العمرانية على اختلاف أشكالها هو مقصود، فهذه المباني لا تتعرض للهجوم كونها مكاناً لهدف عسكري وإنما لأنها الهدف عينه.

هذا العنف التدميري هو بمثابة عملية تشويه، ومحو للذكريات، والتاريخ، والهوية. إنه شكل من أشكال النسيان القسري.

إن محو هذه الذكريات المادية لشعب ما واستهداف ذاكرته الجماعية هو ذاته بمثابة قتل للناس أنفسهم. في هذا الإطار كتب العالم الأدبي الأمريكي روبرت بوج هاريسون: "في اندماج المكان والروح، تكون الروح حاوية للمكان بقدر ما يكون المكان حاوية للروح: كلاهما عرضة لنفس قوى الدمار".

هذه المباني لا تتعرض للهجوم كونها مكاناً لهدف عسكري وإنما لأنها الهدف عينه

وهنا يمكننا إدراك الطريقة التي يعتمدها الجيش الاسرائيلي في استخدام الهياكل المعمارية كوسيط لممارسة هذا التطهير الثقافي وبث الهشاشة في المجتمع الفلسطيني.

ونتساءل في الوقت نفسه، لماذا العمارة تحديداً؟ إن هذا الانطباع الذي تتركه العمارة حول "الثبات" بصفتها هياكل صلبة قائمة وثابتة الوجود لزمن طويل نسبياً يجعل من التلاعب بها أمراً مؤثراً ومقنعاً بالنسبة للناس. فالمساس بها وتعرضها للتشويه والتغيير يعنيان المساس بالمعاني الثابتة المتأصلة بها والتي يتم تأصيلها بفعل الزمن وأشكال التفاعل التاريخي.

من خلال أشكال التفاعل في الحياة اليومية في حيز الفراغات داخل المباني أو في محيطها، تقوم هذه الهياكل المعمارية ببناء المعاني المختلفة واحتوائها وبناء ذاكرة فردية وجمعية من جملة من المواقف والتفاصيل التي قد تبدو مغيبة في وقتها ولا تأخذ حيزها الحقيقي من وعينا. ولكن بمجرد أن يتم استهدافها والمساس بها نفتقدها ونشعر بحدوث خلل ما في ذواتنا التي ارتبطت روحياً بالفراغ المكاني.

فاستهداف البيت يعني إحداث خلل حقيقي في بنية المنظومة اليومية للعيش بتفاصيلها، مكان النوم، زاوية القراءة، الشباك المطل على الشارع، المطبخ، غرفة المعيشة. وقد لا تكون أنت صاحب البيت لكنك جاره الذي يستظل بجدار المنزل ذاته الواقع في الظل عصراً من كل يوم!

من ناحية أخرى، تعبّر العمارة عن الهوية، وقد وضح ذلك الكاتب والمعماري جوهاني بلازما في مقابلة منشورة حين سئل عن الهوية، فقال "تتكون هويتنا من ثلاث طبقات أساسية: الثقافة، والمسكن، والذات. تخلق الثقافة علاقة أساسية بين الماضي والحاضر والمستقبل. تتحول الثقافة والموطن (المنطقة والمكان والمنزل) إلى طبقات من الذات. مهمة التعليم وكذلك الهندسة المعمارية هي توضيح وتقوية طبقات الذات هذه، والتي تتفاعل باستمرار". وعليه فإن هذا العنف الذي تمارسه الآلية العسكرية الإسرائيلية اتجاه العمارة هو استهداف للهوية والذاكرة الجمعية.

المقاومة الإنسانية ومعادلة الصراع السياسي

يواجه الشعب هذه الحرب بالصمود، والصمود هو حالة مقاومة خاصة لا يمكن تعميمها، فهي ذات صبغة مميزة، تعرفها كما الهوية. حالة المقاومة الخاصة هذه ذات ارتباط مباشر بالزمان والمكان والراهنية وتفاصيل الوضع القائم ومعادلة القوى السياسية المهيمنة على المشهد، والتي تؤثر في نقطة الضغط التي يتحرك منها هذا النضال. يقول ليبيوس وودز الكاتب والمعماري الأمريكي: "بنية المقاومة عابرة، غير دائمة، بل سريعة الزوال، لأن المواقف تتغير ومعها الحاجة ذاتها للمقاومة".

فاستهداف البيت يعني إحداث خلل حقيقي في بنية المنظومة اليومية للعيش بتفاصيلها

وهنا قد تبدو المقاومة حالة من الكر والفر وشكلاً من أشكال الحوار المراوغ على الأرض والذي يكشف في جانب منه عن المواقف السياسية ومرجعياتها الإنسانية والأخلاقية. وإن كان الحديث عن مرجعيه "إتيقية" للحرب هو بحد ذاته أمر جدلي وقد يكون مستحيلاً! فلا حرب أخلاقية، لكن في الحالة الفلسطينية في غزة قد يبدو الأمر ممكناً.

إن صمود الفلسطينيين على مدار خمس حروب في أقل من خمس عشرة سنة والجرأة على إعادة البناء بعد هذا الموت هو ظاهرة تحتاج إلى وقفة تأمل حقيقية، وتحديداً بالنظر إلى مجموع الأدوات التي استخدمها الشعب الفلسطيني في مواجهة هذا التشويه المكاني ومساحة الحياة، بدءاً من ممارسة الصبر والتحايل على الذات في مساحات اللايقين كالمعابر الحدودية التي يتعطل بها الزمن ويستغرق فيها السفر أياماً، ابتكار تلك الطرق البديلة وأشكال العصيان الفاعلة وغير الفاعلة الإبداعية المتداولة في أنشطة الحياة اليومية والتي تتبنى الأمل، وانتهاءً بالتفاصيل اليومية الصغيرة، كالذهاب إلى المدرسة تحت السماء الملغمة بالطيران الإسرائيلي، ممارسة اللعب في المساحات المدمرة، تلوين الركام، الغناء في العتمة دون كهرباء، وحتى التنفس رغم الدخان السام الملوث بنار المدفعية.

وهنا تبدو المقاومة كفعل سياسي فردي جمعي تم تشكيله بالفعل العفوي، ونتج عنه شكل متفرد من الارتباط بالحياة والأرض تمتد جذوره في الهوية والاشكاليات المشتركة والإحساس الجماعي بالسلطة والإمكانية على رفض هذا الواقع برغم القيد الراهن.

والسؤال هنا كيف يمكن لهذا النمط غير الرسمي من السلطة أن يغير معادلة الصراع بين فلسطين وإسرائيل من خلال مجموعة من الممارسات العامة والعفوية والممارسات غير المخططة التي كانت نتائج خلفية ثقافية واجتماعية وسياسية.

في كل حرب على غزة، كانت هناك حجة واسعة النطاق حول من هو المنتصر في هذه الحرب التي تكبد كلا الجانبين خسائر. ومع ذلك، وجد الفلسطينيون أن نضالهم وصمودهم هما جوهر انتصارهم. من ناحية أخرى، وجدت إسرائيل أن الخسائر الفلسطينية - التي كانت أكثر بكثير من الخسائر على الجانب الإسرائيلي - هي علامة على النصر. وعلى الرغم من أن السلام هو المطلب الرئيسي والمتبادل لكلا الجانبين، فمن المهم معرفة ما هو وراء ردود فعل كلتا الطائفتين. وبالتالي، كيف يمكن للممارسات البشرية وردود فعل المقاومة وأشكال الصمود أن تدخل في مواجهة القوة العسكرية في حالة الصراع؟

إن المتأمل في حال المشهد ومظاهر الصمود المذكورة سابقاً يدرك أن تحليل هذه الظواهر يظهر قوة وعناصر الكفاح والمقاومة الإنسانية التي لا تقل أهمية عن غيرها من وسائل القوة. إنها قوة قانونية، ومتأصلة، وبشرية في أي صراع سياسي، لا بل وحمل وإتيقيا خاصة بها.

وهنا تبرهن التجربة الفلسطينية مجدداً على قدرتها على صياغة قاموسها الخاص والمفاهيم المرحلية ذات الصلة كالحرب والصمود وغيرها. فهي تضيف إلى الفكر التاريخي حالة خالصة يمكن تعريفها بأنها "مواجهة أخلاقية" في الحرب، كونها تؤثر في معادلة "الصراع الفلسطيني الإسرائيلي" وتظهر إتيقيا المقاومة الإنسانية في مواجهة آلة الحرب العسكرية.

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

Website by WhiteBeard