من دولة البوليس إلى دولة النقابات الأمنية... هل نعيش الكارثة الحقيقية في تونس؟

الخميس 11 أغسطس 202205:41 م

"البذاءة والانحطاط الفكري والأخلاقي لا يمكن أن يكونا في أي حال من الأحوال فناً. عندما يتحول الركح من فضاء للإبداع إلى فضاء تسمع فيه ما لذ وطاب من بذيء العبارات، فعلى الفن السلام. لكل من يعتبر أن ما يقدّمه لطفي العبدلّي، من انحطاط يدخل في باب الإبداع وحرية التعبير فله ذلك، ولكن الاعتداء على الدولة بكافة مكوناتها وأجهزتها هي جريمة يعاقب عليها القانون. ما حصل في صفاقس ليلة الثلاثاء الماضي، هو اعتداء صارخ على الدولة بالقول والإشارة، وقبل ذلك هو اعتداء على العائلات المتواجدة، اعتداء على أم ترافق ابنتها وعلى أم ترافق ابنها، واعتداء على أب اصطحب عائلته"؛ هذا ما نشرته صفحة نقابة إقليم الأمن الوطني في تونس، على موقع فيسبوك، بعد اعتداء رجال الأمن على الممثل لطفي العبدلي، وإيقافهم عرضه في مهرجان صفاقس الدولي قبل نهايته، وتهجّمهم عليه بالكلام الفاحش، وصولاً إلى رميه بمقذوفات، وكان بعض الحاضرين قد وثّق ذلك بالصّوت والصّورة.

وبذلك باتت هذه النقابات فوق القانون وفوق الدستور التونسي الذي يكفل حرية التعبير، وفوق القوانين التي تحتم في مثل هذه الحالة التظلّم أمام القضاء.

مرحبا "عمّار 404"...

ما حصل، في نظري، يُعدّ كارثةً حقيقيةً بعد أن عبرنا من دولة البوليس إلى دولة النقابات الأمنية التي تأسست بعد الثورة بالعشرات، وتغوّلت إلى حد بعيد. فبعد أن تخلّصت تونس من الرقابة على الأعمال الإبداعية بعد الثّورة، وهو دور المتسلط وكانت تلعبه وزارة الداخلية على جميع المنشورات المكتوبة أو المسموعة والمرئيّة، كما تراقب بقبضة من حديد كلّ ما يُبثّ في الإذاعات والقنوات التلفزيونية وعلى شبكة الإنترنت. وكان التونسيّون يرمزون إلى هذا الرّقيب المستبدّ بـ"عمّار 404"، تلك العبارة التي تظهر على شبكة الإنترنت كلّما حاولنا فتح موقع أغلقته السّلطة.

وإن كانت السّلطة حينها، بالرغم من قبضتها القمعية المتشدّدة، لم تنجح في فرض هذا المنع لأنّ الممنوعات جميعها كانت تنتقل من يد إلى يد تحدّياً، بل إن الرّغبة فيها ازدادت والإقبال عليها ازدهر. فلا نجحت السلطة في منع أغاني الراب المعارضة، ولا قضت على الفرق الفنية الملتزمة وأغانيها المسجلة وحفلاتها، ولا على قصائد مظفر النواب ولا على أغاني الشيخ إمام ولا على غيرها ممّا ترى السّلطة أنه يشكل تهديداً لها.

حسب التونسيون أنهم تخلصوا من هذه الصورة المقرفة للأمني الذي أعلن في كل المناسبات أنه تحول إلى أمن جمهوريّ بعيد عن السياسة، فإذا بهذه النقابات الأمنية التي استغلت حالة فقدان الدولة لسيطرتها على الحياة في تونس، تنتصب آلهة في الأرض

شرطة "شرق المتوسّط" على حالها

حسب التونسيون والتونسيات أنهم/ ن تخلصوا/ ن من هذه القبضة الأمنية بسقوط بن علي، وخروج عدد من الأمنيين إلى العلن معتذرين عن المظالم التي ارتكبوها في حق الشعب، ومتعللين بأنهم كانوا مجبرين على ذلك. ولتلخيص ما كان يحصل مع الأغلبية الساحقة ممن تحملهم أقدامهم إلى مراكز الشرطة لقضاء حاجة أو من كان يتم إيقافهم، فإنّنا نحيل إلى "شرق المتوسّط"، رواية عبد الرحمن منيف، التي وصفت ذلك بالتفصيل، ونقلت ما يفعله البوليس مع أيّ مواطن خصوصاً إذا كان "متهماً". وكان أثر هذه القبضة الأمنية أن حوّلت النّاس إلى متهمين جميعهم من دون استثناء، وكل ما عليك إثباته طالما أنت موجود على هذه الأرض، هو أن تثبت لهم العكس، وإلاّ فإنّ أمّك وأباك ومن "جابوك" (خلّفوك)، ومن جاورهم، سيسمعون أقذع ما اخترعت البشرية من شتائم أخلاقية وجنسية ودينيّة، زيادةً على فنون التنكيل والتعذيب والعنف بأشكاله كلها.

حسب التونسيون أنهم تخلصوا من هذه الصورة المقرفة للأمني الذي أعلن في كل المناسبات أنه تحول إلى أمن جمهوريّ بعيد عن السياسة، فإذا بهذه النقابات الأمنية التي استغلت حالة فقدان الدولة لسيطرتها على الحياة في تونس، تنتصب آلهة في الأرض، زيادةً على تشجيعها من قبل أطراف سياسيّة يمينية من داخل السلطة الحاكمة خلال العشرية السوداء، لتستغلها في معاركها السياسيّة، وقد اعتدت هذه النقابات على بعض الإعلاميين والمنابر الصحافية والبرامج في أكثر من مناسبة سابقاً.

فالفن على ما أعرف على الأقل هو السباحة ضد هذه التيارات تحديداً، أي السباحة ضد المؤسسة وضد السلطة بمختلف أنواعها وأشكالها

البوليس حارس الفن؟

وبالعودة إلى منشور النقابة أعلاه، نتبيّن اتكاءها على الحجج الأخلاقية لمهاجمة عمل فنّي في بلد يقرّ دستوره وقوانينه بحرية الإبداع مطلقاً ما لم يدعُ إلى كراهية أو إلى عنف، وهي تجاوزات يضبطها القانون لا البوليس، حتى إن وقعت فعلاً، ولا دخل للنقابات الأمنية فيها، خلافاً لمحاكمة العمل البارحة على عين المكان وعدّه لا أخلاقياً وعدّ أن فيه تعدياً على الدولة ومؤسساتها ورموزها، ولا أعرف متى كان الفن صديقاً لهذه الأصنام، فالفن على ما أعرف على الأقل هو السباحة ضد هذه التيارات تحديداً، أي السباحة ضد المؤسسة وضد السلطة بمختلف أنواعها وأشكالها. وأما هذه الصورة النورانية المثالية المزعومة للفن، فلا تعمّر إلا أفكار النقابة الأمنية صاحبة البيان الذي يُعدّ فضيحةً وجريمة.

أما كونه فضيحةً فلأنّه يقحم الأمن في تحديد ماهية الفن ويتدخل في ضوابطه وشروطه ولم يبقَ الآن سوى أن نعود إلى الرقيب، أو أن نُلزم كل مبدع قبل نشر إبداعه والخروج به إلى النّاس بعرضه (ما قبل العرض الأول)، على جميع النقابات الأمنية لتجيزه بأغلبية ثلثي الأصوات. وكل عمل لا يحظى بهذا الشرط يُمنع من التداول، ويُلعن صاحبه ويُرجم في ساحة عامة بدعوى التعدي على الذات الأمنية المقدسة.

لقد انتصبت النقابات الأمنية مكان الدولة، بل إنها أصبحت تختزل الدولة في سابقة خطيرة لم يعهدها التونسيون حتى في زمني بن علي وبورقيبة في أعتى أوقات تسلطهما.

البوليس فوق الدستور وفوق الدولة

لقد انتصبت النقابات الأمنية مكان الدولة، بل إنها أصبحت تختزل الدولة في سابقة خطيرة لم يعهدها التونسيون حتى في زمني بن علي وبورقيبة في أعتى أوقات تسلطهما، فقد استولت على السلطة القضائية واستولت على وزارة الداخلية لتصبح هي الدولة والوزارة والمحكمة، وتطلق محاكمةً فوريةً للممثل لطفي العبدلي على عين المكان وتوقِف عرضه من دون استشارة أحد.

بل إن الأدهى أنها أصدرت بياناً رسمياً أعلنت فيه مقاطعة الأمنيين لعرض الممثل العبدلي في جزيرة قرقنة، ولم تكتفِ بهذا التحدّي لهياكل وزارة الداخلية نفسها التي يتلقى منها الأمنيون الأوامر بالضرورة، بل أعلنت أيضاً أنه "من هنا فصاعداً أي عرض فني سيمسّ بالذوق العام سننسحب منه وسنرفض تأمينه ولن نقبل بأن نكون طرفاً في أي جريمة أخلاقية"!

وبذلك باتت هذه النقابات فوق القانون وفوق الدستور التونسي الذي يكفل حرية التعبير، وفوق القوانين التي تحتم في مثل هذه الحالة التظلّم أمام القضاء، وفوق القضاء بما أنها ستتولى تقييم أي عرض تقييماً فورياً من حيث تماشيه مع تلك العبارة الفضفاضة التي وظّفتها أعتى الأنظمة الديكتاتورية للتخلص من المعارضين بكل ألوانهم، وهي عبارة "الذوق العام". أي أننا انتقلنا من دولة القانون إلى قانون اللا دولة حيث من يملك القوة (السلاح) يتمرّد على كل الأعراف والقوانين وينفّذ أحكامه بنفسه، وهذا أخطر منعرج تدخله تونس خلال السنوات العشر الماضية.

نقابة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر

وإذا عدنا إلى أصل المشكلة، وجدنا أن أصل ما عدّته النقابة الأمنية "إساءةً" و"مسّاً بالذوق العام" و"تعدياً على الأخلاق الحميدة"، ليس سوى كلام شخصية من شخصيات المسرحية عبّرت به عن فقدانها الثقة بكل شيء، وأعلنت غضبها ويأسها وإحباطها. وها هي وزارة الداخلية تتحول بفضل نقاباتها الأمنية إلى هيئة للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، قبل أن تتحول في خطوة قادمة إلى محكمة تفتيش أو إلى لجنة عقيدة الإيمان المسيحية التي تراقب كل الأعمال الإبداعية فتمنح صكّ الغفران لكتاب أو لوحة وتمنع فيلماً أو مسرحيةً من التداول من دون التقيّد بقانون.

وسابقاً كفّر كاتب عام نقابة الأمن الداخلي في صفاقس، ناشطي حقوق الإنسان ووصفهم بالملاحدة والخونة والمرتزقة الذين يقبضون بالدولار مقابل أنشطتهم الحقوقية، زيادةً على أنهم أعداء الإسلام ويريدون اجتثاثه من البلاد في كلمة بالصوت والصورة تناقلتها وسائل الإعلام حينها وأثارت ضجةً، غير أنها سرعان ما انتهت إلى لا شيء. مرّ ذلك مرور الكرام مثل عشرات التجاوزات والاعتداءات على المواطنين التي بلغت حدّ سحل أحدهم وتجريده من ملابسه خلال تفريق احتجاج في العاصمة، وتطويقهم مقر محكمة في بن عروس بسياراتهم الأمنية وأزيائهم وأسلحتهم مطالبين بالإفراج عن زميل لهم تم إيقافه للتحقيق معه في إحدى القضايا.

وإذا عدنا إلى أصل المشكلة، وجدنا أن أصل ما عدّته النقابة الأمنية "إساءةً" و"مسّاً بالذوق العام" و"تعدياً على الأخلاق الحميدة"، ليس سوى كلام شخصية من شخصيات المسرحية عبّرت به عن فقدانها الثقة بكل شيء، وأعلنت غضبها ويأسها وإحباطها

وعليه، فإنّ تغوّل هذه النقابات وهي بالعشرات -إن لم نقل بالمئات إذا أحصينا فروعها وأسلاكها- لم يعد خافياً على أحد إلا على وزارة الداخلية التي تصمّ آذانها عن الاحتجاجات والتنديدات بهذه التجاوزات في حق منظوريها وتقابلها بالصمت والتجاهل. وهذا مؤشر خطير على أنها أصبحت أقوى من الدولة وقادرةً على التمرد في كل لحظة، زيادةً على دورها الأخلاقوي الشعبوي الذي تحاول استمالة الناس به مستغلةً في ذلك شكوى البعض من "الانحلال الأخلاقي المستفحل" وهي حجة ملازمة لكل عصر وليست مخصصة لزمن بعينه. ثم إن الأخلاق مفهوم نسبي تضبطه القوانين ولا يمكن في حال من الأحوال أن تحدده السلطة التنفيذية.

 ثم إن الأخلاق مفهوم نسبي تضبطه القوانين ولا يمكن في حال من الأحوال أن تحدده السلطة التنفيذية.

صمت الدكتاتور المحيّر

وأمام صمت الدولة، وأقصد هنا رئيس الدولة الذي يسيطر بدستوره الجديد على الإنسان والجان والبر والبحر والفضاء والكواكب والمجرات، وصمت وزير الداخلية –وزيره- عن هذا الوضع الخطر الذي سيتفاقم وسيذهب إلى ما هو أبعد... أمام هذا الصمت المطبق لم يبقَ أمامنا سوى أحد احتمالين: إمّا أن يكون رئيس الدولة مستفيداً من هذا التغوّل الأمني ويرى أن ما تقوم به منضوٍ تحت دستوره الجديد ويطبّق فصله الخامس تحديداً الذي ينص على أن الدولة تسعى إلى تحقيق مقاصد الإسلام، وإما أنه خائف من عواقب زجر الأمنيين الذين يعدّهم عصاه التي يتوكأ عليها للذبّ عن دكتاتوريته واستبداده، هو الذي تعددت زياراته إلى مقر وزارة الداخلية إذ افتخر بهم في أكثر من مناسبة، ويعلم جيداً أنه يحكم بهم، وإذا حاول تحجيم دورهم فإن شبح الانقلاب أو التصفية سيظل يطارده وينغّص عليه استبداده في كل حين.

إن هذا المنزلق الخطر قد انعرج بتونس إلى أسوإ ما تكون عليه الدّول: الدولة البوليسية التي تسطّر الشرطة "حلالها وحرامها"، وتتخذ قراراتها وأحكامها وتنفّذها على عين المكان فوراً من دون العودة إلى أحد

إن هذا المنزلق الخطر قد انعرج بتونس إلى أسوإ ما تكون عليه الدّول: الدولة البوليسية التي تسطّر الشرطة "حلالها وحرامها"، وتتخذ قراراتها وأحكامها وتنفّذها على عين المكان فوراً من دون العودة إلى أحد. وهذا تكريس لمنطق وصاية السلاح على الإبداع، وهي صورة مؤلمة في الواقع إذ تحيلنا مباشرةً على حكم طالبان في أفغانستان حيث تسطّر الشرطة حياة الناس وتقرر مصائرهم وتنفذ أحكامها فيهم طبقاً لـ"الأخلاق الحميدة" و"تعاليم الدين"، فهل تحوّلت تونس إلى طالبان جديدة في ظلّ سلطة شعبويّة قادرة على الجميع باستثناء تحجيم أدوار النقابات الأمنية؟

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard