في تونس... "قمع" و"ترهيب" للمعارضين عشية الاستفتاء

الأحد 24 يوليو 202204:50 م

في مظاهرة حاشدة دعت لها قوى سياسية ومنظمات مدنية تعرَّضَ محتجّون رافضون لمسار الاستفتاء، على مشروع الدستور الذي قدمه الرئيس التونسي قيس سعيّد، للاعتداء العنيف من قبل قوات الأمن كما تم استعمال الغاز المسيل للدموع لتفريق المحتجين وإيقاف 11 شخصا من بينهم.

تعرض سياسيون على غرار حمة الهمامي عن حزب العمّال وسامية عبو عن حزب التيّار الديمقراطي إلى العنف اللفظي والجسدي، كما تم الاعتداء بالعنف على نائب رئيس رابطة حقوق الإنسان بسام الطريفي ونقيب الصحافيين التونسيين مهدي الجلاصي مما استوجب نقله إلى مستشفى بالعاصمة لتلقي الإسعافات الأولية.

اعتداءات حملت في طياتها دلالات ورسائلَ متعدّدة خاصة وأنها طالت نقابيين وحقوقيين يدافعون عن حرية الصحافة والتعبير وعن الحقوق والحريات خاصة منها الحق في التظاهر السلمي.

ورفع المحتجون خلال المظاهرة شعارات مناهضة للاستفتاء ومنددة بالمسار الذي ينتهجه الرئيس سعيّد من بينها "مشروع دستور الجمهورية الثالثة -توطئة الدستور- نحن الشعب التونسي الفاقد للسيادة لم نكتب شيئا" و"شعب تونس حرّ حرّ والاستفتاء لن يمر" و"ديكتاتور ديكتاتور هزّ يدك عالدستور".

تنديد واسع باستعمال العنف

جُوبِه الاعتداء اللفظي والجسدي على متظاهرين سلميين بتنديد واسع من قبل أحزاب ومنظمات حقوقية رافضة "لمسار الترهيب والقمع لمعارضي مشروع الدستور المعروض على الاستفتاء".

وأكدت نقابة الصحافيين، في بيان، أن وزارة الداخلية تعمّدت "إغلاق الأنهج (الطرق) المؤدية لشارع الثورة وتسييجها بمئات من الأعوان مدجّجين بعتاد هائل كان جاهزا مسبقا للقمع والفتك بالمتظاهرين العزل ومضايقة المحتجين"، كما "سارعت بالاعتداء الهمجي على المتظاهرات والمتظاهرين دون أيّ مبرر، واستعملت الغاز المشل للأعصاب والهراوات والضرب والركل نتجت عنها إصابات بليغة، وتوجهت بألفاظ سوقية في حق المتظاهرات بغاية إنهاكهن نفسيا، كما اعتقلت عشرات الشباب دون وجه حق، مصادرة بذلك حقهم الدستوري في التظاهر والاحتجاج".

وأشارت نقابة الصحافيين في بيانها أنه تم استهداف جزء من أعضاء مكتبها خلال هذه المظاهرات من بينهم نقيب الصحفيين الذي رُشَّ "وجهه من مسافة قريبة جدا بغاز الأعصاب" مؤكدة أنه "تم التنكيل بالصحافيات والصحفيين وضربهم وسبهم لمجرد أنهم التزموا بواجبهم المهني في تغطية الحدث ونقل الصورة الحقيقية لما يحدث".

رفع المحتجون   شعارات مناهضة للاستفتاء بينها "مشروع دستور الجمهورية الثالثة -توطئة الدستور- نحن الشعب التونسي الفاقد للسيادة لم نكتب شيئا" و"شعب تونس حرّ حرّ والاستفتاء لن يمر" و"ديكتاتور ديكتاتور هزّ يدك عالدستور"

وفي حديثه لرصيف22 أكد نقيب الصحافيين مهدي الجلاصي أن أعوان الأمن اعتدوا بكل عنف وهمجية على متظاهرين بطريقة سلمية، منددا "بسياسة القمع البوليسي الذي من شانه أن يغذي الغضب تجاه المؤسسة الأمنية".

كما عبر الجلاصي عن تضامنه مع جميع التونسيين الذين حرموا من حقهم الدستوري في التظاهر وعن دعمه غير المشروط لكل أشكال التعبير والاحتجاج التي هي من أهم مكاسب الثورة وفقه.

بدوره حمَّل الاتحاد العام التونسي للشغل رئيس الجمهورية المسؤولية عن هذا "الانحراف الاستبدادي" مطالبا "بوقف أيّ توجّه قمعي وعدم استخدام الأمن في تصفية الصراعات السياسية". كما طالب الاتحاد في بيان له "بإطلاق سراح المتظاهرين الموقوفين وبفتح تحقيق في الانتهاكات التي طالتهم معبرا عن تجند النقابيين للدفاع عن حرية التعبير والتظاهر والاحتجاج".

من جانبها أكدت الجمعية التونسية للنساء الديمقراطيات معاينتها لإصابات وإغماءات عديدة في صفوف المحتجين والمحتجات "في مشهد يجسد دولة البوليس والدولة الشمولية التي تنتظر تونس بعد 25 جويلية/يوليو. مشهد عرّى الخطابات الرنانة عن احترام دولة القانون وكشفت مبكراً عن أنياب الديكتاتورية لتؤكد بما لا يدع مجالا للشك أن هذا المسار المعطوب هو عملية استيلاء على السلطة بنص دستور ممنوح"، وفق ما ورد في نص البيان.

ونددت الجمعية بـ"هذه الممارسات الهمجية التي تؤسس للدكتاتورية وتكشف حقيقة الاستفتاء الذي يمرّ اليوم عنوة وفي اغتصاب للحقوق والحريات التي تضمنها المواثيق الدولية"، محملة وزارة الداخلية ورئاسة الجمهورية كل العنف الذي لحق بالمحتجين والصحفيين.

في بيان مشترك حمَّلت جمعيات ومنظمات رئيس الجمهورية ووزير الداخلية المسؤولية التامة عن السلامة الجسدية لجميع الموقوفين كما نددت بالقمع البوليسي الذي استهدف المتظاهرين والمتظاهرات داعيةً السلطات القضائية لتحمّل مسؤولياتها وفتح تحقيق في الممارسات الأمنية التعسفية التي طالت المحتجين وألحقت بهم أضرارا بدنيّة بالغة.

خوف من مستقبل الحريات

على الرغم من تعالي الأصوات المنادية بتحرير الموقوفين أفاد المحامي ونائب رئيس رابطة الدفاع عن حقوق الإنسان بسام الطريفي بأنه تقرر إحالة ملف المتظاهرين الموقوفين على قاضي التحقيق بعد أن أحيلوا أمام النيابة العمومية. وقال الطريفي في تدوينة له أن مسلسل "الهرسلة (المضايقات) والتنكيل متواصل وان الملفات فارغة ولا تحتوي إلا على تهم ملفقة".

وأعرب المحلل السياسي صلاح الدين الجورشي عن تفاجئه من الانتهاكات التي طالت ممثلي جزء من المجتمع المدني، أراد التعبير عن رأيه في الاستفتاء معتبراً أن ما حدث لا يخدم المدافعين عن الاستفتاء والمؤيدين للدستور وإنما سمح بتأويلات زادت في خلق تساؤلات حول مصير الممارسة السياسية ومستقبل الحريات ما بعد الاستفتاء خاصة أن الاعتداءات المرصودة مسّت نشطاء وعددا من الأطراف التي لها علاقة بالرأي العام و في مقدمتهم الصحافيين.

في بيان مشترك حمَّلت جمعيات ومنظمات رئيس الجمهورية ووزير الداخلية المسؤولية التامة عن السلامة الجسدية لجميع الموقوفين كما نددت بالقمع البوليسي الذي استهدف المتظاهرين الرافضين لمسار الاستفتاء في تونس

وقال الجورشي في حديثه لرصيف22 "أتفهم أن الأجهزة الأمنية وضعت إطاراً لتحرك المتظاهرين ووضعت حدوداً لذلك، و لكن كان بإمكان هذه الأجهزة أن تأخذ بعين الاعتبار هذه الظرفيّة الدقيقة التي تمر بها البلاد وأن تسمح للمتظاهرين بالتعبير عن رأيهم ولو بتجاوز بعض الأمتار من المساحة المسموح لهم بها ولذلك اعتبر أن النظام الديمقراطي الذي يحترم الحريات بشكل دقيق لا بد أن يترك هامشا للاجتهاد يجعل الأمنيين لهم القدرة والمرونة التي تسمح لهم بتطبيق التعليمات بطريقة مختلفة أو بطريقة غير صارمة لأنه إن حدث العكس وهذا ما حصل عندما يقع إطلاق الغاز في غير مناسبة واللجوء إلى التدافع وربما حتى العنف والإيقافات التعسفية، فإن الضريبة الأساسية على المستوى السياسي تدفعها السلطة ويستفيد منها المتظاهرون بغضّ النظر عن هوية هؤلاء".

ويرى المحلّل السياسي أن ما حدث انتهاك ومساس بالحريات الأساسية في ظرف فيه جدل كبير حول مستقبل الحريات ومستقبل الحقوق في تونس معتبرا أنه إذا تم الاعتداء على الصحافيين والمدافعين عن حقوق الإنسان بتلك الطريقة فهذا بطبيعة الحال يعطي مؤشراً سلبياً وخطيراً عن مستقبل ممارسة هذه الحريات. بالتالي المطلوب من السلطة في هذا السياق هو الانتباه وعدم إعطاء إشارات أخرى إضافية من شانها أن تدل على وجود تحول في طبيعة علاقة السلطة بالمجتمع المدني وبالمواطنين.

الاعتداءات حملت في طياتها دلالات ورسائلَ متعدّدة خاصة وأنها طالت نقابيين وحقوقيين يدافعون عن حرية الصحافة والتعبير وعن الحقوق والحريات خاصة منها الحق في التظاهر السلمي ضد مسار الاستفتاء

واعتبر صلاح الدين الجورشي أن ما حدث خلال المظاهرات لو تكرّر مرة واحدة يمكن التفكير في تجاوزه بسهولة، ولكن تقاريرَ منظمات حقوق الإنسان الدولية والمحلية خلقت انطباعاً أصبح سائداً داخل تونس وخارجها بأن ممارسة الحريات الأساسية رغم التنصيص عليها في دستور قيس سعيد أصبحت مهددة وهذا يقتضي أولا يقظة من قبل المجتمع المدني وثانيا يستوجب تدخل من رئيس الجمهورية لكي يحمي عمليا وفعليا وليس قولا هذه الحريات.

رواية وزارة الداخلية

ردا على الانتقادات التي طالت التعامل الأمني مع المتظاهرين في شارع الحبيب بورقيبة أفادت وزارة الداخلية بأن عدداً من المحتجين تقدموا في اتجاه مقر وزارة الداخلية و"تعمدوا إزالة الحواجز الحديدية، والاعتداء على الأمنيين ورشقهم بالحجارة وقوارير المياه واللافتات مما نتج عن ذلك إصابات مختلفة الخطورة لعشرين عون أمن". كما قالت الوزارة إنها "تقوم بواجبها في تأمين المتظاهرين والحفاظ على الأمن العام وحماية الممتلكات العامة والخاصة في كنف تطبيق القانون والحياد التام واحترام حقوق الإنسان."

للإشارة فان تونس تشهد جملة من الوقفات الاحتجاجية قبيل الاستفتاء بأيام من تنظيم أحزاب وجبهات مناهضة لعمليّة الاستفتاء ولنصّ مشروع الدستور.

جدير بالذكر أن الرئيس التونسي قيس سعيد كان فد اتهم أطرافا لم يذكرها بتوزيع الأموال في الخارج للتشويش على قواعد البيانات عن طريق الأقمار الصناعية مشدداً على أن مؤسسات الدولة ستتصدى لكل من يخل بواجبه يوم الاستفتاء.    

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard