الهوية الوطنية التاريخية طوع يمين "المؤرخ" الرئيس... فلاديمير بوتين مثالاً

الجمعة 12 أغسطس 202210:00 ص

في تموز/ يوليو 2021، نشر الرئيس الروسي فلاديمير بوتين مقالة طويلة، من 25 صفحة، وسمها بعنوان صريح "في وحدة الروس والأوكرانيين التاريخية". ويؤرخ النص لألف عام من العلاقات بين القومين والبلدين. وبعض هذا التأريخ، أو الشطر الذي يتناول الحقب الطويلة السابقة على الثورة الروسية في 1917، يقتصر "المؤرخ" فيه على ترديد مقالة مؤرخين روس من القرن التاسع عشر، ذهبوا إلى أن اللغة الواحدة، والمعتقد الأرثوذكسي المشترك، جمعا الروس والأوكرانيين والبيلاروس في أمة واحدة ورثت الروس القديمة، مهد الشعوب السلافية.

ويعزو الرئيس المؤرخ، أو "رئيس المؤرخين" (على قول المؤرخ الفرنسي من أصل روسي، نيكولا ويرت، في كتابه: "بوتين رئيس المؤرخين"، دار غاليمار، باريس، 2022) انفراط عقد الوحدة إلى الاجتياح المغولي، وهدمه كييف، "أم المدن الروسية". ورمى الاجتياح بالأوكرانيين في حضن الغرب، وسلّط عليهم التأثير البولندي والكاثوليكي الروماني، حين أسس الروس موسكو، إلى الشرق. واستعر الصراع بين "مركز توحيد" (على قول بوتين) الشعوب السلافية، أي موسكو، وبين التأثير الغربي تحت لواء بولندا.

وانحاز شطر من الأوكرانيين، مثل القوزاق بوغدان خميلنيتسكي، إلى روسيا. ومال شطر آخر، على شاكلة إيفان مازيبا، إلى الغرب، ووالى هؤلاء ملك السويد، شارل الثاني عشر، على بطرس الأكبر. وعادت الإمبراطورية الروسية إلى توحيد الروس والأوكرانيين والبيلاروس في أواخر القرن الثامن عشر.

ويعالج بوتين الحقبة السوفياتية على نحو يبعث على الدهشة، ويسوغ الاجتياح الروسي في 24 شباط/ فبراير 2022. فأوكرانيا الحديثة، على زعمه، هي مركّبٌ مصطنع، اصطنعته الحقبة السوفياتية، وثمرة "سياسة القوميات البلشفية" التي ثبتت على صعيد الدولة ثلاثة شعوب سلافية متميزة (الروسي والأوكراني والبيلاروسي) بديلاً من أمة روسية كبيرة، وشعباً مثلثاً من روس كبار وروس صغار وبيلاروس (أو روس بيض). وأوكرانيا الحديثة، على زعم المؤرخ الرئيس، "اقتُطعت من روسيا التاريخية" والبلاشفة تخيلوا في مناماتهم عالماً خالياً من دول- أمم، فاختطوا حدوداً اعتباطية ومتعسّفة، ووزّعوا هدايا إقليمية من غير حساب، وجرّدوا روسيا من أجزاء ثمينة منها.

والمسألة الأخيرة في احتجاج الرئيس الروسي هي نص لينين في دستور الاتحاد السوفياتي الأول على "الحق في الانفصال". فما أن ضعفت اللحمة التي تماسك بها الاتحاد، وهي قيادة الحزب الشيوعي، حتى انفجرت القنبلة المؤقتة في "سيادة" الدولة. وجرّ الغرب روسيا إلى "لعبة جيوسياسية خطرة الغاية منها حمل أوكرانيا على القيام بدور رأس حربة موجّهة إلى روسيا"، على ما سبقت إليه نظريات ابتدعها بولنديون ونمساويون من أصحاب الإيديولوجيات، يختم "المؤرخ" السياسي.

تاريخ متصل

ويعلّق نيكولا ويرت على "تأريخ" الرئيس الروسي فينبّه إلى قراءاته الاسترجاعية أو الاستعادية، المطلة على مراحل ماضية من "شرفة" مصالح حادثة وشديدة الانحياز، وفي ضوء برنامج حالي وظرفي. فبوتين يقيم وَصْلة بين "مازيبا الذي خان الناس كلهم (1639- 1709، زعيم قوزاق أوكرانيا وحليف السويد على روسيا)، وبيتليورا الذي اشترى الإحسان البولندي بأراضٍ أوكرانية (1879- 1926، حليف بولندا على روسيا السوفياتية)، وبانديرا الذي تعاون مع النازيين (1909- 1917، قاوم الاحتلالين النازي والسوفياتي)".

ويقود المنطق المنافي للتأريخ هذا إلى حمل "صنيع البلدان الغربية التي أيدت انقلاب 2014، وهو انقلاب نفّذته جماعات قومية مغالية ونازية جديدة"، على تتمة سياسة الدولة البولندية- الليتوانية في القرن السادس عشر. وفي كلتا الحالين، وعلى رغم بعد الشقة الزمنية، الغاية واحدة: انتزاع أوكرانيا من روسيا.

وتترتّب على هذه المعالجة للتاريخ خطط عملية، وذلك على نحو ما أن هذه المعالجة هي نتاج سياسات فعلية، بعضها قائم وبعضها الآخر مقدَّر أو مزمع. ففي 3 نيسان/ أبريل 2022، وكان قد مضى على بداية العدوان الروسي على أوكرانيا أربعون يوماً، كتب تيموفي سيرغييتسيف، وهو معلق روسي بوتيني ومأذون، تعقيباً على المرحلة الأولى من الحرب، موسوماً بعنوان: "ماذا ينبغي أن نصنع بأوكرانيا؟" ويجيب فيه باقتراح خطة مفصلة تتولى، معاً، نزع النازية عن أوكرانيا، أو "تطهيرها" و"تحريرها" من نازيتها، وتطهيرها وتحريرها من أوكرانيتها، ومن أوروبيتها، على أن تتولى الدولة المحرِّرة والمطهِّرة، أي روسيا، الأمر طوال ثلاثين عاماً، على أضعف تقدير.

ويقارن المؤرخ الفرنسي بين الوعود السوفياتية الشيوعية والوعود البوتينية، في ضوء غزو أوكرانيا والمقالات التي مهّدت له (على شاكلة مقالة الرئيس الروسي) وخلفتها الأشهر الأولى منه (على شاكلة مقالة سيرغييتسيف). فيلاحظ أن الأولى لوّحت بـ"غد مشرق"، أو نوراني، يتشاركه الروس والأوكرانيون. أما الثانية فتقتصر على وعد بإعادة أو إحياء صفحة 1945 المجيدة، فيجدد الروس انتصارهم، بينما يؤدي الأوكرانيون، وقُتل منهم في الحرب الثانية ثمانية ملايين قتيل، دور المهزومين.

وتوقّع المؤرخ الرئيس، رغم هذا، أن يستقبل الأوكرانيون قواته استقبال "المحررين". فالتأريخ، من وجه، قد يفتح العين على الوقائع المديدة، ولكنه، من وجه آخر، قد يعميها عن أقرب الوقائع وأوضحها.

سياسة تأريخ

وليست مقالة الرئيس في صيف 2021 إلا حلقة من حلقات "سياسة تأريخ" كثيرة الأوجه والحلقات، أعقبت سقوط الاتحاد السوفياتي سقوطاً "مأساوياً"، على قول بوتين كذلك في معرض آخر. وتتناول هذه السياسة "العلاقة بأوكرانيا وشعبها" عنصراً بين عناصر أخرى. ويتصدرها ترجح تعريف روسيا بين هويتين أو كيانين: كيان دولة- أمة مستقرة داخل حدودها ومؤسساتها، أو كيان إمبراطورية مضطربة ومتحفّزة، تتربص شراً (وفتوحاً) بشعوب جوارها ودوله، وتتربص بها شعوب الجوار ودوله.

وغزو أوكرانيا، أخيراً، ومسوغاته المعلنة عشية الغزو، وكلها سبق إعلانها في مقالة صيف 2021، انتهت إلى ضرورته قبل أن تنتهي إليها سياسة العدوان الفعلية. وانتهى بوتين إلى إرساء "الحرب الوطنية الكبرى" ركناً تنهض عليه الهوية الوطنية/ القومية، وإيجاب مناهضة النازية عقيدة تصنّف مَن يتحفّظ عن السياسات الروسية والبوتينية "نازياً" تاريخياً وموضوعياً- من طرق متشابكة وجانبية لم يشقها وحده.

"تجاوزت الصيغة البوتينية تدافع أو تناقض الروايتين، القيصرية الصرف والشيوعية. وجمعتهما على ‘روسيا كبرى’، خالدة، وعلى دولة قوية ومقتدرة تنهض بالدفاع عن وطن تتهدّده على الدوام قوى أجنبية معادية"

وهو استبق عدوانه بإجراء تناول قضية التأريخ الروسي وإحدى أبرز هيئاته ما بعد السوفياتية. ففي 28 كانون الأول/ ديسمبر 2021، حكمت المحكمة العليا الاتحادية (الروسية) بحل جمعية "ميموريال"، أولى المنظمات غير الحكومية المحلية. ويعود إنشاؤها، في 1989، إلى أندري ساخاروف، أحد "آباء" القنبلة النووية السوفياتية، أي الفيزيائي الكبير، والمعارض المدني المناضل في سبيل حكم روسي قانوني وعمومي (على خلاف حكم الحزب الواحد والسري).

ومنذ ثلاثين عاماً، و"ميموريال" تسعى في بلورة ذاكرة وطنية لا تتستر على صفحات الماضي الروسي السود، وتحاول فهم إواليات (ميكانيسمات) القمع الجماهيري الذي ساد في الحقبة الستالينية. وبينما كانت الجمعية التاريخية تجمع مئات آلاف الشهادات والوثائق، وتبوّبها وتقارن بينها، وتنشر الدراسات الدقيقة، كانت السلطات الروسية، وعلى رأسها فلاديمير بوتين منذ 1999، تسدل صمتاً متعاظم الصفاقة على حوادث الحقبة السوداء. وتوّج حظر الجمعية، عشية الغزو، سياسة مراقبة المجتمع المدني الروسي، وكمّ الأصوات الناشزة المعارضة والمحامية عن الحقوق المدنية والسياسية، وغلق الرواية الوطنية الرسمية على نزعات عصبية واستبدادية ثأرية.

الحقيقة الرسمية

وكان الرئيس الروسي قد أوعز بإنشاء الجمعية الروسية للتاريخ العسكري، في 2012. وعقدت الجمعية مؤتمرها الأول بعد سنة من إنشائها، في آذار/ مارس 2013. وألقى بوتين كلمة في المؤتمرين دعاهم فيها إلى "تلقين الوطنية، ومناهضة المبادرات إلى تشويه تاريخ روسيا العسكري والحط منه".

وعلى مر السنين، منذ 2010 وعلى الخصوص بعد 2014 واحتلال جزيرة القرم، بدا جلياً أن الرئيس أوكل إلى نفسه مراقبة الذاكرة التاريخية، واحتكار تأويل الماضي، وأَوْلى الأمرين دور عامل من عوامل حيازة السلطة وتوجيهها الوجهة التي يريدها. فرئيس السلطة هو رئيس المؤرخين، ورئيس "تحرير" (أو كتابة) التاريخ. وتصدّي الرئيس لهذا العمل، وحوْله و"تحته" كورس من الموظفين والمؤدين المذيعين وكتبة الحواشي، لقي صدى عميقاً في صفوف الجمهور الحائر والضائع، على ما بدا من استقبال الروس عموماً غزو أوكرانيا.

فقبل نحو ثلاثين سنة، قبيل سقوط النظام السوفياتي، كان التأريخ، والتاريخ موضوعه ومادته، من بين مجالات التفكير والمعرفة، أشدها عرضة للتلاعب. وأكثر سمات النظام خصوصية وفرادة، مثل ديكتاتورية الحزب الواحد وسيطرته على مرافق المجتمع إلخ، تستمد مشروعيتها من التاريخ و"قوانينه"، على زعم الحزب وأجهزته. والمقالات التاريخية سياسية أولاً، والحزب هو دائرة صنع التاريخ والمحل الذي تصدر عنه المقالات في التاريخ.

ووحدهم المؤرخون الحزبيون أو الشيوعيون، حملة لواء الماركسية، "علم قارة التاريخ الجديدة" على قول لوي (س) ألتوسير (1918- 1990) الفرنسي، يحق لهم الكتابة في الموضوع، وتحت مراقبة قيادة الحزب و"لجنته الإيديولوجية" المأذونة. ومستودع حقيقة التاريخ، الظرفية والمرحلية، هو "مختصر تاريخ حزب روسيا الشيوعي البلشفي" (1938)، أو "تاريخ حزب الاتحاد السوفياتي الشيوعي الجديد" (1963). وخلت التواريخ المعتمدة من ذكر موجات القمع والجرائم التي طاولت جماهير الشعوب "السوفياتية" (تجميع الأرياف القسري، المجاعات الناجمة عن التجميع، الإرهاب الكبير في 1937- 1938، معسكرات العمل القسري في معتقلات "الغولاغ"، الإبعاد إلى المناطق النائية)، وتحصى ضحاياها بالملايين.

ودليل قوي على خطر التاريخ، ومكانته من حماية السلطة وتسويغها، تخطي سعي ميكاييل غورباتشوف (1985- 1991، مدة ولايته أمانة الحزب الشيوعي العامة) في تعميم "الشفافية"، أو "غلاسنوست"، والإقرار بوقائع التاريخ الماضي والحاضر، حدودَ المحافظة على "القيم" السوفياتية والشيوعية، وتناول هذه الشفافية ركن المشروعية المزعومة، وهو التاريخ. وفي قلب هذا التاريخ مسألة الستالينية وجرائمها.

وكان بعض كبار الكتّاب الروس، شعراء وروائيين، مثل أنّا أخماتوفا (في "جناز")، وبوريس باسترناك (في "دكتور جيفاغو")، وفاسيلي غروسمان (في "حياة وقدر")، وناديا مندلشتام (في "ذكريات")، وألكسندر سولجنتسين (في "أرخبيل الغولاغ")، قد تناولوا حوادث الحقبة السوداء على أوجه مختلفة من القص والخبر. وتطرقت كتابات الشهود والباحثين إلى قضايا محرّمة، شأن علاقة الستالينية باللينينية، وتحدُّر الأولى من الثانية، وتمييز الاشتراكية من احتكار الدولة الإدارة الاقتصادية والسياسية والثقافية، وطبيعة النظام الحالي (النظام الذي خلف ستالين في العقود الثلاثة بعد وفاته في 1953، والنظام الذي خلف الشيوعية ويخلفها إلى اليوم).

المراجعات

واقتضى تناول هذه الموضوعات والبحث فيها التحري عن المصادر والوثائق الأولى والمعاصرة. وتعود هذه إلى مراتب السلطة العليا، القيادية الحزبية والأمنية والإدارية. وأبقى غورباتشوف على سرّيتها إلى حين طرده من السلطة، في صيف 1991. ونشأت جمعية "ميموريال" في سياق مبادرة المجتمع المدني الروسي إلى الرد على انحلال الدولة، وتردي الأحوال الاقتصادية والاجتماعية.

وحرصت الجمعية على حفظ ذاكرة القمع الجماهيري، السوفياتي عموماً والستاليني على الخصوص. فجمعت شهادات الناجين، والوثائق المتفرقة، من رسائل ويوميات خاصة كتبها أصحابها في المعتقلات والمنافي والسجون، وفي أثناء المحاكمات القضائية وتلك التي أُجريت خارج القضاء. فعوّضت بذلك بعض التعويض عن مصادر أرشيف الدولة- الحزب الرسمي، السري إلى تاريخه وحينه.

"اختصر مرسوم، وقّعه بوتين كتب التاريخ المدرسية إلى أقل من عشرة، بعد أن كانت 65 كتاباً... وحظرت مادة من القانون الجنائي (2014) نشر أخبار تشكك في أمجاد القوات الروسية في أثناء الحرب الثانية. واقتصر تناول جرائم ستالين في كتب الصف الثانوي الأخير على أسطر قليلة"

ولقي عمل الجمعية صدى عميقاً وعريضاً في أوساط المواطنين، فانتشرت وكالاتها المحلية في مئات المدن والبلدات. وعمل المتطوّعون على رفع الستر عمّا عاناه فوق 25 مليوناً- راشد من ستة- سيقوا إلى المعتقلات أو أُبعدوا ونُفوا، وأُعدم مليون منهم سراً. ودعت إلى تظاهرة أولى، في 30 تشرين الأول/ أكتوبر 1989 في رئاسة ساخاروف، طوّقت مقر البوليس السري (كي جي بي) في ساحة لوبيانكا بموسكو، ونادت بتبرئة ضحايا القمع السياسي. وبعد سنة، أرست تظاهرة أخرى الحجر الأساس لنُصب يُحيي ذكرى الضحايا.

ووقّع غورباتشوف، في الشهر الأول من 1989، مرسوماً يُبطل القرارات الأمنية، غير القضائية، التي أوقف بموجبها جهاز أمن الدولة، اعتباطاً، ملايين الناس. وفي أيلول/ سبتمبر 1989، دان البرلمان الديموقراطي الأول البروتوكولات السرية التي حاطت معاهدة مولوتوف- ريبنتروب، وزيري خارجية الاتحاد السوفياتي والرايخ الألماني الثالث، وتقاسم بموجبها ستالين وهتلر بولندا وجمهوريات البلطيق. وفي تشرين الأول/ أكتوبر 1990، اعتذر غورباتشوف رسمياً من الشعب البولندي عن مجزرة كاتين التي قَتَل فيها سلفُ الكي جي بي السوفياتي، في أيلول/ سبتمبر 1940، عشرين ألف جندي وضابط بولندي.

وارتدت المراجعات هذه على ركن السلطة السوفياتية الأول، "ثورة أكتوبر" 1917، ومصدر مشروعيتها التاريخية، أو "أسطورتها المؤسسة"، على جاري القول. فحُملت على انقلاب نفّذته شلة متعصّبة ومتعطّشة للسلطة، سلاحها مبادئ إيديولوجية انقلابية وأجنبية، الماركسية، وتفتقر إلى قاعدة اجتماعية فعلية.

ووقّع رئيس الاتحاد الروسي، بوريس يلتسين، في تشرين الأول/ أوكتوبر 1991، قانوناً نص على إعادة الاعتبار لضحايا إرهاب الدولة، ودعا الدولة إلى فتح ملفات التعسّف والاضطهاد الأمنيين والبوليسيين وإتاحة الاطلاع عليها ومراجعتها للضحايا والمؤرخين (وأقر قانون ثانٍ رفع صفة السرية عن الوثائق والمذكرات التي استندت إليها الملاحقات والإدانات). وحض على تعويض المتضررين معنوياً ومادياً، ومحاكمة الجناة والمسؤولين عن هذه الجرائم. وهذا ما لم يسلك طريقه إلى النفاذ.

المسألتان: ستالين والسقوط

وتداعي التدابير والقوانين والمطاليب والتمنيات هذه، وعلى هذا النحو، وابتداؤها من مساءلة التاريخ وتماسك حلقاته، وتأثير بعضها في بعض، والمسؤولية عنها، قرينة على مكانة المسألة وأخطارها على أصحاب السلطة وسياساتهم، وعلى العلاقات الاجتماعية والسياسية عموماً. وحظر "ميموريال"، المتأخر، أعقب سلسلة طويلة من الإجراءات "الإيجابية". وهذه الإجراءات حصّنت السلطة، البوتينية منذ 22 سنة، في وجه مطاليب قانونية حقوقية وقضائية تقيّد تصرف السلطات بشؤون المواطنين ومصائرهم، وبنسيج المعاني والحوادث والرموز التي يتوسل بها المواطنون إلى التواصل في ما بينهم وتنسيق أفعالهم في الحاضر، وإلى فهم مواضيهم والإعداد (أو تركه) لمستقبلهم.

وتتصل مسألة الستالينية "التاريخية" بمسألة حادة، وراهنة الحدة، هي مسألة سقوط الاتحاد السوفياتي، وروسيا نواته ولحمته، وانهياره. فحُمل هذا السقوط على سبب غربي، وفي عبارة فجّة لا يأنف منها ضابط سابق في جهاز الاستخبارات السوفياتية، على مكائد حلف الأطلسي ومؤامرات أجهزة استخباراته ورُشاه وتهديداته وتضليله. ومثلُ هذا الحَمْل يُبرئ "روسيا"، وحكّامها وشعبها وأنظمتها السياسية والاجتماعية، من تبعات المحاسبة والنقد والإصلاح، ومما تجر هذه إليه من انقسامات وخلافات ومراجعات وتعويضات وقلق، في الداخل والخارج.

ولا تقتصر وطأة النهج والسلوك على ضوء "الشفافية"، وما تستتبعه من "بريسترويكا" (تجديد الهيكلة أو الإصلاح البنيوي والعام)، على كاهل الكتلة الحاكمة وجماعاتها، فهي تثقل على عموم الناس المحكومين، على اختلاف مراتبهم وطبقاتهم. وسرعان ما ضجر عموم الروس، والأقوام "المتحدة" (شركاء الاتحاد الروسي)، من نبش طوايا التاريخ الروسي السوفياتي، والتدقيق في جرائمه وتقصي انتهاكاته.

ولا ريب في أن القيام بالنبش والتدقيق والتقصي في ظرف تداعت فيه الدولة الروسية، وتناهبت مرافقها ومواردها (وهي مرافق المجتمع وموارده) عصابات المضاربين والمهربين واللصوص و"الأمنيين"، وأحجمت الدول الأوروبية والولايات المتحدة عن الإسهام في انتشال الروس من هاويتهم- صوّر العمل هذا في صورة استهلاك فاخر ونخبوي في زمن فقر مدقع وقاس.

الحرب الوطنية العظمى

فسادت، تدريجاً ورداً على اللوحة القاتمة التي خلفتها الأعمال التاريخية والإفراج عن وثائق الأجهزة السوفياتية، صورة زاهية عن روسيا القيصرية. واجتمع في اللوحة التلقائية أو العفوية جزئياً والمصنوعة والمغرضة جزئياً، الازدهار الاقتصادي والتناغم الاجتماعي. واقترحت اللوحة تعليق الحقبة الشيوعية، 1917- 1991 وربما إلى 1999، واطراحها من تاريخ "عموم الروسيا"، ومن انتهاج طريق العظمة الماضية.

وجدّدت الدولة تشييد الكنائس الأرثوذكسية التي هدمها البلاشفة، وفي مقدمها كاتدرائية المسيح-المخلص الضخمة في موسكو. وعمّمت كتب مدرسية، طُبعت في العقد العاشر من القرن الماضي، الرواية القيصرية. ولكن مقررات المناهج في الحقبة البوتينية، وعلى الخصوص بعد 2010، ألزمت الكتب برواية واحدة، وبنفي الاجتهاد في التأويل ومنه.

وتجاوزت الصيغة البوتينية تدافع أو تناقض الروايتين، القيصرية الصرف والشيوعية. وجمعتهما على "روسيا كبرى"، خالدة، وعلى دولة قوية ومقتدرة تنهض بالدفاع عن وطن تتهدّده على الدوام قوى أجنبية معادية. وتتربع في قمة التاريخ الروسي المديد الحرب الوطنية الكبيرة، الفصل الروسي والملحمي من الحرب العالمية الثانية. وكان هذا الفصل قد تصدّر التاريخ السوفياتي في عهد ليونيد بريجنيف (1963- 1983)، وعاصر أفول "الغد المشرق" الشيوعي، ووعده باللحاق بالولايات المتحدة الأميركية وتجاوزها.

ويسبغ تمجيد الحرب الكبرى على "الشعب" الروسي، وهو طرف من أطراف الحرب، وعلى تضحيته الهائلة (26 مليون قتيل، منهم 16 مليون مدني)، صفة مخلص العالم والبشر من البربرية النازية. ونظير ذلك، ينسب كل "عداء"، أو تحفظ، أو دفاعٍ عن مصالح وطنية مخالفة، إلى النازية. وعلى هذا، اشترت الحرب، وستالين قائدها، "خطيئة" ثورة 1917، ولينين رائدها. وحلّت القومية والهوية المتألقة، والباعثة على التضحية و"الشهادة" والاستماتة في القتال، محل أممية تميل، لا محالة، إلى الغرب المادي والفاسد، وتغمط الفرادة الروسية و"روحانيتها" مرتبتها العالية وصدارتها.

وتوالت إجراءات تقيّد الروايات التاريخية. فاختصر مرسوم، وقّعه بوتين في حزيران/ يونيو 2012، كتب التاريخ المدرسية إلى أقل من عشرة، بعد أن كانت 65 كتاباً. وفي كانون الأول/ ديسمبر من العام نفسه، أنشأ مرسوم آخر الجمعية الروسية للتاريخ العسكري. وكان مرسوم صادر في تموز/ يوليو وصم الجمعيات التي تتلقى مساعدة خارجية، و"ميموريال" منها، بـ"عميلة أجنبية". وحظرت المادة 354-1 من القانون الجنائي (2014) نشر أخبار تشكك في أمجاد القوات الروسية في أثناء الحرب الثانية. واقتصر تناول جرائم ستالين في كتب الصف الثانوي الأخير المدرسية على أسطر قليلة، من 430 صفحة.

ولخّصت المادة 67-1 من الدستور الروسي (2020) مراحل تقنين التأريخ. فنصت على أن "الاتحاد الروسي دولة خلفت الاتحاد السوفياتي، وتتولى حماية الحقيقة التاريخية، وتحتفل بذكرى حماة الوطن وتحظر التقليل من بطولة الشعب في الدفاع عن الوطن".

وهذه خاتمة الشكوك وفاتحة اليقين.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard