سياسات شرق أوسطية في الحرب الروسية

الجمعة 25 مارس 202210:26 ص

تصاحب الهجوم العسكري الذي أرادته موسكو، أي الفريق الأمني والاستخباري الذي تتألّف منه حلقة الرئيس الروسي فلاديمير بوتين القريبة، صاعقاً وكاسحاً، حملة "إعلامية" تحريضية وإجرائية تسعى في شق الشعب الأوكراني، والأمة الأوكرانية، جماعات متعادية ومتنافرة.

وتتناول الحملة، أولاً، علاقة الدولة بالأوكرانيين. فتنفي تمثيل الدولة، أي رئاستها وحكومتها وبرلمانها وجيشها وإداراتها، للشعب الناخب والعامل والمدني والأهلي والشخصي. فالدولة وطواقمها المتفرّقة، "غير شرعية"، على رغم انتخاب 72.2 في المئة من المقترعين فلوديمير زيلينسكي رئيساً لجمهورية أوكرانيا.

ذرائع الحملة

يطعن في "شرعية" الدولة الأوكرانية خليط من العلل، على ما تروّج حملة موسكو الإعلامية:

1) فبعض الموظّفين والعسكريين والنواب والسياسيين ينتسب إلى منظمات قومية متطرّفة، واشترك في قتال الانفصاليين الشرقيين (الدونباس) الناطقين بالروسية، غداة ضم روسيا القرم في آذار/ مارس 2014.

2) ودعاة استقلال الأمة الأوكرانية، أصلاً، هم أولاد حلفاء الغزو الهتلري النازي الذين قاتلوا في صفوف القوات الألمانية النازية وانقلبوا على "شعوب الاتحاد السوفياتي" في "حربها الوطنية العظمى"، وعلى الشعب الروسي في المرتبة الأولى، وطلبهم اليوم الاستقلال عن الاتحاد الروسي إنما هو تتمّة قتالهم "الشعب السوفياتي" الواحد و"العظيم".

3) والدولة الأوكرانية، اليوم، بقضّها وقضيضها، صنيعة الحلف الأطلسي، الأميركي رغم الدول التسع والعشرين الأخرى، والعدواني والحالم بتفكيك روسيا، واطراحها من العالم، وروسيا مِلْحُه، على قول إنجيلي. ("وهل يبقى للعالم طعم إذا خلا من روسيا؟" يسأل الرئيس القيصر ويردد "الشعب" المخلِّص ومبتكر الشعبوية في القرن التاسع عشر). فالخبراء الأميركيون يعملون في المرافق الأوكرانية كلها، ويصنعون الفيروسات القاتلة، الجمرة الخبيثة والطاعون، في مختبرات سرّية- سوى أن هذه المختبرات هي من مخلّفات تصفية ذيول الحرب الباردة، ومصدرها الأول سوفياتي روسي، وكان يعمل فيها، في البلد الاشتراكي الأول، قبل 1991، نحو 70 ألف علمي، على رغم معاهدة 1972 وحظرها الأسلحة الجرثومية والبيولوجية عموماً.

4) وعلى مثال شرق أوسطي، مشرقي وعربي عتيد، سوري- فلسطيني وإيراني ينبغي ألا يتوسّط وسيط قائم بنفسه ومستقل قطبي الصراع: الأطلسي الأميركي الشرس والمدمّر (الإمبريالي والنازي)، والروسي، نصير اليتيم والأرملة والمدني المظلوم ("تتمثل إحدى أولويات روسيا في المفاوضات مع السلطات الأوكرانية في التوصل إلى اتفاق بشأن انسحاب المدنيين من مناطق القتال"، كتب فيتالي نعومكين، "ديبلوماسي" روسي سابق).

5) فإذا لم يكن ثمة أوكرانيا، ولا كان شعبٌ أوكراني في التاريخ المديد، وليست أوكرانيا، اليوم، إلا وليدة جهل ستالين، مفوّض لينين إلى "المسألة القومية"، في روسيا والأمة الروسية، وغصناً مسلوخاً من الجذع الكبير، وكان ميلها الأوروبي والأطلسي المصطنع نكاية بمقاومة روسيا للنازية، وسيراً على طريق الأخيرة، ليس إلا، بَطُل "الكيان" الأوكراني (على نحو بطلان لبنان "الكيان"). و"تصفية النازية" الأوكرانية على ما يصرّ الرئيس بوتين، في رسالة طويلة أذاعها في 12/7/2021، مآلها إلى تصفية الكل الأوكراني، النازي، ونزع سلاحه ودولته.

قناع الحرب الأهلية

والمفضَّل أو المقدَّم في فن الاجتثاث صدوره عن الداخل وتناقضاته. وعلى هذا، فالحرب الأهلية الأوكرانية في هذا المعرض (واللبنانية والعراقية والأردنية في المعرض الشرقي)، هي الوسيلة الناجعة إلى تقويض الدولة الجامعة، وتصديع المجتمع المتنازع والمختلف، ونزع المشروعية عن الوجود الوطني. و"امتياز" الحرب الأهلية أو "فضيلتها"، إذا جاز القول، هو أن الفريقين المتحاربين يخوضان، بناءً على "الأهلية" هذه وبموجب الصفة الداخلية والعائلية، حرب إفناء متبادل.

والمنتصر في حروب الداخل، على خلاف المنتصر في حروب الخارج، "يحق" له سحق عدوّه الأهلي، و"استئصاله عن بكرة أبيه"، على قول عربي بليغ أو فصيح، وإنكار حق المغلوب في اعتبار أبسط طلب يطلبه وهو معاملته على نحو "إنساني" بعد هزيمته. ومبدأ "عدم التدخّل في الشؤون الداخلية" سيف يسلطه القوي، الرئيس الصيني شي جينبينغ أو فلاديمير بوتين أو بشار الأسد طبعاً، على الضعيف، هونغ كونغ والإيغور أو أوكرانيا أو ملايين السوريين...

"المنتصر في حروب الداخل، على خلاف المنتصر في حروب الخارج، ‘يحق’ له سحق عدوّه الأهلي، و‘استئصاله عن بكرة أبيه’، على قول عربي بليغ أو فصيح، وإنكار حق المغلوب في اعتبار أبسط طلب يطلبه وهو معاملته على نحو ‘إنساني’ بعد هزيمته"

وتُصوَّر أصول حقوقية وقانونية مثل الحق في الحماية، وواجب التدخّل وصلاحية القضاء الجزائي الدولي العمومية، والجريمة في حق الإنسانية، وجريمة الحرب، والجريمة ضد السلم... في صورة عدوان فظيع على الشعوب والأمم المقهورة والسياسات المستقلة عن "الغرب". وهي عدوان لا يُحتمل لأنها تقيد سلطان الطبقة الحاكمة، والمستولية غالباً على المواطنين، بقيود معايير عمومية، في دول لا تقر لرعية المحكومين بـ"الحق في المعارضة"، على ما جاء في مقررات مؤتمر فيينا، الرجعي، في عام 1815.

وعلى هدْي رجحان الحرب الأهلية في ميزان السلطان المطلق وتوحيد الشعوب بالقوة، عمد الرئيس الروسي إلى الاعتراف بجمهوريّتي الشرق الأوكراني، لوغانسك ودونيتسك "الشعبيتين". وهما شقيقتا جمهوريتي أبخازيا وأوسيتيا الجنوبية الجورجيّتين والمسلوختين في 2008، وجمهورية ترانسينيستريا المولدوفية، مستقبلاً، إذا كسب الرئيس الروسي جزءاً من عدوانه الجاري. وكان الاعتراف في 21 شباط/ فبراير، ثلاثة أيام قبل شن نخبة قواته المسلحة التي انكبّ على بنائها وتحديثها وتجهيزها منذ 2014، سنة ضم شبه جزيرة القرم إلى "الاتحاد" الروسي، حرباً سمّاها عملية عسكرية خاصة.

ودعا الجمهوريتين "الشعبيتين" الجديدتين إلى زجّ قواتهما – وهي ميليشيا أهلية و"قومية" يؤطرها ويقودها ضباط ورتباء روس ويسلّحها الجيش الروسي، وتولّت أعمالاً جنائية مثل إسقاط طائرة ركاب ماليزية- في ما يزعم أنه ليس حرباً، وليس حرباً روسية. ومنذ 20 آذار/ مارس الجاري تحرص البيانات العسكرية الروسية، الصادرة عن وزارة "الدفاع"، على إشراك "قوات دونيتسك"، أحد الإقليمين الانفصاليين و"الشعبيين" في العمليات الحربية، وتنسب إليها إلحاق "خسائر فادحة بقوات اللواء الميكانيكي الثالث والخمسين (الأوكراني)" تارة، وتارة أخرى "تحرير بلدة فيرخنيتوريتسكويه". وتكاد تقصر الأعمال الروسية على استعمال الأسلحة "المجنحة"، وعلى تدمير المقرّات القيادية "القومية".

تعزير "المجيد"

وحين بدأ الرئيس الروسي القومي عدوانه، صبيحة 24 شباط/ فبراير، حرصت قواته على الانتشار على أراضٍ أوكرانية يقطنها الناطقون بالروسية، ومحاذية لروسيا، طبعاً، ولبيلاروسيا التي دمجها فعلاً وعملاً في مسرح العمليات العسكري الروسي، وقرر نصب سلاح ذرّي على أراضيها. ويخالف هذا الإجراء تعهّداً نصّت عليه، كتابةً، الاتفاقيات التي رعت الخروج من الحرب الباردة، واستخلصت النتائج الإقليمية المترتبة على تصدّع الكتلة السوفياتية. وأهمها انبعاث الدول الوطنية المستقلة شرق أوروبا، وميل شعوبها إلى الجمع بين وطنية لا تخلو من الغلوّ القومي والانعزالي، وبين رابطة أوروبية معقّدة، ومشكلة من كثير من جوانبها.

ويدل عدد من الإجراءات التنظيمية التي قدَّرت القوات الغازية إنفاذها في طريقها إلى كييف- مثل فتح ممرات إنسانية ومدنية آمنة صوب الأراضي الروسية (وليس صوب غرب أوكرانيا وشمالها)، أو مثل انتخاب مجالس محلية تتولى الإدارة المتعاونة والذاتية تحت سلطة الاحتلال- يدل على حسابات سياسية ضلّلتها أوهام القوّة وأحلام الإمبريالية القومية. فما أن دخلت قوات الاحتلال مدينة خيرسون الجنوبية، في اليوم الثامن للغزو، ومعظم سكانها لغتهم الأم روسية ويعدّون 290 ألفاً، حتى تظاهر 8 آلاف مواطن دعوا العسكر الذي قتل 200 من السكان، نصفهم مدنيون، إلى العودة إلى بلادهم. وهتفوا: "روسيا ليست بلداً إنها سجن كبير".

"تُصوَّر أصول حقوقية وقانونية مثل الحق في الحماية، وواجب التدخّل وصلاحية القضاء الجزائي الدولي العمومية، والجريمة في حق الإنسانية، وجريمة الحرب، والجريمة ضد السلم... في صورة عدوان فظيع على الشعوب والأمم المقهورة والسياسات المستقلة عن ‘الغرب’"

وخرجت تظاهرات في كل مدن المقاطعة، في نوفا وكاخوفكا وسكادوفسك ونوفوترويتسك... ورفض الأهالي توزيع الجند الروسي المؤونة عليهم، على رغم حجر قوات الاحتلال على المساعدات الأوكرانية وامتناعها من توزيعها. وجاءت القوات الروسية بسكان من شبه جزيرة القرم المضمومة، أدوا دور الأهالي المحليين أمام آلات التصوير وهم يتهافتون على الكشك الروسي.

وخيرسون مدينة تصلح مثالاً على كذب الأوهام البوتينية و"الروسية- الكبيرة" (الشوفينية القومية) قبل الغزو، وعلى تضليل الدعاية الرسمية بعد الغزو. فمن ناخبي المدينة، في الانتخابات النيابية الأخيرة، اقترع 15 إلى 30 في المئة لمرشّحي المعارضة الموالية لروسيا، والمؤتلفة في كتلة "من أجل الحياة". ويتزعّم الكتلة "صديق" الرئيس الروسي، فيكتور ميدفيدتشوك. ولم يحمل ذلك، أي قوة المعارضة النسبية وتكتلها ومكانة زعيمها، ولو عدداً ضئيلاً من الأهالي على الترحيب بالغزاة. فالخسائر المدنية جرّاء القصف زعزعت أنصار روسيا.

وثنّى على أثر القصف نهب الجند الروس، وبعض السكان، المحال التجارية في أيام الاحتلال الأولى. والأرجح أن الجند كانوا في حال معنوية بائسة. فوسع الأهالي مسك بعضهم وهم يسرقون، وربطوهم إلى أعمدة الكهرباء، وأنزلوا بناطيلهم.

وانتهى الأمر بمقاتلي الجيش المتحدّر من الجيش الأحمر المجيد، قاهر الجحافل النازية، والمقتص قصاصاً عادلاً من قتلة "الخطوط الخلفية" ("الآيزنتروب" التي أوكل إليها اغتيال المدنيين في المناطق التي أخلتها القوات السوفياتية)، إلى التمثيل بهم وتعزيرهم، وإلى استكانتهم للتمثيل والتعزير المهينين.

وعلى طريقة خيرسون احتذت مدن أخرى كثيرة، مثل نيكولاييف وميليوتوبول وكاخوسكا وماريوبول وإيزاييل وخاركيف.

فنلندا... مرتين؟

في ضوء وقائع تقطع بأن أوكرانيا أمة "تامة التكوين"، لأنها "تريد" كيانها هذا "كل يوم" (على قول إرنست رينان في تعريف الأمة)، وتصنع هذا الكيان على شاكلة دولة وطنية من مادة قد لا تكون متجانسة "قومياً"، يبدو إخفاق القيصر الحالي ذريعاً، أياً كان المصير الذي قد تصير إليه الحرب العدوانية، وفكرة مارشالها عن الأمة "الخالدة". فتعويله الأول كان على انفجار حرب أهلية تحمل أنصاره من الأوكرانيين- وبعضهم ذاق الأمرّين فعلاً من عدوان اليمين المتطرف الأوكراني عليه، وهو حصل في انتخابات 2014 الرئاسية على 2 في المئة عدّاً ونقداً، وانتهاكه القانون في حقه، منذ 2014 على الأخص- على الترحيب بقواته الغازية، وتوهين معنويات الشطر الوطني الغالب، ونزع المشروعية عن الدولة وقواتها المسلحة، وتمهيد الطريق إلى إعلان أوكرانيا "جمهورية اتحادية"، على غرار جمهورية قديروف في الشيشان.

وهذه محطة على طريق جمهوريات اتحادية أخرى قادمة: في ليتوانيا وإستونيا ولاتفيا، من ممتلكات القيصر طوال قرون، وفي بولندا التي تقاسمها القياصرة ثلاث مرات، وليس مرة واحدة، مع السويد ومع النمسا وبروسيا، وتجرّأت على هزيمة الجيش الأحمر في 1920، وفي بلدان الجوار القريب ودوله الأخرى. فينجز النصر على "الثلاثية الإمبريالية" (الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي واليابان)، وعلى العدوان "الأطلسي" المزمن. وتبعث أوراسيا، الروسية العمومية وليس الصينية الوسطية، سلطاناً متوّجاً على التاريخ.

وداعبت فكرة شبيهة ربما خاطر ستالين "الفاتح"، سلف الفاتح المتعثّر والحاكم سعيداً اليوم. ففي مطلع الحرب العالمية الثانية هاجم أمين عام الحزب الشيوعي السوفياتي والقائد الأعلى للجيش الأحمر فنلندا القريبة والضئيلة. وبرّر عدوانه عليها باستعادتها إلى الإمبراطورية الروسية التي كانت من ممتلكاتها وأقاليمها، أولاً، وبموضعها الجغرافي الذي يحجز بين الإمبراطورية وبين ألمانيا النازية، وينبغي له أن يبقى حاجزاً.

ويروي المؤرخون أن ستالين عوَّل على حزب "الفنلنديين الحمر"، وهم جمهور يساري حاول الاستيلاء على السلطة، وضم جمهورية فنلندا "الاتحادية" إلى "اتحاد الجمهوريات الاشتراكية السوفياتية" ("أربع كذبات في أربع كلمات" على قول كاستورياديس، اليوناني- الفرنسي). وخسر الحزب الحرب الأهلية. وعلى مثال الأوكرانيين الموالين لبوتين اليوم مال معظم اليساريين الفنلنديين إلى مقاومة الدولة الفنلندية الوطنية، وأسهموا في تخريب خطوط التموين والقتال الروسية، على خلاف تقدير الماريشال.

والدرس الأبرز، أو العبرة من مقاومة الشعب الأوكراني المتماسك الزحف الروسي الإمبريالي، هو محافظة الشعب الراسخة على تماسكه الوطني والسياسي، ورفض الشطر القريب من روسيا، على قاعدةٍ "دموية"، موالاة المحتل. والمقارنة مع الحروب الأهلية- الإقليمية- الشرق أوسطية وانفجار شعوب دولها "حشدين" أو ثلاثة على أضعف تقدير تحت وطأة تدخّل جوار إقليمي، تارة قومي وتارة أخرى مذهبيّ، تدل على هشاشة التكوينات المرصوصة و"العضوية"، المتأتية من القوم الإثني أو من الأمة المذهبية. وعلى خلاف هكذا تكوينات تتمتع الشعوب المؤتلفة من إرادات ودساتير ومواثيق بصلابة وعزيمة قد تهزمان أعتى الامبراطوريات وأشدها صلفاً.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard