ثقافة الجماهير من صدام حسين إلى الحكم الشيعي... القوّة والدين يولّدان التبعية

الأربعاء 10 أغسطس 202202:21 م

حسن كاظم، من محافظة بغداد والبالغ من العمر 39 عاماً، كان يعلم تماماً بأن الأحزاب فاسدة، ولكنه لا يريد ذهاب الحكم من الشيعة بسبب المعاناة التي عاشها في ظل نظام صدام حسين. وبعد سنوات عدة من تغيير النظام أتيحت له فرصة الانضمام إلى جبهة مسلّحة تابعة لإحدى الأحزاب الحاكمة. كان ينتظر هذه الفرصة بفارغ الصبر كونها تؤمّن احتياجات أسرته من مأكل ومشرب بالرغم من علمه بأنه يتم "استغلاله وتجنيده من قبل جهات سياسية تعمل باسم الدين".

يقول حسن لرصيف22: "انضممت إلى الحزب بغرض كسب المال والاستفادة من الانتماء الديني والعشائري بالرغم من كثرة الأخطاء والجرائم التي تُرتكب بحق الشعب العراقي، ولكن من لا يمتلك قبيلةً وحزباً سياسياً وقوةً سيتحتم عليه الفشل والبقاء في دائرة الظلم والفقر"، مشيراً إلى أن "النظام السابق كان قاسياً جداً على الطائفة الشيعية وكنا لا نستطيع ممارسة طقوسنا الدينية، أما اليوم فالحكومة أصبحت في أيدينا ولن نعطيها لأحد مهما كلّف الثمن".

أتباع وأموال

يؤمن رئيس حركة امتداد النيابية، محمد نوري عزيز، بأن "الأحزاب الإسلامية وميليشياتها المسلحة متواطئة لصالح إيران وبعض الدول الإقليمية التي لديها تأثير واضح على القرار السياسي العراقي من خلال الغطاء الديني الذي تستخدمه لجر الجماهير صوبها".

نظام صدام حسين كان قاسياً جداً على الطائفة الشيعية وكنا لا نستطيع ممارسة طقوسنا الدينية، أما اليوم فالحكومة أصبحت في أيدينا ولن نعطيها لأحد مهما كلّف الثمن

يقول في حديث إلى رصيف22: "هذه الأحزاب ليس لديها جمهور ثابت ولا تمتلك أتباعاً أو جماهير بمقدار ما تمتلك أموالاً طائلةً سُرقت من الشعب العراقي لتنفيذ مخططاتها، وجمهورها أصبح يتلاشى وخاصةً بعد ثورة تشرين عام 2019 ومن خلال تلك الثورة أصبحت الأحزاب الحاكمة تمتلك جمهوراً نفعياً يعتاش على المنفعة الشخصية".

برأيه، "القيود التي فرضها النظام السابق والتعطش الديني الذي كان لدى العراقيين، تمكنت معهما الأحزاب الإسلامية من استغلال الدين كغطاء لممارساتها المشينة من خلال الضحك على ذقون الشعب بشعارات دينية بائسة لغرض الاستحواذ على الأموال والتحكم بموارد الدولة".

ثقافة القائد

ثقافة الأتباع أو الجماهير في العراق، تعود إلى زمن النظام السابق، فهو أنتج أشد أنواع الشخصيات سلبيةً، وهي الشخصية المقهورة التي هي مادة الجماهير المطيعة، ويوصف الإنسان المقهور بأنه المسحوق أمام القوة التي يفرضها الحاكم المستبد فلا يجد من مكانة له في علاقة التسلط العنفي سوى الرضوخ والتبعية.

والمفارقة أنه ما أن أُطيح برأس النظام السابق صدام حسين الذي كان قائداً للجماهير حتى تخلوا عنه، وذهبوا يبحثون عن قائد جديد ووجدوه في نوري المالكي الذي أصبح رئيس الوزراء عام 2006، ومنحوه لقب "مختار العصر"، وكانت ثقافة الجماهير أو الأتباع متجسدةً في ذوي الأصابع البنفسجية التي ذهبت لانتخابه لدورات مختلفة عدة تحت مسمى الحكم الشيعي الجديد.

ويقول عزيز إن "قادة تلك الأحزاب تفرض آراءً سياسيةً على عامة الشعب من خلال التحكم بالرأي العام وتوجيهه من أجل خدمة مصالحهم عن طريق المؤسسات والميليشيات المسلحة التي تمتلكها بغطاء حكومي وديني".

في المقابل، يؤكد أن "أتباع الإسلام السياسي قد تفتتوا اليوم وبدأت الأحزاب الإسلامية تتراجع، وأصبح العراق مقبلاً على تغيير هيكلية النظام السياسي بسبب فشلها الذريع في إدارة الدولة"، مضيفاً: "من خلال المعطيات، أثبتت بأنها ليست عراقيةً خالصةً بل تابعة لجهات خارجية تحت غطاء العباءة الدينية، وتالياً خرج جيل واعٍ لا يؤمن بسياسة القطيع بقدر ما يؤمن بعملية ديمقراطية حقيقية".

ارتباط ومصالح

أما في كردستان، التي شهدت قبل يومين احتجاجات تعاملت معها السلطات المحلية بعنف مطلق، فيُبيّن السياسي الكردي محمد زنكنه، لرصيف22، أن "الارتباط الروحي بين قادة الأحزاب وجماهيرها هو الذي ساد في العمل السياسي لأغلب الأحزاب السياسية الكردستانية وتحشيد الجماهير اعتمد على الاتصال الروحي والعقائدي والقومي".

وبحسب زنكنه، فإن "سياسات الحزبين الديمقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني مستمدة من نهج ونضال وتاريخ طويل له جذور قوية وأسس اعتمدت على ماضٍ عريق وقاعدة جماهيرية كبيرة والأجندة الحزبية في تطور مستمر على أساس المعطيات التي تطرأ على الساحة من أجل جر الجماهير إليهما".

القيود التي فرضها النظام السابق والتعطش الديني الذي كان لدى العراقيين، تمكنت معهما الأحزاب الإسلامية من الاستحواذ على الأموال والتحكم بموارد الدولة، وبالتالي في جزّ جمهور عريض خلفها

يقول: "الأحزاب الإسلامية التي لها ميل إلى الإخوان أو التي تُعدّ فروعاً من الإخوان المسلمين في كردستان، نستطيع القول إنها تمارس سلطة سياسة القطيع لأن أغلب من ينتمي إليها ‏لا يمكن أن يبتعد عن أمور وتصرفات وأوامر قادتها السياسيين، كونها تتخذ من الدين ذريعةً للترويج لسياساتها وكل خطواتها في هذا الإطار لمزج مسألة الدين في كافة تحركاتها السياسية"، مشيراً إلى أن "التصرف السياسي لا يختلف كثيراً بين إقليم كردستان وبغداد، إذ إن أغلب الأحزاب لا تؤمن إلا بما يخدم مصالحها".

ثقافة التبعية

يُحدد رئيس الجمعية النفسية العراقية الدكتور قاسم حسين صالح، في حديث إلى رصيف22، ثلاثة عوامل سيكولوجية-اجتماعية كان لها الدور الفعال في إشاعة ثقافة التبعية/ القطيع بين العراقيين بعد 2003، وهي اللا وعي الجمعي والحول العقلي وسايكولوجيا الضحية، ويفصّل:

"اللا وعي الجمعي هو حالة من الاضطراب والانفعال داخل العقل وفقدان الصواب والرشد في السلوك والقرارات ما يتسبب بتعطيل العقل المنطقي والعقلاني وتكوين أصناف من مجاميع متنافرة في جماعة ينتمي إليها الفرد وأخرى يحاول النيل منها وهذا ما تجسد في ثقافة القطعان العراقية.

العامل الثاني، الحول العقلي، وهو رؤية الأعمال الصالحة في جماعته وكف النظر عن سلبياتها، وأما الجماعة الأخرى فيرى سلبياتها تاركاً إيجابياتها، ليخرج بحكم خطأ بأن جماعته هي الأفضل في كل شيء.

العامل الثالث، سايكولوجيا الضحية التي تضخمت عند جماهير الشيعة والكرد بعد سقوط النظام عام 2003، وأشاع قادة الشيعة أنهم كانوا مظلومين من ألف سنة وعزفوا على الوتر الطائفي ليشيعوا ثقافة القطيع".

 سايكولوجيا الضحية التي تضخمت عند جماهير الشيعة والكرد بعد سقوط نظام صدام حسين عام 2003، فأشاع قادة الشيعة أنهم كانوا مظلومين من ألف سنة وعزفوا على الوتر الطائفي ليشيعوا ثقافة القطيع

ولعبت الدعاية السياسية في العراق دوراً أساسياً في جذب الجماهير للوصول إلى أتباع يخدمون مصالحهم ويطيعون أوامرهم، كونها أصبحت تعتمد على أسس قوية ومتينة وتساعد التكنولوجيا الحديثة التي تتجسد من خلالها على شرح وافٍ لتاريخ وحاضر ونشاط هذه الأحزاب من خلال رسائل دعائية بطرق مختلفة.

الدين والقطيع

يقول سامر سمير، وهو ناشط سياسي، لرصيف22، إن "الجماهير الدينية هي من ولّدت الجماهير السياسية في العراق، وخاصةً الطائفة الشيعية لأن لديها مرجعاً دينياً بحيث أصبحت كتابة الدستور العراقي الجديد برعاية المرجعية الدينية الشيعية وكان رئيس الوزراء نوري المالكي وقتذاك جندياً من جنودها لكتابة دستور يخدم مصالح فئة على حساب الفئة الأخرى".

ويتحدث سمير عن أنواع الجماهير، قائلاً إن "هناك ثلاثة أنواع أساسية من الأتباع في العراق وأبرزها أتباع العشق وهو إعطاء حب ومكانة كبيرة لأحد الرموز الدينية والسياسية والنضالية بشكل لا إرادي، وأتباع المصلحة وهو طاعة أحد الشخصيات لغرض الحصول على أموال أو وظيفة تؤمّن احتياجاته"، لافتاً إلى "وجود أتباع القوة، أي الانضمام إلى إحدى العشائر أو الجهات المسلحة بسبب شعور بالنقص والحاجة إلى جماعة بمعتقداته وأفكاره نفسها".

ويشير إلى "ضرورة امتلاك الثقافة السياسية لعامة الشعب من خلال الاطّلاع على أنظمة الحكم في دول الاتحاد السوفياتي وأوروبا والصين وأمريكا فضلاً عن فتح مراكز تأهيلية وإطلاق حملات ومسيرات شعبية ثورية تعرّف الناس بحقوقهم وواجباتهم حتى لا يكونوا عرضةً لأي تبعية دينية أو سياسية".

وبحسب سمير، فإن "الخطيب الديني في شهر محرم يجب ألا يقرأ عن مقتل الإمام الحسين وهو حفيد الرسول الذي قُتل قبل 1،400 سنة، بل يجب الاطلاع على سياسته الثورية والاستفادة من الدين والتاريخ بشكل سياسي وتثقيفي، للوصول إلى حياة مدنية تضمن حق الجميع وتمنع استغلال أي مكون تحت أي غطاء".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard