"شارع مقابل شارع" في العراق... من يحسم الغلبة الشيعية: الإطار أم الصدر؟

الاثنين 1 أغسطس 202205:21 م

تتسارع وتيرة الأزمة السياسية في العراق بصورة طردية متوترة، في سابقة هي الأولى منذ العام 2003، إذ لم تنتج عن الانسداد السياسي المستمر منذ أكثر من 10 أشهر، أية حلول من شأنها إعادة العملية السياسية إلى سابق عهدها.

وتأتي هذه الأزمة مع تحريك الشارع العراقي، ومحاولة استخدامه لإيصال رسائل سياسية ولاستعراض قوّة أطراف الصراع، إذ سيطر محتجون على مبنى البرلمان العراقي الواقع ضمن مجمّع المؤسسة السياسية في المنطقة الخضراء في وسط بغداد.

بدأت التحركات يوم الأربعاء 27 تموز/ يوليو الماضي، حين اقتحم أنصار الزعيم العراقي مقتدى الصدر، مبنى البرلمان، قبل أن ينسحبوا منه نتيجة استجابتهم لدعوة زعيمهم الصدر، ولكن هذه السيطرة وهذا الانسحاب لم يكونا سوى البداية، إذ ألمح في اليوم التالي مدير مكتب الصدر، إبراهيم الجابري، إلى تظاهرات جديدة يوم السبت (الماضي)، بعد أن نشر على صفحته الشخصية على فيسبوك منشوراً قال فيه: "الشعب يقول أليس السبت بقريب".

واستجابة لذلك، تجمّع أتباع التيار الصدري في ساحة التحرير وسط بغداد منذ مساء يوم الجمعة 29 تموز/ يوليو الماضي، استعداداً لاقتحام المنطقة الخضراء في الصباح الباكر، وهو ما تمّ فعلاً.

بدأت التحركات يوم الأربعاء 27 تموز/ يوليو الماضي، حين اقتحم أنصار الزعيم العراقي مقتدى الصدر، مبنى البرلمان، قبل أن ينسحبوا منه نتيجة استجابتهم لدعوة زعيمهم

دوافع التظاهرات

يرغب مقتدى الصدر في إبقاء البرلمان تحت سيطرته من خلال إلغاء جلسة التصويت على مرشح الإطار التنسيقي الشيعي، الذي يختلف معه، لمنصب رئاسة الوزراء، محمد شياع السوداني، علماً أن الصدر أمر باستقالة نوابه قبل فترة من البرلمان، بعد أن كان يملك الأكثرية، لكنّه لم يستطع تأمين نصاب الثلثين لتشكيل حكومة أكثرية.

والسوداني الذي سبق أن رفضه المحتجون عام 2019، بعد أن طرح البيت الشيعي اسمه كخليفة لرئيس الوزراء الأسبق عادل عبد المهدي، مرفوض من قبل الصدريين، إذ يعتقد زعيمهم أنه سيكون مجرد أداة بيد خصمه التاريخي نوري المالكي وقادة الإطار التنسيقي، وتالياً فإنه سيشكل تهديداً لوجود الصدر ليس على المستوى السياسي فحسب، بل في الجانب الاجتماعي أيضاً، في حال قرروا إغلاق مكاتب التيار وسحب سلاحه، كما حدث في أثناء ولاية المالكي لرئاسة الوزراء عام 2008.

ومن خلال تصعيده الأخير، يريد الصدر تأكيد موقفه باستمرار السيطرة على البرلمان حتى نيله مبتغاه، فإمّا تشكيله حكومة الأغلبية بأي وسيلة، أو استمراره في الاحتكام إلى الشارع.

وكان الصدر قد نشر مساء يوم 31 تموز/ يوليو الماضي، بياناً على حسابه الشخصي على موقع تويتر، قال فيه: "إن هذه فرصة للتنديد بالفساد والتفرد بالسلطة والولاء للخارج"، ودعا أتباعه لعدم تفويت الفرصة الذهبية كعام 2016، في إشارة إلى التظاهرات التي دعا إليها في عام 2016، على خلفية انشقاقه عن البيت الشيعي، واقتحم أتباعه على إثرها مبنى البرلمان.

في المقابل، ردّ الإطار التنسيقي على هذه التغريدة ببيان حاد، أكد فيه "عدم السماح بالمساس بالثوابت الدستورية من قبل كتلة سياسية واحدة لا تمثل كل الشعب العراقي"، وعلى الأثر، تحدثت اللجنة التحضيرية لتظاهرات حماية الشرعية التابعة للإطار، عن انطلاق احتجاجاتها في الساعة الـ5 من عصر يوم الإثنين 1 آب/ أغسطس، في منطقة الكرادة وسط بغداد.

"شارع مقابل شارع"

تقارب مناطق الاحتجاجات بين التيار الصدري والإطار التنسيقي، ولّد مخاوف من أن تمهد لاشتباكات مسلّحة، ويعزز هذه المخاوف، تسريب صوتي جديد يُزعم بأنه للمالكي، نشره الإعلامي علي فاضل.

يرغب مقتدى الصدر في إبقاء البرلمان تحت سيطرته من خلال إلغاء جلسة التصويت على مرشح الإطار التنسيقي الشيعي لمنصب رئاسة الوزراء، محمد شياع السوداني، لأنه بالنسبة إليه ورقة بيد المالكي، خصمه الأوّل 

يبدأ التسجيل الصوتي بشكل الموجودين في "الغروب"، دلالةً على أنه مسرب من إحدى المجموعات الصوتية على تطبيق واتس آب، وهو ما يضع علامة استفهام على شخصية من سرّبه، لا سيما أن مثل هذه المجموعات غالباً ما تضم قادة الإطار التنسيقي والفصائل المسلحة حصراً.

ويتضمن التسريب الجديد اعترافاً مبطناً من المالكي بمضمون التسريبات السابقة، إذ يشكر المدافعين عنه بالضد ممن "يحاولون إضعاف همتنا وهمة العاملين في سبيل الله والوطن".

كما يدل تكراره في أكثر من مرة، ضرورة التمسك بالأفكار والآراء والقوات، واستنفارها من أجل مواصلة التصدي لقوى الباطل والدفاع عن الحقوق، على إدراكه بأن انسحابه من العملية السياسية أو استبعاده من الواجهة، سينتهيان بمحاكمته في الحد الأدنى، كما يقول من يدور في فلكه.

التسجيل المسرب إن صح، يؤكد أن هناك انشقاقات داخل الإطار التنسيقي، وأن الفترة القادمة ستشهد انشقاقات كبيرةً علنيةً، ومن أقرب المقربين من المالكي، لذلك يحاول بدوره الدفع نحو الصدام، لإطالة أمد العملية السياسية وإبعاد نفسه عن الخطر، وهو ما يؤكده مصدر في الإطار التنسيقي.

وعن مزاعم قرب الصراع المسلح، يؤكد المصدر في حديثه إلى رصيف22، على أن هذا الخيار مستبعد خلال الفترة الحالية، ولكنه سيكون موازياً لأي محاولات انقلاب على النظام السياسي.

وتالياً فإن السؤال الرئيسي هو: هل يحاول التيار الصدري هدم العملية السياسية؟ يشير مصدر في التيار الصدري إلى أن الصدر يرغب في استبدال قمة الهرم السياسي، ولكن ذلك لا يعني هدم الدولة، وهو ما يفسره الإطار التنسيقي وفق مزاجيته ورغبته في التصعيد.

ويستدرك في حديث إلى رصيف22، بأن للتيار الصدري احتياطاته لحماية أتباعه وجماهيره، وأن أي محاولة استهداف مسلح ستقابَل بأخرى أعنف، ولكنه يستبعد حدوث أي صدامات مسلحة حالياً أيضاً.

يتضمن التسريب اعترافاً مبطناً من المالكي بمضمون التسريبات السابقة، إذ يشكر المدافعين عنه بوجه من "يحاولون إضعاف همتنا وهمة العاملين في سبيل الله والوطن"

ويرجع سبب عدم ترجيح الطرفين للصدام المسلح إلى إدراكهما بأن مثل هذا الأمر، يعني فقدانهم كافة مكتسباتهم السياسية والجماهيرية خلال العشرين سنةً الماضية، كما أنه وبالرغم من قوة الفصائل المسلحة على مستوى التجهيزات العسكرية، والتمويل والدعم الخارجي، إلا أن هذه المواجهات ستكون خارج السيطرة لا سيما أنها قد تشتمل على قوات عسكرية تابعة للحكومة ومنشقة عن الطرفين، كما سيتم زج جماهير من طرفي الأزمة فيها كوقود للحرب لإشعالها داخل مناطق البلد، وهذا أشبه ما يكون بالحرب الأهلية الشاملة.

الحلول السياسية

دعوة الإطار التنسيقي للتحشيد الجماهيري، لا تنبع من رغبته في طرد المتظاهرين من مبنى البرلمان، بقدر رغبتهم في إثبات قوة قاعدتهم الشعبية، إذ يحاولون ذلك من خلال تأكيد سرعة استجابة أتباعهم، وبذلك فإنهم يحاولون نفي ما يُشاع عن ضعف سيطرتهم على جماهيرهم.

وشهدت مناطق الصالحية والكرادة، بعد ساعة من دعوة الإطار إلى الاحتجاج، تجمعات تابعة للإطار التنسيقي والحشد الشعبي، طُوّقت على إثرها مناطق الاحتجاج.

ويحاول الطرفان إبراز عضلاتهما عبر جماهيرهما في الشارع خارج البرلمان، بدلاً من الاحتكاكات السياسية، فيما يبدو أن تظاهرات الإطار لن تصل إلى محيط البرلمان، ولكن من المرجح أن تشهد محاولات لاستفزاز أتباع الصدر، من أجل دفعه إلى التفاوض مع الإطار التنسيقي، ضمن خيارين لا ثالث لهما.

الخيار الأول، هو أن يؤدي هذا التصعيد إلى إعادة الصدر وكتلته إلى العملية السياسية، والتي من الممكن أن تُقبل قانونياً، بوضعها تحت مفهوم الضرورة لعودة السلم الأهلي.

الخيار الثاني، أن تؤدي هذه المواجهة إلى حل البرلمان، وهو ما يستعدّ له الطرفان، بحسب مصدر سياسي مطلع، يرى أن وتيرة التسارع الحالية لا تشير إلا إلى قرب موعد حل البرلمان، الذي بالرغم مما يحمله من مخاطر، قد يمنع انحدار البلد إلى الهاوية.

أين قوى تشرين؟

لم تتخذ القوى السياسية التشرينية التي وصلت إلى البرلمان نتيجة مشاركتها في احتجاجات تشرين الأول/ أكتوبر عام 2019، بدورها، أي موقف سياسي واضح من شأنه المساهمة في حل الأزمة حتى الآن.

لم تشارك قوى تشرين إلى الآن في الاحتجاجات وتعلو أصوات كثيرة تُفيد بأن الانقسام الحاصل اليوم لا يُشبه حراك تشرين بأي شكل ولا المطالب التي رفعوها

وإلى الآن لم تشارك هذه القوى في الاحتجاجات وسط انقسام الرأي فيها، محاولةً التروّي في اتخاذ موقف واضح مما يحصل، فيما تعلو أصوات كثيرة تُفيد بأن الانقسام الحاصل اليوم لا يُشبه حراك تشرين بأي شكل ولا المطالب التي رفعوها.

يسود الشارع العراقي غير المنضوي ضمن الاصطفافات الحالية، اعتقاد واضح بأن أي تغيير يحمله مستقبل البلد، لن يكون ضمن المتأمَّل شعبياً، خاصةً أنه لن يمهد لتغيير وجوه العملية السياسية، أو سيضعها خلف الكواليس، ولكنه سيشكل انعطافةً جديدةً في طبيعة التفاهمات السياسية، لا سيما بعد يقينهم بأن الخوض في تصعيد مشابه لن يكون في صالح أحد.

إذاً، يدخل العراق مرحلةً جديدةً من الصراع، حيث "شارع مقابل شارع"، من دون أي أفق إلا لتصعيد لن تكون نتيجته سوى المزيد من الدم، في بلاد لم تعرف معنى الهدوء منذ زمن، فيما ستجلس القوات الحكومية متفرجةً ومحاولةً أن تؤخر المواجهة في الشارع والتي يبدو أنها لن تتأخر كثيراً.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard