الملابس الرقمية قادمة... واستدامة سوق الأزياء على المحك

الاثنين 25 يوليو 202205:18 م
نعيش في زمن الرأسمالية الذي أغرقنا في أنماط استهلاكية حد الهوس، يتجلى معظم هذا الهوس في الرغبة بشراء الملابس الجديدة. فالقدرة على تجديد الملابس أقل كلفة من تغيير المنزل وتجديد السيارة.

هل "البالة" إعادة تدوير؟

"إللي ماله باله... ماله عيد!" ينتشر هذا النداء بصوت موسيقي متواتر حد التخدير في سوق الجمعة في العاصمة عمّان، والذي يعد هو وسوق العتبة في القاهرة أكبر أسواق البالة في الشرق الأوسط.
اليوم، أصبح التسوق من البالة عادة مقبولة بالرغم من التصنيفات والتغييرات المجتمعية، إذ خضع المفهوم الشعبي لعمليات تجميل ليتماشى مع الرؤية الحديثة لطبقات المجتمع الرأسمالية.
تسمية الأشياء بغير أسمائها يشعرنا ببعض السعادة، لذا أصبحنا نسمع مصطلحات من نوع "Pre-Owned" أو "Pre-loved" أو في بعض الأحيان "Vintage" لتحتل هذه التسميات الإنجليزية مكان الاسم الأصلي لغةً واصطلاحًا، ولتصبح عناوين فضفاضة للتباين الطبقي في مجتمعات تنطق بالعربية، لهذا الجمهور الجديد من زبائن البالة تحديداً تغيرت أساليب التسويق.
الباعة عرفوا أن بعض ما يبيعونه يساوي أكثر بكثير من دينار، صارت هذه القطع تُفرز  لتباع على رفوف  المستعمل الفاخر وليس بين الأكوام العشوائية

فبعض قطع البالة من الماركات العالمية وتحديداً المعاطف والحقائب قد تكون أعلى قيمة وهي جديدة من مجموع رواتب أشهر من يشتريها من ذوي الدخل المحدود. 

هذه الطبقية الدخيلة على أسواق البالة بدأت تجلب معها نوعاً من الثقافة الخاصة بإعادة التدوير، ربما لتبرير عملية الشراء. فمن يستخدم مصطلح التسوق الأخضر يخبرنا أنه يدرك دوره في عملية إعادة التدوير، بينما يؤدي من هو "ذاهب للخمخمة من البالة" نفس الدور لكن بدون تصريحات رنانة.

إعادة التدوير تعني إعادة الاستخدام

التخلص من الملابس القديمة هو واحد من أكبر مشاكل صناعة الملابس. ولأن أنماط الاستهلاك قد تضاعفت منذ بداية الألفية الثانية، فإن صناعة الأزياء مسؤولة الآن عن حوالي 40 مليون طن من نفايات المنسوجات كل عام، الأمر الذي دفع الشركات المعنية للبحث عن وسائل جديدة للتخلص منها.

الخيار الأول هو إعادة التدوير الذي يشمل إعادة بيع هذه الملابس لأسواق السلع المستعملة في الدول النامية، أو ابتكار خطوط إنتاج من منسوجات قابلة لإعادة التدوير والتحلل الحيوي، كلا الأمرين قد يحولان صناعة الأزياء - على المدى الطويل - إلى اقتصاد دائري، ويجعلاها أكثر استدامة وصداقة للبيئة.

خلال السنوات القليلة الماضية، اتخذت صناعة الأزياء خطوات سريعة نحو الاستدامة خصوصاً بعد الأثر الكبير الذي خلفته الأوبئة العالمية والكوارث الطبيعية والتغيرات المناخية المتسارعة وفضائح شركات الملابس السريعة.
من يستخدم مصطلح التسوق الأخضر يخبرنا أنه يدرك دوره في عملية إعادة التدوير، بينما يؤدي من هو "ذاهب للخمخمة من البالة" نفس الدور لكن بدون تصريحات رنانة
لدى الحديث عن اتجاهات الموضة المستدامة، لا يشار إلى قصات أو ألوان أو أنماط أو مجموعات أنماط جديدة نشاهدها على منصات عروض أسابيع الموضة، بل إلى عمليات الإنتاج الجديدة والثورات في صناعة الأزياء، فالأمر يتعلق بالاتجاهات الطويلة المدى التي يمكن أن تجعل عالم الموضة ووعينا واستهلاكنا أفضل في المستقبل.
قد يتطلب الأمر من الشركات الرائدة في مجال الموضة وصناعة الملابس تقديم العديد من التضحيات لإثبات قدرتها على التكيّف مع الإنتاج الأخضر، كتبسيط نماذج أعمالها وجعلها أقل تعقيداً، وإعادة معادلة حجم الإنتاج والأرباح.
الاستدامة لم تعد مجرد كلمة طنانة في صناعة الأزياء، بل هي موجودة لتبقى وتتطور وتصبح منهجًا جديدًا، ومع ظهور اتجاهات جديدة طوال الوقت، يصبح من الصعب مواكبة ما هو مهم عند معالجة التغييرات البيئية التي تحتاج الموضة إلى إجرائها.
لكن نظرًا لأن العالم بحاجة إلى أن يصبح أكثر مسؤولية، فإن الاستدامة تعني أخذ البيئة وتغيراتها المتسارعة بعين الاعتبار وعلى محمل الجد.

الخزانة ذات الطابع الكبسولي

غيّر انتشار وسائل التواصل الاجتماعي مشهد التسوق خصوصًا مع دخول وسائل التسوق عبر الانترنت لتصبح عمليات الشراء أكثر ذكاءً، وبالتالي لم يعد ممكنًا تجاهل التحول في عقلية المستهلكين نحو أنماط أكثر وعيًا بالبيئة.
هذا التحول لم يعد في بداياته، المستهلك اليوم يرغب بأن يشتري قطعة الملابس بضمير بيئي مرتاح، ومسألة تحول الأمر إلى ثقافة عالمية عابرة للشعوب والطبقات واللغات هي مسألة وقت.
تعتبر الخزائن ذات الطابع الكبسولي من أكثر اتجاهات الموضة التي اعتمدها المؤثرون والمؤثرات رواجًا على منصات التواصل الاجتماعي خلال السنوات الأخيرة كونها تشجع على الحد من كمية الملابس الفائضة عن الحاجة والتي من المرجح أن ينتهي بها المطاف في مكب النفايات.
الخزانة الكبسولية هي مجموعة محدودة من قطع الملابس الأساسية القابلة للتبديل والتنسيق بطرق متعددة تكمل بعضها البعض، غالبًا ما تكون هذه القطع كلاسيكية بألوان محايدة إذ تتيح الفرصة لتكوين مجموعة متنوعة من مجموعة صغيرة من الملابس.
ونظرًا لأنه ليس لدى المستهلك الكثير من الملابس، فسيرتدي كل قطعة يملكها لسنوات طويلة، وبالتالي لن تضيع أية ملابس. فالأشخاص الذين يختارون الحصول على خزانة ملابس ذات طابع كبسولي، غالبًا ما يستثمرون أيضًا في قطع عالية الجودة تدوم طويلاً ولا تخرج عن خطوط الموضة.

جينز مصنوع من سبع قارورات بلاستيكية

تطورت عمليات إعادة التدوير واتخذت أشكالًا جديدة، اليوم أصبح ممكنًا شراء جينزًا من أحدث صيحات الموضة مصنوع من سبع قارورات بلاستيكية تم إعادة تدويرها. وبالقياس يمكن للعلامات التجارية جني فوائد كثيرة من إعادة تدوير الأقمشة في سلاسل التوريد الخاصة بها، إذ يقلل استخدام الأقمشة المعاد تدويرها من تكلفة المواد الطبيعية ويجعل سلسلة التوريد أكثر دائرية، مما تنتج عنها نفايات أقل.
الخزانة الكبسولية هي مجموعة محدودة من قطع الملابس الأساسية القابلة للتبديل والتنسيق بطرق متعددة تكمل بعضها البعض، غالبًا ما تكون بألوان محايدة
من خلال زيادة الاستدامة في كل مرحلة من مراحل سلسلة التوريد، ستنتج العملية الكلية نفايات وانبعاثات ضارة أقل وستصبح أكثر صداقة للبيئة. بكلمات أخرى، الموضة المستدامة تعني إنتاج ملابس بكميات محدودة وبمواد أقل ضررًا كالصبغات مثلًا لضمان بيئة أقل تلوثًا.

الملابس الرقمية

على الرغم من احتلال حياتنا لمساحات رقمية وافتراضية شاسعة، كان لا بد على صناع الموضة العمل على نقل التجارب الرقمية التي كنا لا نراها إلا في الأفلام الهوليوودية أو في ألعاب الفيديو إلى أرض الواقع. وبعيدًا عن العديد من اتجاهات الموضة المستدامة، تبقى الموضة الافتراضية أو الميتافيرس واحدة من أكثر التقنيات إثارة للاهتمام لجعل صناعة الأزياء أكثر استدامة.
وعلى الرغم من الطاقة التي تتطلبها، لا يزال إنتاج الملابس واستخدامها افتراضيًا أكثر صداقة للبيئة من إنتاج الملابس الفعلية التي تتطلب المواد الخام والطاقة والمياه والأصباغ وثاني أكسيد الكربون، لكن ما الفائدة من امتلاك الأشياء رقميًا من دون لمسها؟
وهل سيكون لفعل اللمس القيمة ذاتها أم سيفقد منطقه؟ في اللمس استحواذ وامتلاك، ومن أين يأتي ذلك ونحن نرتدي ما نحب على هيئة صور رقمية؟
قد يستوعب العقل البشري فكرة امتلاك أسهم أو عملات رقمية لتداولها في البورصة، ولكن هل سيتقبل فكرة المشي بحذاء "رقمي" فاخر جدًا وباهظ الثمن من إحدى أهم العلامات التجارية؟
الميتافيرس هو حقًا اتجاه مثير جدًا سيعيد تشكيل حياتنا خارج صندوق الموضة العالمية بشكل مستدام كليًا، ولكن هل سيتمكن هذا الاتجاه من إقناعنا كبشر بالتخلي عن إحدى أهم صفاتنا: الامتلاك؟

خرافة الموضة المستدامة

قد تتمكن الموضة من أن تعكس ثقافات الشعوب وتتحكم بها في نفس الوقت، وهذا يثبت نظريًا أن لهذه الصناعة القدرة على خلق مسارات إنتاجية أكثر استدامة. فصناعة الموضة مثل جميع الصناعات متداخلة في نظام قائم على النمو.
هذا السعي الدؤوب للنمو هو ما يقود الإستراتيجيات الخاصة بصناعة الأزياء. ولفهم مدى فشل سوق الأزياء في استيعاب الأنماط الجديدة علينا أن نفهم أولًا السبب الذي يجعل الموضة المستدامة ليست مستدامة، فالتأثير البيئي السلبي الدقيق لصناعة الأزياء ما زال غير معروف، لكنه كبير جدًا. إذ لا يزال هناك عدد ضئيل جدًا من شركات صناعة الملابس تعرف ما هو خلف مصادر توريد المواد الخام الخاصة بها. وهذا التعقيد ونقص الشفافية يعنيان انبعاثات كربونية كبيرة على مستوى العالم.

صناعات قليلة تروّج لمؤهلات الاستدامة الخاصة بها بقوة أكبر من صناعة الأزياء نفسها. لكن الحقيقة المحزنة هي أنه على الرغم من المحاولات العديدة للابتكار، فشلت هذه الصناعة خلال الـ25 عامًا الماضية في تقليل تأثيرها على كوكب الأرض.

فمعظم العناصر الداخلة في هذه الصناعة تستخدم موادَّ مركبة غير قابلة للتحلل الحيوي وتنتهي في مكب النفايات، وهذا يعني أن الإستراتيجيات الجديدة مثل استخدام المواد الحيوية وإعادة التدوير وغيرها قد فشلت في جعل واحدة من أكثر الصناعات العالمية سرعةً وتطورًا صديقة للبيئة.

عندما ننظر إلى ما سيجعل الموضة مميزة ومختلفة هذا الموسم عن المواسم السابقة، لا يسعنا إلا أن نأمل أن تكون أكثر من مجرد اتجاهات، بل تحولات كبيرة.
الاستدامة هي مجرد إشارات لما ينتظر مستقبل الموضة على المدى الطويل. ويمكن أن تكون بعض الاتجاهات المذكورة آنفًا هي بداية للحركات الثورية المصممة لتحويل عالم الموضة بطريقة مستدامة وطويلة الأجل. اتجاهات الموضة تأتي وتذهب بطبيعتها، ولكن يفترض بالاستدامة أن تبقى لا أن تكون مجرد موضة جديدة.


إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard