شاركوا في مهمّتنا،
بل قودوها

لنبدأ من هنا!
مؤثّرون

مؤثّرون "غصباً عن الراضي والزعلان"

انضمّ/ ي إلى مجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات”.

هدفنا الاستماع إلى الكل، لكن هذه الميزة محجوزة لمجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات"! تفاعل/ي مع مجتمع يشبهك في اهتماماتك وتطلعاتك وفيه أشخاص يشاركونك قيمك.

إلى النقاش!

حياة

الاثنين 18 يوليو 202204:59 م
لا تمتلك "غابي" خصراً منحوتاً ولا قواماً ممشوقاً ومشدوداً، تُظهر ركبتيها في لون أغمق من باقي أجزاء جسدها، فيما تترك شعرها الأسود المجعد كما هو، تنشر صورها وهي ترتدي ملابس السباحة بقطعتين على الرغم من كل الانحناءات في جسدها، غير آبهة بمعايير ومقاسات فرضتها مسابقات الجمال وخطوط الموضة، إذ قررت أن تصنع هي الموضة.

المليون قليل

"غابي جريج" السيدة الأمريكية البالغة من العمر 35 عاماً، واحدة من أشهر المدونات في عالم الموضة، وذلك لتميزها في التوجه للسيدات من ذوات الوزن الزائد في مدونتها "غابي فريش" منذ 13 عاماً، المدونة الشهيرة لم تبق أسيرة لما تنتجه دور الأزياء العالمية أو محددة بما يقدمه السوق لها من أزياء، التي لا تهتم كثيراً بحاجات المرأة الممتلئة، لذا انغمست غابي في هذا العالم وأطلقت خط إنتاج خاصاً بها وكرست وقتها لنشر هذا المحتوى على السوشال ميديا، وأصبحت هي من تصنع الموضة وتصدرها بدلاً من أن تنتظرها.

لا يصل عدد متابعي حساب "غابي فريش" إلى المليون عبر منصة "انستغرام" وهو رقم قليل إذا قُورن بحسابات "مؤثرين" في مجال الموضة أو "فاشينستا".

من أنتم؟


هذا المصطلح، أقصد "فاشينستا"، ليس وليد انتشار منصة التواصل الاجتماعي "انستغرام"، حيث أن الكلمة المكونة من مقطعين يمكن ترجمتها بشكل حرفي بـ"موضتي" فالكلمة مزيج من اللغة الإنجليزية والإسبانية إلا أنها دخلت قاموس لغات العالم لتدل على الشخص الذي يقدم محتوى وأسلوب حياة له علاقة بالأزياء والجمال، ويؤثر في متابعيه، لكن هل فعلياً تقدم الـ "الفاشيونستا" موضتها؟

تقضي حنين 26 عاماً أكثر من ثماني ساعات وهي تتابع مواقع التواصل لأغراض العمل والتسلية، وعلى الرغم من أنها غير مهتمة بعالم الموضة تتابع المؤثرات والمؤثرين، وترى أن هناك تداخلاً في التخصصات بين صناع المحتوى.

بعض طروحات المؤثرين حول الموضة ذات أهمية كبرى، مثل اللباس كجزء من الهوية الثقافية، أو إعادة التدوير، أو الثورة على القوالب والماركات العالمية، هنا تصبح الأزياء جزءاً من القضايا الكبرى وليس ترفاً

كما أنها معجبة بما قامت به مدونة الموضة الأردنية عليا الفارس من كسر للصور النمطية للفاشينستا وصورة جسد المرأة التي يتم قياسها بالسنتيمترات، فهي تمتلك ثقة تجعل منها واحدة من أفضل مدونات الأزياء.

ليس تقديم الموضة للمرأة الممتلئة -فقط- هو ما يعجب حنين في محتوى عليا الفارس، إذ ترى أنها لا تهتم بالماركات العالمية، وتمتاز ملابسها بالبساطة، ومن السهل على الطبقة الوسطى الحصول عليها، ولأن حنين لا تعرف كثيراً في عالم الموضة لم تتمكن من تحديد إذا كانت الفاشينستا المفضلة لديها مؤثرة أم متأثرة إلا أنها معجبة بتنسيق الألوان الجميل والغريب، على حد تعبيرها.

في عالم السوشال ميديا حيث تكثر "الفلاتر" ويرتدي المؤثرون أقنعة في مجملها ضاحكة ومرتاحة، يتحول كل شيء إلى سلعة، فالحب والزواج والولادة وحتى البكاء جميعها سلع تباع بحسب أعداد المشاهدة، وبالتالي زيادة المتابعين الذين يكررون أسئلة في ذواتهم تتعلق بـ "لماذا لا نمتلك حياة فيها الكثير من اللهو والحكمة والأناقة كأولئك الذين نتابعهم؟ ولماذا لا نمتلك حياة مثالية كتلك التي نراها على حسابات المؤثرين؟".

حينها يصبح كسر الأقنعة ومسح الفلاتر كافٍياً لأن يخرج المؤثرون عن المألوف، وتصبح أبسط الملابس أجمل من أعظم خطوط الموضة، وحبوب الوجه وشحوبه أكثر صدقاً من نقاء الفلاتر، وتصبح ربطة الشعر العادية أهم من كل التسريحات، والاستغناء عن الرموش والـ"كونتور" هو التأثير الحقيقي بدلاً من وهم الجمال والتسليع.

عملية إنتاج الموضة

وبعيداً عن عالم السوشال ميديا وما أنتجه فإن عمر الموضة يعود إلى تاريخ بعيد، لأن ارتداء الملابس صفة إنسانية، ارتبطت بالجغرافيا وطبيعة الظروف البيئية والجوية لكل منطقة. تشير بعض الدراسات إلى وجود رواسب لمصنع ملابس في المغرب يزيد عمره عن 120 ألف سنة، على الرغم من أن التقديرات ترجح أن عمر صناعة الملابس يعود إلى تاريخ أبعد مِن ذلك.

في عالم السوشال ميديا حيث تكثر "الفلاتر" ويرتدي المؤثرون أقنعة في مجملها ضاحكة ومرتاحة، يتحول كل شيء إلى سلعة، فالحب والزواج والولادة وحتى البكاء جميعها سلع تباع بحسب أعداد المشاهدة
هذه الصفة الانسانية ترتبط بأبعاد اجتماعية واقتصادية، مثلاً القطعة الأكثر شهرة في العالم هي سراويل الجينز، التي يحتفل العالم بعيد ميلادها في العشرين من أيار في كل عام، في هذا اليوم من عام 1873 قدمت شركة Jacob Davis and Levi Strauss Company على براءة الاختراع لعملية وضع المسامير المعدنية في سراويل العمل، في ذلك الوقت كانت المتانة والتصاميم التي تناسب العمال وخاصة عمال المناجم كفيلة بأن تنشر هذه الملابس، لم تكن الشركة حينها تحتاج إلى من يروج تصاميمها. فالحاجة هي من تدفع العمال لارتدائها وبالتالي توافرها في الأسواق، بالإضافة إلى ارتباطها برعاة البقر.

ظلت حدود انتشار تلك السراويل محدودة في المصانع حتى الثلاثينيات من القرن الماضي، حينها كان الانتشار ليس بسبب الحاجة إليها، إنما لتأثر الشباب في الأفلام الأمريكية التي ركزت على حياة رعاة البقر، وعادت لتنتشر بقوة أكبر في الخمسينيات بعد أفلام المتمردين التي كان بطلها جيمس دين، الذي ارتدى الجينز في أفلامه فتحول إلى مؤثر في عالم الأزياء.

تحتاج خطوط الإنتاج العالمية ومصممو الأزياء إلى من يروج إنتاجاتهم، ما يقوم به "الفاشينستا" ومدونو الموضة أشبه بدور العلاقات العامة

هذا ما تؤكده الستايلست ميرفت حكروش مضيفة: "مهمة التقديم للموضة الجديدة كانت حكراً على نجوم السينما والغناء، كان ظهورهم عبر الشاشات كفيلاً بنشر الموضة، قبل أن يستولي الفاشينستا على المهمة".

تجد حكروش التي يتركز عملها على تصميم الإطلالات الخارجية في الأفلام والبرامج التلفزيونية أن "الفاشينستا" جزء من عملية طويلة لانتشار الموضة، إذ تضمن حساباتهم ومدوناتهم أن تلقى التصاميم رواجاً في المجتمع، ولكن بالتأكيد ليس هم من يصنع الموضة إذ تتأثر الموديلات في كثير من العوامل من بينها الجوية والتكنولوجية وحتى الوبائية كما حصل في جائحة كورونا، حينها استمد صناع الموضة التصاميم من هذا الفيروس وما فرضه على العالم"

تتابع ميرفت حديثها حول صناعة الموضة: "هناك مؤسسة رائدة عالمياً في مجال تحديد الألوان والتصاميم وهي WGSN، التي تبرع في توقع سلوك المستهلكين واتجاهات التصاميم، وربما تكون هي الأكثر تأثيراً في هذا العالم" في عملية تصنيع الموضة.

مهمة التعريف بالموضة الجديدة كانت حكراً على نجوم السينما والغناء، ظهورهم عبر الشاشات كان كفيلاً بنشر الموضة قبل أن يستولي الفاشينستا على المهمة منهم

تبدأ عملية صناعة الموضة من المصمم، فتذهب عند "الستايلست" أو منسق ترتيب الطلة الخارجية للأشخاص ويختار الحقيبة والاكسسوارات وتسريحة الشعر المناسبة لذلك التصميم مع الأخذ بعين الاعتبار الأبعاد النفسية والمكانية، وقد تبدأ العملية من الستايلست الذي يطلب من المصمم "موديل" معيناً لتظهر به إحدى الشخصيات المشهورة، حينها تصل هذه الإطلالة لمدوني الموضة الذين يمكن تعريفهم بأنهم متابعون للموضة ولديهم ذوق خاص في تنسيق الملابس والإطلالات ليعرضوها على متابعيهم، وهنا تنتهي مراحل نشر الموضة.

لكن حينما تكون آخر المراحل في النشر عند "الفاشينستا" يبدأ السؤال عن التأثير وأثره، وهل تقف حدوده عند الترويج لموضة ما أو ماركة عالمية أم أنه يمتد إلى أبعد من ذلك، لا سيما أن المؤثرين في هذا المجال ليسوا نجوماً أنتجوا فناً فتأثر بهم الجيل الراهن، إنما أشخاص بحثوا عن الموضة لتصنع منهم نجوماً.


إنضمّ/ي إنضمّ/ي

رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.

لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.

Website by WhiteBeard