تعيش بمعزل منذ 30 عاماً ‏تنتظر ظهور المهدي... عجائب وأسرار هذه القرية الإيرانية

الخميس 11 أغسطس 202205:34 م

إلى جانب جبال طالِقان في محافظة ألبُرز المحاذية للعاصمة الإيرانية ‏طهران، وبالقرب من نهر طالقان، تقع قرية اختارت أن تعزل نفسها كي ‏تنتظر لحظة ظهور الإمام المهدي. ‏

ليس للقرية اسم رسمي بل لها أسماء متعددة أطلقها الآخرون علیها منها ‏‏"فانوس آباد" (قرية الفانوس)، و"منتظران ظهور" (منتظرو ظهور المهدي)، و"تُرك آباد" (قرية الأتراك)، و"إيستا" (المتوقفة).‏

یلتف حول منازلها القليلة البالغ عددها 9، والواقعة في مساحة لا ‏تتعدى 15 هكتار، حائط مرتفع وأشجار باسقة إذ لا يمكن رؤيةُ من في ‏القرية إلا من خلال الدخول إليها أو من ارتفاع أعلى منها.‏

يعيش أهالي القرية حياة رهبانية وصوفية في عزلة تامة عن العالم، دون ‏كهرباء وغاز وهواتف وسیارات، يأكلون منتجات عضوية من ثمار ‏أيديهم، وعلاج أمراضهم أيضاً يتمّ من خلال استخدام الأعشاب الطبية. لا ‏يستخدم أهالي القرية الساعة لتشخيص الوقت بل يقومون بتعيين الوقت ‏عبر تغیرات السماء.

سكان القرية ينحدرون من مدينة تبريز التركية ‏الواقعة شمال غرب إيران، وقد اجتمعوا هنا تبعاً لأفكار مرجعهم الديني ‏الذي نهاهم عن التشبه بالكفار

ولا يحق لأي امرأة دخول القرية، كما أن نساء ‏القرية لا يخرجن من المنازل كثيراً. لا يحتفل أهالي القرية بأعياد الميلاد ‏والزواج، ولا يقيمون مراسم العزاء عند وفاة أحدهم. ويُقال بأن ساكني ‏القرية لا يحملون بطاقات الهوية، ولا يندرجون ضمن النسمة في البلاد. ‏

أسرار القرية، لغز الإيرانيين

‏"هنا ملكية خاصة"، "يمنع التصوير وتسجيل الأفلام"، "الرجاء عدم ‏الإزعاج"، "يمنع الدخول إلى هذه الملكية الخاصة منعاً بتاتاً"، يواجه هذه ‏اللافتات على جدران القرية كل من يدخلونها، وذلك لمنع التعرف على أسرار ‏هذا المكان الغريب والصغير.‏

يشرح الرجل الثمانيني حسين قُلي ضيائي، شيخ القرية، والذي بادر ‏بإنشائها عام 1988، أن سكان القرية ينحدرون من مدينة تَبريز التركية ‏الواقعة شمال غرب إيران، وقد اجتمعوا هنا تبعاً لأفكار مرجعهم الديني ‏الذي نهاهم عن التشبه بالكفّار لأن ذلك يجرّ إلى التشبث بمعتقداتهم.‏

‏"استخدام المعدات الحديثة الصناعية أو أي شي جديد حرام، إلا في ‏وقت الضرورة"؛ هكذا يقول لنا ضيائي، ويضيف: "نحن لدينا سيارة وبعض ‏الأشياء الأخرى، ولكن نستخدمها عند الضرورة فقط، ليس لدينا هواتف، ‏وفي وقت الحاجة الماسة نستخدم جوال العامل الأفغاني في القرية".‏

في نهاية الثمانينيات قررت نحو 11 أسرة العيش هنا، ولكن غادر ‏البعض هذا الحصن الذي صنعوه لأنفسهم، فلا طاقة لهم ليعشيوا بمعزل ‏تام عما يجري من حولهم، وبقيت 8 أسر فقط تتكون من 40 نسمة ‏في قرية "إيستا".‏

نمط حياة على أساس القرن الـ19‏

يقول الباحث التاريخي الإيراني الدكتور حسين عَسْكري، إن نمط العيش ‏في هذا المكان تأسس وفق بنيان فكري وفقهي قبل 200 سنة في العهد ‏القاجاري، والذي يعود إلى فقيه محافظ وأصولي باسم آية الله ميرزا صادق ‏التبريزي.‏

‏"قرر هذا الرجل لأتباعه التوقف عن التقليد في تلك الحقبة الزمنية ومنع استخدام الجمارك والضرائب والجيش وأوراق الهوية والتجنيد ‏الإجباري، وحتى منع الحج بسبب وجوب الحصول على جواز السفر"، ‏هكذا يشرح عسكري.‏

وفي عام 1928، حرض ميرزا صادق التبريزي سكان مدينة تبريز ضد ‏قرار الخدمة العسكرية الإلزامية ولذلك نفاه رضا شاه إلى مدينة سنَندج، مركز محافظة كُردستان الإيرانية، ‏ومن ثم قطن مدينة قم حتى وفاته عام 1932.‏

وشرح لنا عسكري فترة ما بعد وفاة التبريزي إلى عام 1986، أي نحو ‏نصف قرن، والذي التزم خلالها بعض مقلدوه بأفكاره وآرائه بشكل نظري في مدينة قم، ‏معقل رجال الدين الشيعة، وأيضاً في مسقط رأسه مدينة تبريز.‏

ويسرد عسكري تفاصيل عام 1987، إذ أمر أحد مقلدي ميرزا صادق التبريزي والذي كان يعتبر بشكل ما خليفته، بالالتزام بتعاليمه بشكل عملي، فاختارت نحو 13 أسرة ‏العيش على هذا النمط في مدينة تُنِكابُن بالقرب من مدينة تبريز شمال ‏غرب إيران، ليحدثوا لأنفسهم قرية وفق آراء مرجعهم التي تدعوهم للعدول عن أي حداثة وحضرية، والرجوع إلى ما قبل ذلك خلال القرن الـ‏‏19. ‏

طالقان منطقة دينية في آخر الزمان

وبعد ثلاث سنوات من العيش في تُنكابن ولأسباب جوية، هاجرت العوائل ‏نحو مدينة طالقان. ويضيف عسكري الذي نشر كتاباً عن هذه الفئة من ‏الشيعة الإيرانيين، أن أسباب اختيار طالقان: "الطقس المعتدل والروايات ‏الشيعية التي تتحدث عن أهمية هذه المنطقة، وقربها من الجبال، حيث يعتقدون أنه في ‏(نهاية الزمن)، عليهم أن يلجأو للجبال، لذلك باتت طالقان بالنسبة لهم منطقة ‏دينية مهمة في نهاية الزمن". ‏

‏"يسكن في هذه القرية مجموعة من أثرياء أتراك تبريز، الذين تركوا ‏الدنيا وزخارفها، وأعرضوا عن أموال طائلة وأملاك كثيرة يمتلكونها، ‏وسكنوا هذه القرية الصغيرة التي تقع على ضفاف نهر صغير، لا كهرباء فيها ‏ولا ماء ولا غاز ولا هاتف، لا يقرأون الكتب ولا الصحف ‏والمجلات، لا يخرجون من هذه القرية إلاّ في الحالات الضرورية، لا ‏يراهم أحد، ولا يستقبلون أحداً إلاّ نادراً، يعبدون الله سبحانه وتعالى، ‏وينتظرون ظهور المولى صاحب الزمان (عجل الله فرجه الشريف)"؛ هكذا ‏كتب عنهم الباحث الديني الشيخ محمد الحسون عندما قام بزيارة القرية ‏برفقة رجال دين آخرين عام 2015.‏

زيارة لمجموعة من رجال الدين والمسؤولين إلى القرية

ويتابع حسين قلي ضيائي قوله عن سلوك الأهالي فيقول: ‏‏"لسنا بحاجة للمسجد، كل واحد منا يصلي بشكل (فُرادى) في منزله؛ ‏الجامع هو خندق الجمهورية الإسلامية الإيرانية، فما علاقة ذلك بنا؟ نقيم ‏الواجبات الدينية ولا نعير اهتماماً لغير ذلك، وما علينا إلا أن ننتظر فرج ‏الإمام المهدي. كما لم نرسل أبناءنا للمدارس، فواجب الآباء أن يعلموهم ‏الكتابة والقراءة في المنازل، وذلك يكفي".

كما أن الأهالي لا يحتفظ بالكتب ‏المطبوعة، بل تقتصر كتبهم على مخطوطات للقرآن الكريم، ورسالة ميرزا ‏صادق التبريزي.‏

وعن الأوراق الرسيمة والبطاقات الوطنية فيؤكد ضيائي أنهم استلموها ‏بضغط من الحكومة، ولا حاجة لهم بها في حياتهم المنعزلة عن الدنيا: "لا ‏نشارك في الانتخابات. الانتخابات هي لعُمَر (بن الخطاب). ألم يجروا ‏انتخابات في سقيفة؟".‏

تربية الخيول الأصيلة العربية

في ساحة بمساحة 15 هكتار تتضمن منازلهم، يزرعون أهل القرية أنواع المحاصيل الزراعية ‏ويربون الحيوانات قدر حاجتهم لا أكثر، كما أنهم يصنعون الأدوات ‏والمعدات الزراعية والمنزلية بأيديهم.‏

وفي جانب من القرية، هناك إسطبل للخيول العربية الأصيلة, ويقول أحد سكان القرية إنهم ابتاعوا حصاناً عربياً من إسطبل ‏أمير دولة قطر سابقاً، وما توجد اليوم من خيول فهي من جيله.‏

تأتي معظم ممتلكات أهالي القرية من بيع أراضيهم في مدينة تبريز، ويقولون بأنهم ‏ليسوا فقراء بل وضعهم المادي كان جيداً هناك، إلا أنهم اختاروا أن ‏ينتظروا فرج الإمام المهدي، فتحملوا الصعوبات في هذا السبيل. كما أنهم ‏يدركون حجم متاعب العيش هنا، ويصرحوا بأنه لا يمكن لأحد أن يتحمل ‏ذلك. ‏

الإمام المهدي يعطي التعاليم في المنام

أما المبادلات المالية فهي تعتبر تشبّهاً بالكفار في نظرهم، كونها تعود إلى ‏النظام المصرفي، ولا يجوز لهم السفر والزيارات لأنها تلزمهم بحمل ‏جوازات السفر والفيزا المحرّمتين وفق تعاليمهم.‏

"لسنا بحاجة للمسجد، كل واحد منا يصلي بشكل (فُرادى) في منزله. ‏الجامع هو خندق الجمهورية الإسلامية الإيرانية، ما علاقة ذلك بنا؟"

وقد اطلع على أحوالهم في الماضي بعض المسؤولين الإيرانيين أمثال إسفنديار ‏رحيم مشايي ومرتضى تمدّن من رجالات حكومة الرئيس السابق محمود ‏أحمدي نجاد، الرجل الذي يشتهر بحديثه الدائم عن ظهور الإمام المهدي. ‏ومن بين الشخصيات الأخرى التي زارت القرية هما علي أكبر صالحي الرئيس السابق لمنظمة ‏الطاقة الذرية الإيرانية، والمخرج السينمائي مسعود دِهْ نَمَكي.‏

كما يتحدث ضيائي عن الزيارات المتعددة لحاكم مدينة طالقان ‏وقادة الشرطة، لهذه القرية، للاطلاع على أحوالهم وتكريمهم لعدم حدوث نزاع ‏لهم مع الآخرين.

يعتقد الأهالي أنهم يعيشون نهاية الزمن المليئة بالكوارث، وعلى كل فرد ‏أن ينقذ نفسه، لذلك لا يمكن العيش مع المجتمع، فهو مهزلة في رأيهم، ‏وأنهم كلما حدوا من مخالطتهم بالناس كلما زادوا من فرص نجاتهم في ‏نهاية الزمن، كما يتحدثون عن أحلامهم التي يرون فيها الإمام المهدي ‏وهو يعطيهم الأوامر اللازمة. ‏ 

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard