"أخشى أن تكون غالبية النساء المصريات متحررات"... التناقضات الحادة لإدوارد وليام لين

الاثنين 20 يونيو 202206:49 م

يصلح كتاب "عادات المصريين المحدّثين وتقاليدهم" للمستشرق الإنكليزي إدوارد وليام لين، ترجمة سهير دَسوم، أن يكون مادة للتسلية في جانب كبير منه، وعلى وجه الدقة، تسلية القراء الغربيين؛ فالكتاب الذي يعتبره البعض أحد أهم المراجع المعرفية والثقافية عن مصر في القرن التاسع عشر، يدور حول ثلاثة محاور رئيسية: الدين، والخرافات، والمرأة.

وقد تعمد الكاتب أن يلتقط من هذه الموضوعات، ما يُكرس ويُعزز الصورة النمطية الغربية عن الشرق، التي تشكلت بدهاء وبشكل ممنهج ومنظم عبر قرون عديدة، لتصل إلى صورة سائدة عن الشرق وهو منغمس في "مستنقع الخرافات والجهل والتخلف"، ومن ثم يُمكننا استخدام مصطلح "الانحلال المعرفي" للمفكر إدوارد سعيد، الذي ورد في كتابه المهم "الاستشراق"، في وصفنا لكتاب وليام لين. كما يُمكننا قراءة كتاب لين في ضوء تحليلات سعيد لمفهوم الاستشراق، ودور المستشرقين في دول الشرق.

 حين جاء إلى مصر، سرعان ما اندمج في حياة المصريين، حيث "عقد العزم على دراسة اللغة العربية، وطبائع الشعب المصري على حد سواء، لذا ارتدى الزي التقليدي المصري، واتخذ لنفسه اسماً عربياً هو منصور أفندي"

يقول إدوارد سعيد إن "المستشرق يجعل الشرق يتحدث، ويجعل أسراره واضحة للغرب ومن أجله، نيابة عن الشرق المسكين". كما أشار إدوارد سعيد إلى هذا الكتاب الذي نتناوله، في معرض حديثه عن السلطة الملزمة والصارمة، التي امتلكها بعض المستشرقين من خلال مؤلفاتهم عن الشرق، والتي صارت مرجعاً مهماً لكل من يريد أن يقرأ أو يكتب عن الشرق، رغم ما بها من قصور، وكذلك خلوها من النظرة الموضوعية والمنهجية.

وإدوارد وليام لين هو أحد أهم المستشرقين الإنكليزيين الذين عاشوا في مصر في القرن التاسع عشر، وهو اسم ذائع الصيت في الأوساط الثقافية المصرية.

ووفقاً للمقدمة التي كتبتها مترجمة الكتاب، فإن المستشرق الشهير، ولد في هيرفورد في 17 أيلول/سبتمبر 1801، وهو الإبن الثالث للكاهن الفخري لكاتدرائية هيرفورد، أظهر تفوقاً هائلاً في مادتي الرياضيات والأدب، فقرر والداه إرساله إلى جامعة كامبريدج، بهدف الانضمام إلى الكنيسة في مرحلة لاحقة، لكنه ترك الجامعة بعد فترة، وسافر إلى لندن وعمل مع أخيه في الطباعة الحجرية، وانكب كذلك على دراسة اللغة العربية.

ونتيجة للعمل المجهد أصيب بالحمى وتملك المرض منه، فرأى أنه من الأفضل التوجه إلى مصر للشفاء، فكانت رحلته الأولى إلى مصر عام 1825، استمرت حتى عام 1928، ثم عاد مرة أخرى عام 1833وبقى حتى 1835، وخلال هذه الفترة أنجز كتابه عادات المصريين المحدثين وتقاليدهم، صدرت الطبعة الأولى منه عام 1836.

وكانت رحلة لين الأخيرة إلى مصر عام 1842، واستمرت حتى 1847، وقد كرسها لإتمام "المعجم العربي"، وهو واحد من أهم أعماله. ولوليام لين إنجاز مهم في الترجمة، حيث قام بترجمة العمل الأدبي الخالد ألف ليلة وليلة إلى اللغة الإنجليزية. ومؤخراً صدرت النسخة العربية من كتابه "القاهرة منتصف القرن التاسع عشر"، وهو الكتاب الذي صدر بعد وفاته بعقدين، حيث تولى مهمة إعداده للنشر ابن أخيه المستشرق وعالم الآثار ستانلي لين بول. وله أيضاً مؤلفات أخرى مثل: اصطفاءات من القرآن، والمجتمع العربي في القرون الوسطى.

وتقول دَسوم إن وليام لين حين جاء إلى مصر، سرعان ما اندمج في حياة المصريين، حيث "عقد العزم على دراسة اللغة العربية، وطبائع الشعب المصري على حد سواء، لذا ارتدى الزي التقليدي المصري، واتخذ لنفسه اسماً عربياً هو منصور أفندي، وعهد إلى أستاذين تعليمه أصول الدين الإسلامي والشريعة والفقه.

اكتفى برصد بعض السلوكيات، التي تفضح تناقضات الشخصية المصرية في تلقيها للتعاليم الدينية- وهي صحيحة في جانب منها- لكنه كباحث كبير، لم يقم بواجبه العلمي، في تقصي جذور هذه الظاهرة

واتبع لين عادات وتقاليد المصريين المسلمين إلى أبعد الحدود، حيث "امتنع عن أكل ما حرمه دينهم من طعام وكف عن شرب الخمر، وأقلع عن العادات غير المحببة لديهم مثل استعمال الشوكة والسكينة أثناء تناول الطعام. ودخل بيوتهم ومساجدهم، وصلى صلوات المسلمين. ونتيجة لذلك اكتسب لين ثقة العرب كاملة، فنسوا أن لين ليس واحداً منهم". هذه الإنسانية والإحساس بالتآخي مع المصريين من جانب لين، كما ذكرت المترجمة في المقدمة، سرعان ما ينقلب إلى عنصرية وعدائية، تُشير إلى التناقضات الحادة، والتشوش الذي ربما عانى منه لين في رؤيته للمجتمع المصري، وقد بدا ذلك واضحاً في الفصل الذي كتبه تحت عنوان "طبائع المصريين"، وهو الجزء الذي كرسه الكاتب للحديث المفصل عن الدين في حياة المصريين، وكذلك عن المرأة المصرية.

باختصار –ليس مخلاً- أظهر لين ومنذ الفقرة الأولى، المصريين كشعب نشأ وتربى على كراهية واحتقار الأشخاص، المنتمين إلى الديانات الأخرى، أما المرأة المصرية فهي بارعة ماكرة في خداع زوجها، وتستغل الحرية الممنوحة لها بشكل خاطيء، ويُغرق الكتاب بقصص لهؤلاء النساء الخائنات الشهوانيات، اللائي – بحسب قوله - "لا يترددن في خداع أزواجهن بشتى الطرق، بل إن الزوج في أحيان كثيرة يُصبح مطية في يد زوجته؛ تستخدمه لمقابلة عشيقها في سرير الزوجية".

يقول لين في مطلع الفصل المشار إليه: "تكمن أهم السمات المُلفتة للنظر في طبائع المصريين في اعتزازهم الديني. فهم يعتبرون أتباع الديانات الأخرى أطفال الهلاك الروحي الأبدي، ويتعلمون مقتهم في سن مبكرة. وقد يُبادر بعضهم من باب اللياقة والتهذيب وبسبب مصالح أنانية إلى التحدث مع هؤلاء أحياناً، فيفكون لجام عواطفهم، ويجهرون بصداقات تربطهم بنصراني، يحتقرونه في ذواتهم".

ويقع وليام في فخ التعميم، وهو يُعدد في هذا الفصل- الذي هو بمثابة قاموس شتائم للمصريين والمصريات- مظاهر التناقض في شخصية المسلم الذي يعتبر التقوى أعلى مراتب الشرف، ومن ناحية أخرى، يتظاهر تظاهراً كاذباً بالفضيلة، ويرتكب كل الرذائل، معتمداً على أن جملة "استغفر الله" من شأنها محو أي ذنوب "معظم العرب - وهم أشخاص متناقضون مع ذواتهم - ينتهكون يومياً شريعتهم بطريقة أو بأخرى، لإيمانهم العميق بأن كلمتي "استغفر الله" كفيلتان بإزالة كل انتهاك لحرمة الدين".

ويُشير وليام إلى روح التشدد الديني التي اتسمت بها مصر خلال هذه الفترة، حتى أن حُكم الردة قد طُبق على اثنين، لمجرد أنهما أصدقاء لبعض الأوروبيين، ويتطرق إلى بعض الخرافات الدينية، مثل: تحريم أكل البطيخ، لأن الرسول لم يأكله، وكذلك عدم إنارة الشوارع لأن الرسول لم يفعل ذلك.

يبدو وليام لين سطحياً في قراءته لدور الدين في حياة المصريين، فقد اكتفى برصد بعض السلوكيات، التي تفضح تناقضات الشخصية المصرية في تلقيها للتعاليم الدينية - وهي صحيحة في جانب منها - لكنه كباحث كبير، لم يقم بواجبه العلمي، في تقصي جذور هذه الظاهرة، التي تتمثل في رسوخ سلطة الدين، في حياة المصريين منذ عهد الفراعنة، فثمة عبارة شائعة تقول: "المصريون هم من اخترعوا الدين". كما أنه كان حاداً وساخراً في سرده، وفي أحيان أخرى متعجرفاً، يستخدم لغة فوقية متعالية، كإنسان ينتمي إلى الغرب المتحضر، في مقابل الإنسان الشرقي المتخلف، ومن ناحية أخرى فشل لين في الوصول إلى روح التصوف المصري، وذلك عبر سخريته وتهكمه من الأولياء والدراويش.

يترك لين المسألة الدينية، ويُثني هذه المرة على حسن الضيافة التي تُعد صفة أصيلة في الإنسان المصري، وتحديداً البدوي، الذي ما أن يحل أحد الضيوف على خيمته، حتى يطلب من زوجته أن تقوم بذبح الحيوان، وإعداد الخبز والطعام من أجل الضيف، ويقول لين إن البدوي، من الممكن أن يعرض نفسه للمخاطر في سبيل حماية ضيفه، بل يُبالغ في هذا الكرم، إلى حد أنه يقوم بتقديم زوجاته إلى ضيفه من أجل امتاعه فقط، وهنا يورد بالنص:"قد يسمح البدو بإيذاء أنفسهم أو عائلاتهم ولا يسمحون قط بإساءة معاملة ضيوفهم وهم تحت حمايتهم. ولا يتردد بعض العُربان عن التضحية بعفة زوجاتهم من أجل عيون ضيوفهم. ويمكنني التأكيد أن بعض سكان قبيلة بشارين (الذين يسكنون في قسم كبير من الصحراء بين النيل والبحر الأحمر)، يُقدمون بناتهم العذارى لضيوفهم بدوافع حسن الضيافة وليس بدافع تأجيرهن".

وعند تطرقه للحياة الجنسية لدى المصريين، فرأى لين أن المصريون يتخطون بأشواط البلدان الشمالية الأخرى، في الانغماس في الشهوات الحسية، واطلاق العنان لغرائزهم، ويُرجع ذلك إلى المناخ، وكذلك إلى إقرار مبدأ تعدد الزوجات وسهولة الطلاق، ومن ثم فهو يرى أنهم "يستحقون التسمية التي تطلق عليهم في القرآن الكريم (إنهم كانوا قوماً فاسقين)- سورة الزخرف / 54 – التي تُشير إلى مصر القديمة".

ينتقل الكاتب بعد ذلك إلى تقديم تقرير موسع عن الحالة الأخلاقية للرجال والنساء في مصر، حيث يقول أن المصريين من الجنسين، لا يحتشمون أثناء حديثهم ويُطلقون الكلام على هوانه، مشيراً أن هذا لا ينطبق فقط على الطبقات الدنيا في المجتمع بل أن "الأشخاص المثقفون، يتلفظون بتعابير بذيئة لا تناسب سوى بيت دعارة منحط. ولا تتردد النساء المهذبات اللطيفات من تسمية الأشياء بأسمائها والتحدث في شتى المواضيع أمام الرجال. وترددن كلمات، تخجل المومسات في الغرب من التلفظ بها".

ورأى لين أن نساء مصر تتميزن، بتحررهن في التعبير عن مشاعرهن عن سائر النساء الأخريات اللواتي يزعمن الإنتماء إلى أمة متحضرة متمدنة، مشيراً إلى أن الكثيرات منهن تسئن استعمال الحرية المعطاة لهن، وفي موضع آخر، يوضح تناقض آراءه، يقول: "إن السبب في انحلال النساء المصريات، هي تلك العادات والتقاليد القاسية التي تقيد حريتهن".

لم يترك لين هذا الفصل دون تصفية المرأة المصرية، وتقديمها بوصفها امرأة خائنة ماكرة، تسعى وراء شهواتها، ولو كلفها ذلك ارتكاب الجرائم يقول: "أخشى أن تكون غالبية النساء المصريات متحررات غير ملتزمات بالقواعد الصارمة، وحقيقة، فإن أغلب المصريات بارعات ماكرات في تدبير علاقتهن الغرامية السرية ومكائدهن، فلا يفلح أكثر الأزواج تحفظاً واحتراساً في التنبه إليها، مهما بدت كبيرة مخاطر تلك العلاقة التي ينزلقن إليها. وقد يشكل الزوج نفسه أحياناً المطية غير المباشرة لنزوات زوجته الإجرامية". وأضاف أن العديد من رجال العاصمة، الذين تحدث معهم عن هذه القضية، قد أكدوا له أن "معظم النساء لا يترددن في المخادعة إن تسنى لهن ذلك دون خطر مداهم وأن غالبيتهن يخدعن أزواجهن فعلاً".

كتاب إدوارد لين الشائك والمحير، والذي – بحسب إدوارد سعيد- مثل بجانب كتب أخرى، سلطة صارمة على كل من يتناولون الشرق في دراستهم، يدعونا ويُحفزنا إلى قراءة نقدية معمقة في كتابات المستشرقين 

ويُرجع لين هذه الظاهرة التي – بحسب تعبيره - كانت متفشية آنذاك، إلى الطابع الشهواني المميز لمعظم نساء مصر، و المسلك التحرري لعدد كبير منهن، وكذلك إلى تأثيرات المناخ الحار، أما السبب الأخير من وجهة نظره، فهو قسوة الأزواج في تعاملهم مع زوجاتهم.

ومن بين قصص الخيانة التي أوردها لين في كتابه، قصة تاجر الرقيق، الذي تزوج من امرأة جميلة وثرية، بعد أن فقد الجزء الأكبر من أملاكه. وبعد فترة رأت المرأة أن زوجها، فقد رونق الشباب. وهذا ما جعلها تُفتش عن رجلٍ آخر، يُلبي رغباتها، فوقعت في غرام الزبال، وحاكت خطة شريرة، حتى يمكنها إقامة علاقة مع هذا الزبال في بيتها، وكان بمقدور خطتها المحكمة أن يُدان الزوج، ويُتهم بالجنون، لأنه – وعبر الشهود الزور- يطعن في شرف زوجته العفيفة. قضى الزوج عدة سنوات في مستشفى الأمراض النفسية، ولما رفض أن يُطلق زوجته، طلبت الزوجة من المسؤول بأنها تريده في منزلها حتى تسهر على خدمته، فأخذته إلى البيت، وربطته بالجنازير، وكانت تقيم علاقتها الجنسية مع عشيقها أمامه، وبعد أن يأس هذا الزوج، قام بتطليقها، لكن خادمتها أفشت جميع الأسرار بعد ذلك، وأصبحت القصة على كل لسان في العاصمة. لكن هذه الزوجة لم تتلق أي عقوبة- من تلك العقوبات التي تقع على النساء الخائنات، وهي الإعدام، أو القتل غرقاً- لعدم وجود الأدلة الكافية.

لم يقف لين طويلاً، أمام الظواهر الحقيقية التي رصدها في مصر، بل ذكرها كمعلومة فقط دون البحث وراءها، ومن بينهما مثلاً: الارتفاع الملحوظ في عدد المكفوفين في العاصمة. وهذه الملاحظة أوردها في الصفحات الأولى من كتابه، لكنه على الفور تركها، ليغوص أكثر في عوالم الخرافات، والجن والسحر، الذي اكتفى برصدها فقط، دون أن يُخضعها لأي تحليل ثقافي أو أنثربولوجي، كما أن كتابه يخلو من أي وصف لمظاهر جمال وسحر الشرق، فجاء مؤلفه أجدباً خالياً من الروح الشرقية المميزة.

كتاب إدوارد لين الشائك والمحير، والذي –بحسب إدوارد سعيد - مثّل بجانب كتب أخرى، سلطة صارمة على كل من يتناولون الشرق في دراستهم، يدعونا ويُحفزنا إلى قراءة نقدية معمقة في كتابات المستشرقين التي تُكرس في أغلبها لأحقية الهيمنة الغربية على الشرق الضعيف.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard