صراع السلطة بين الدبيبة وباشاغا ينتقل إلى ضحايا فاجعة البنزين في الجنوب

الأربعاء 3 أغسطس 202205:04 م

انتقل الصراع على السلطة في ليبيا، إلى ضحايا الحريق الذي اندلع في شاحنة تنقل وقود الديزل إلى بلدة في جنوب البلاد.

بيد أن المفارقات الغارقة في الكوميديا السوداء لم تتوقف، فالبسطاء والسكان المحليون الذين حُرموا من التمتع بثروة بلادهم من النفط، احترقوا به، في فاجعة هي الأسوأ من نوعها على الإطلاق في تاريخ ليبيا المعاصر.

وتسبب احتراق نحو 40 ألف ليتر من البنزين من صهريج لنقل الوقود، في كارثة إنسانية غير مسبوقة، ضاعفها افتقاد الجنوب الليبي لكل الخدمات والصراع القائم بين حكومة الوحدة المؤقتة برئاسة عبد الحميد الدبيبة التي تمارس عملها في العاصمة طرابلس، وحكومة الاستقرار الموازية المدعومة من مجلس النواب برئاسة فتحي باشاغا.

ومنع الجيش الوطني الذي يقوده المشير خليفة حفتر، ويسيطر على المنطقة الجنوبية، مسؤولي حكومة الدبيبة من الظهور السياسي والإعلامي واستغلال الحادث، بعدما تعهّد الدبيبة رسمياً بنقل المصابين إلى مستشفيات كبرى.

سيطرة مفقودة

ولا تسيطر حكومة الدبيبة، التي تمارس عملها من العاصمة طرابلس، على الجنوب الخاضع منذ عام 2016 لسيطرة الجيش الوطني المتمركز في شرق البلاد، والذي سمح في المقابل لحكومة باشاغا الموازية بالعمل في مناطق خاضعة لهيمنته.

قال رمضان أبو جناح، وزير الصحة المكلف في حكومة الدبيبة، إنه تم اعتراض كافة الطائرات التي أرسلت إلى سبها، ولم يُسمح لها بمساعدة المصابين

وخلال العام الماضي، أطلق حفتر عمليةً عسكريةً في "الاتجاه الإستراتيجي الجنوبي"، بهدف "تعقّب الإرهابيين التكفيريين وطرد عصابات المرتزقة الأفارقة التي تهدد الأمن والاستقرار وتمارس النهب والسرقة والتخريب والتهريب بمختلف أنواعه".

خداع حكومي وطرد وزراء

وقال رمضان أبو جناح، وزير الصحة المكلف في حكومة الدبيبة، إنه تم اعتراض كافة الطائرات التي أرسلتها إلى سبها، ولم يُسمح لها بمساعدة المصابين، وأبلغ وسائل إعلام محلية أنه "فور تلقّينا نبأ حادثة انفجار شاحنة الوقود في بلدية بنت بيّة قمنا بإرسال الإسعاف الطائر محمّلاً بالمعدات اللازمة ولكن تم رفضها في مطار سبها، ولم يُسمح لها بأداء عملها.

ورفض آمر المنطقة العسكرية في سبها، فوزي المنصوري، التابع للجيش الوطني، السماح لوفد من حكومة الدبيبة ضم وزيرة خارجيتها نجلاء المنقوش، ووكيل وزارة الصحة توفيق الدرسي، بالنزول من طائرة حملته إلى مطار مدينة سبها، لنقل الجرحى.

وقال عميد بلدية سبها، إن الأجهزة الأمنية رفضت السماح بنزول المنقوش في مطار سبها، بعد اكتشافها على متن الطائرة القادمة من العاصمة طرابلس، لافتاً إلى أن جميع عمليات نقل المصابين تمت جواً إلى مدينة بنغازي في شرق البلاد.

وطبقاً لرواية محمد وحيدة، مدير مطار سبها الدولي، فقد حاولت حكومة الدبيبة خداع سلطات المطار الخاضع لسيطرة الجيش الوطني، عبر إبلاغها بأن الطائرة القادمة من مطار معيتيقة في العاصمة طرابلس، تحمل مستلزمات طبيةً وستقوم بنقل الجرحى، لكن تبيّن فور وصولها أن على متنها وفداً من حكومة الدبيبة، فما كان من سلطات المطار سوى أن طلبت منها المغادرة على الفور.

وأكد الرواية نفسها مصدر أمني من المطار لوسائل إعلام محلية، موضحاً أن المطار تلقّى بلاغاً بهبوط طائرة إسعاف بطاقم طبي لنقل مصابين، وفوجئوا بوجود المنقوش بين الطاقم، فطلبوا منها العودة من حيث أتت.

وعلل الرفض بعدم اتخاذ إجراءات التأمين في ظل احتقان أهالي الضحايا الذين يحتاجون إلى مسؤولين مختصين يقفون على مصابهم، لا إلى من يأتي لالتقاط الصور، وقال إن عمليات نقل المصابين إلى بنغازي تتم بالتنسيق مع قيادة الجيش الوطني.

وقال مدير مستشفى الحروق في تصريحات تلفزيونية، إن الفرق الطبية التابعة لحكومة الدبيبة مُنعت من الهبوط في مطار سبها، بالرغم من توجهها على متن طيران الإسعاف والطوارئ.

وأعلن أشرف خليفة، عميد بلدية بنت بيّة، الحداد 3 أيام، وطالب جميع الجهات بسرعة التدخل وإنهاء الأزمات، وحمّل مسؤولية الوضع الخدماتي والصحي السيئ للحكومتين المتنازعتين على السلطة في البلاد، وتساءل عما إذا كان سكان الجنوب تجارب فئران.

وغمز السفير الأمريكي ريتشارد نورلاند، من قناة الصراع بين حكومتي باشاغا والدبيبة، بعدما حثّ على التعاون الكامل من أجل تسهيل تدخّل خدمات الطوارئ.

وباشرت وزارة الداخلية في حكومة باشاغا، التحقيق في الواقعة، وأكدت في بيان رسمي، متابعتها للحالات المصابة ونقل الحالات الحرجة إلى مدينة بنغازي.

روايات متناقضة

وقال عثمان عبد الجليل، الناطق باسم حكومة باشاغا، ووزير الصحة فيها، إن خزان الوقود المنفجر كان مثقوباً، وروى أن سائق الشاحنة فصله على الطريق، قبل أن يؤدي استخدام أحد المواطنين مضخةً لسحب الوقود إلى تماسّ كهربائي أدى إلى الحريق والانفجار.

لكن مصادر محليةً، قدمت روايةً مغايرةً، وقالت إن المتوفين لقوا حفتهم خلال تعبئة الوقود من الشاحنة التي توقفت نتيجة عطل، وأوضحت أن هذا التدافع سببه نقص الوقود في المنطقة الجنوبية، وارتفاع سعره في السوق السوداء.

ونقلت وكالة رويترز عن مصدر أمني، إن الشاحنة تعرضت لحادث مروري وانقلبت، وقبل أن تشتعل فيها النيران، اقترب منها بعض الأشخاص من سيارات أخرى في محاولة لأخذ الوقود من صهريج الشاحنة.

دفع النزاع بين حكومتي الدبيبة وباشاغا، السكان المحليين في مدينة أوباري في الجنوب، للتظاهر قبل ساعات مطالبين سيف الإسلام، النجل الثاني للعقيد الراحل معمر القذافي، بالتدخل لإنقاذهم

وتابع: "اقترب (هؤلاء) المواطنون منها للتزود بالوقود من دون أن يدركوا حجم الخطر، ولسوء الطالع نشب حريق في الشاحنة وأسفر عن سقوط الضحايا".

وأبلغ أحمد ماتكو، عميد بلدية أوباري في الجنوب، وسائل إعلام محليةً، أن السّوق السّوداء هي المصدر الوحيد للتزوّد بالوقود وبأسعار خيالية، في ظل غياب الوقود المدعوم من الدولة.

ودفع النزاع بين حكومتي الدبيبة وباشاغا، السكان المحليين في مدينة أوباري في الجنوب، للتظاهر قبل ساعات مطالبين سيف الإسلام، النجل الثاني للعقيد الراحل معمر القذافي، بالتدخل لإنقاذهم، وأكدوا في بيانات لهم اعتزامهم الإعلان عن  حكومة ثالثة للتخلص مما وصفوه بالمهزلة، ولوّحوا باندلاع ما أسموه انتفاضةً شعبيةً كبرى في مدن الجنوب ضد الأوضاع المتردية وفساد الحكومات.

ارتفاع الإنتاج

وقبل يوم واحد فقط من الحادث، أكد فرحات بن قدارة، رئيس مؤسسة النفط، ومحمد عون وزير النفط في حكومة الدبيبة، ارتفاع إنتاج ليبيا اليومي من خام النفط إلى 1.2 مليون برميل، وهو المستوى نفسه الذي كان عليه قبل إعلان انتهاء أزمة توقف إنتاج النفط التي استمرت لنحو ثلاثة أشهر، وأدت إلى خفضه إلى أقل من نصف مليون برميل يومياً.

وتُعدّ أسعار الوقود في ليبيا الأرخص عالمياً، خاصةً مع دعمه حكومياً بقيمة تتخطى 6 مليارات دولار سنوياً، ولا يتجاوز سعر ليتر البنزين 0.10 دولار في ليبيا، ما دفع الشبكات الدولية لاستغلال رخص أسعاره في عمليات تهريبه، خاصةً دول حوض البحر المتوسط، إذ يمثّل تهريب الوقود إلى تونس المجاورة غرباً، وإيطاليا ومالطا شمالاً، نشاطاً يدرّ أموالاً كثيرةً.

ومنذ الإطاحة بنظام العقيد الراحل معمر القذافي، عام 2011، لم تتمكن ليبيا من الاستفادة من ثرواتها النفطية الضخمة وسط فوضى السلاح ووجود حكومتين متنافستين؛ الأولى في طرابلس يرأسها الدبيبة الذي يرفض تسليم السلطة، والثانية برئاسة باشاغا الذي يمارس عمله من مدينة سرت في وسط البلاد بعد أن عجز عن دخول العاصمة طرابلس.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard