"المهم ألّا تبقى بيروت شبيهةً بالكوابيس التي تُراودني"

الأربعاء 3 أغسطس 202202:55 م

فُجّرت بيروت، في 4 آب/ أغسطس 2020. منذ ذلك الوقت وأنا أتساءل عمّا إذا كانت أرقام الضّحايا دقيقةً. لا أدري ما هو الفرق بين من مات جسدياً، وبين من خسر جزءاً كبيراً من كيانه، أقلّه نفسياً.

أذكر كم كنت سعيداً في ذلك اليوم، وأنا ذاهب لرؤية أصدقائي بعد عودتهم إلى لبنان قادمين من الولايات المتّحدة. حملت حقيبة "اللابتوب"، الذي يحوي بعضاً من أعمالي التي أحببت أن أُطلع أصدقائي عليها. نزلت من الباص في منطقة العدليّة متوجّهاً نحو الأشرفيّة حيث ينتظرونني، وبالطّبع لم أنسَ التشبّث بالكمامة التي كانت محطّ اهتمامنا وحمايتنا.

"والله يا ابني الوضع من صعب لأصعب، كنّا بأزمة صرنا بكورونا... الله يعينّا"؛ هذا ما ردّده سائق سيّارة الأجرة ونحن في طريقنا إلى المقهى. زحمة السير الخانقة التي تزامنت مع عودة الناس من أشغالهم، أطالت الحديث بيني وبينه، فراح يفصّل لي المشكلة السياسيّة والاقتصاديّة في البلد بعد درايته بتخصّصي في مجال الصحافة. لم يكن الحديث مملًّا أبداً، وأعترف بتعمّق العمّ في دهاليز السياسة اللبنانية المعقّدة.

لا أعلم ما حصل

قبل الوصول إلى مقهى الأشرفيّة، رأينا الدخان يتصاعد من مكان قريب، فكان هذا دافعاً للعمّ لكي يستطرد في حديثه عن الفساد في هذا البلد. في البداية ظننت أن مجموعةً من الشبّان يقومون بقطع إحدى الطّرقات البحريّة كالعادة، بعد "انتفاضة تشرين"، إلّا أنّ دخان الدواليب لم يكن يوماً باللون الزهري.

أخذتُ رقم السائق لأتواصل معه عند الحاجة إلى أي تنقّلات في المنطقة، ونزلت من السيّارة وأنا أفكّر جدّياً في عمق الأزمة التي نمرّ بها. ترافق إغلاقي للباب مع صوت الانفجار الأول فضحك العم وقال: "شفت يا ابني كيف عايشين، ما تخاف بِكون شي قنينة غاز انفجرت بمبنى قريب".

استيقظت وأنا ملقى على الأرض والزّجاج يغطّي جسدي. لا أنسى كلمات صديقي المغترب وهو يمسك بيدي: "فؤاد نحن كلنا مناح"، والدموع تخط وجهه المجروح

مشيت في الشارع وأنا أُفكر في أمرَين: الأول هو شوقي إلى رؤية أصدقائي ومن أين ستبدأ أحاديثنا، والثّاني هو الدخان الذي رأيته والصوت الغريب الذي سمعته. كنت متأكّداً من أنّ هذا الصوت بعيد كل البعد عن صوت انفجار قارورة غاز. اقتربت أكثر فأكثر من المقهى، وإلى اليوم لا أملك تفسيراً لما حصل بالفعل عند الـ6:07 من عصر يوم الثلاثاء.

استيقظت وأنا ملقى على الأرض والزّجاج يغطّي جسدي. لا أنسى كلمات صديقي المغترب وهو يمسك بيدي: "فؤاد نحن كلنا مناح"، والدموع تخط وجهه المجروح. اكتشفت أنّ الكارثة التي حلّت بشوارع بيروت تفوق خطورة مئة وباء ككورونا. بيروت منكوبة. بحثت عن هاتفي في حقيبة "اللابتوب"، لكي أطمئنّ على سلامة أهلي، إذ من الممكن ألّا يكون الحظ حليفهم مثلي، لينجوا بأرواحهم. الدقائق التي فُقد فيها الإرسال، كانت أشبه بدهرٍ من الزمن.

أنا وبيروت تغيّرنا

منذ ذلك اليوم، لم أعد أرى بيروت جميلةً كما وُصفت في الكتب والروايات والأفلام. هي حقيقة ربّما يعدّها البعض مسيئةً لعاصمة دُمّرت أكثر من سبع مرّات، وأعيد إعمارها. ولأنّني قرّرت ألّا أتبنّى ثقافة النّكران، وأوهم نفسي بجمال العاصمة، انفصلتُ صراحةً عنها ولم أعد أجد بيني وبينها مساحةً للودّ بعد 4 آب/ أغسطس.

في السابق، كنت أتردّد بين الحين والآخر إلى بيروت بحكم أنّني أعيش بعيداً عنها. كان كلّ شارع يُمثّل قصّةً بالنسبة لي، وكان تعلّقي فيها يزداد بعد كل زيارة. اليوم، لا يزال كل شارع يحمل قصّةً، إلّا أنّ هذه القصص أصبحت عبارةً عن تخيّلات لما مرّت به هذه العاصمة في ذلك اليوم المشؤوم. صحيح أنه أُعيد إعمار شوارع الجمّيزة والأشرفية ومار مخايل، لكن شيئاً ما يهمس في أذني دوماً: "لا تنسَ ماذا حلّ بهذه الشوارع، ولا تنسَ أنّ بعضاً ممن كانوا هنا باتوا صوراً معلّقةً على جدران المنطقة أو جدران منازلهم".

من المستحيل أن تعود علاقتي ببيروت إلى ما كانت عليه. إلا أنّني أكتفي ولو بجزء صغير منها. المهم ألّا تبقى بيروت شبيهةً بكوابيس تُراودني بين الحين والآخر.

في أواخر كانون الأول/ ديسمبر من العام 2020، دُعيت إلى مقابلة عمل في منطقة الجمّيزة. ترددت كثيراً قبل الذهاب، إلا أنّ خسارة هذه الفرصة في ظل الوضع الاقتصادي الذي نمر به، أشبه بـ"رفس النّعمة". لسوء حظّي، صودف أن المكان الذي سأجري فيه المقابلة كان مواجهاً لإهراءات المرفأ، الشاهد الذي كان باقياً على ما حلّ بالمدينة.

لم أتخيّل أنّني قد أضطر إلى رؤية هذا المشهد كل يوم، وأوّل سؤال طرحته على المدير: "هل كنتم هنا عندما وقع الانفجار؟". انتهت المقابلة ولم يتم اختياري ضمن فريق العمل الجديد، وعندما بُلّغت بذلك لم أشعر بالإحباط أو الزعل. حقيقةً، راودتني مشاعر مختلطة، ربما نوع من الذعر من مشهد المرفأ أمامي كل يوم، وفي رأسي كان هناك شيء يخبرني بأن الرفض نوع من الهرب من مواجهة ذكرياتي مع المرفأ وانفجاره. شعور جعلني لا أكترث بأنني رُفضت.

جلساتنا

قبل الانفجار، كان شارع مار مخايل القريب من المرفأ والذي شهد دماراً هائلاً، مكاناً يعجّ بالحياة والفرح. اليوم، يعود إلى سابق عهده بعد أن رُمِّم ما أمكن منه. أقصده بين الحين والآخر وألتقي بأصدقائي، فننتهي غالباً إلى استعادة ذكريات كُل منّا مع الانفجار، والخوض، ولو قليلاً، في الأزمة المعيشية التي نمرّ بها.

"لبنان انتهى بعد التفجير. أصعب اللحظات كانت عندما انقطع الإرسال وكلٌّ منّا رسم سيناريو بأن أحداً من عائلته أو أصدقائه من ضمن الضحايا". هذا ما نصل إليه في كُل مرّة، وفي كُل مرّة نعيد النقاش ذاته ولا نملّ من الوصول إلى النتيجة ذاتها، فهل نحن أسرى ما حصل؟ الأرجح نعم.

كلٌّ منّا تعايش مع الفاجعة على طريقته؛ البعض تخطّاها وآخرون أنساهم الوضع الاقتصادي هول ما حصل، فيما لا يزال كثر غارقين في ذلك اليوم وويلاته. حاولوا مراراً تخطّيه لكنهم فشلوا. أعرف أصدقاء لجأوا إلى العلاج النفسي، لكن الواقع الذي يعيشه اللبنانيون اليوم لا يُساعدهم. أما أنا، فقد وجدت في منصّات التواصل الاجتماعي متنفّساً لي للتعبير عما في داخلي. أكثر ما أزعجني هي بعض ردود الفعل المستهزئة: "خفّفلنا دراما، خلص ما بدها هلقد".

كان من المستحيل تخطّي الموضوع في البداية، إلّا أنّ الظروف تحتّم علينا مواجهة ما نهاب. اتصالاتي التي تجاوزت الخمسين بإحدى الجمعيات المختصّة بالعناية النفسية، خير دليل على إصراري على الاستمرار، أو محاولتي أن أبقى متّزناً في كُل هذه الفوضى التي نعيشها. علّي أن أفلح في أن أنجو بنفسي.

أعود إلى نفسي، وأفكر في أن معاناتي قد لا تكون شيئاً أمام من خسروا أولادهم، أو من فقدوا طرفاً من أجسادهم. المبكي أن هؤلاء حُكم عليهم أيضاً بأن يشهدوا على بقاء المتورّطين والمتواطئين من دون أيّ محاسبة. تخيّلوا أنّ التحقيق في ثالث أكبر انفجار حول العالم متوقّف منذ أكثر من ستّة أشهر، واثنين من المطلوبين دخلوا إلى مجلس النوّاب من جديد وانتُخبا عضوين في لجنة الإدارة و"العدل" النيابيّة.

لا أدري كم مرّةً تمّ طعن الأهالي بعدما قضت عليهم الحياة بالضربة القاضية، وأفقدتهم أغلى ما لديهم. "الحقد" كلمة لا تكفي لوصف ما يراود خاطري من غضب وحرقة قلب. بيروت وسكّانها وأنا لا نستحقّ أن نُقتل في كلّ مرّة تتواطأ فيها السّلطة الحاكمة من أجل إحباطنا.

هي آخر ما تبقّى لنا من زحام هذا العالم. بالرغم من كلّ ما حلّ ببيروت من أوضاعٍ حالكة، أحاول ترميم هذه العلاقة مجدّداً بيني وبينها، لكن من المستحيل أن تعود إلى ما كانت عليه. إلا أنّني أكتفي ولو بجزء صغير منها. المهم ألّا تبقى بيروت شبيهةً بكوابيس تُراودني بين الحين والآخر.

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard