بفضل المحكمة الدستورية المغربية... عودة سياسي إلى البرلمان تسائل نزاهة الانتخابات

الثلاثاء 2 أغسطس 202204:51 م

أصدرت المحكمة الدستورية، يوم الجمعة 29 تموز/ يوليو، قراراً يقضي بإلغاء ما أعلنت عنه لجنة الإحصاء بشأن انتخاب محمد أرجدال عن حزب التجمع الوطني للأحرار، في الانتخابات التشريعية التي أجريت في الثامن من أيلول/ سبتمبر 2021، في الدائرة الانتخابية المحلّية "كلميم" (جنوب المغرب)، لتعلن فوز عبد الرحيم بوعيدة عن حزب الاستقلال، وانتخابه عضواً في مجلس النواب.

هذا القرار أعاد طرح السؤال عن نزاهة العملية الانتخابية في المغرب إلى واجهة النقاش، وخلق جدلاً إذ يتساءل البعض عن مدى شفافية نتائج الاقتراع الأخير.

"انتصار للديمقراطية والشفافية"

في أول خروج لبوعيدة، وهو من أبناء إحدى كبريات عائلات في جهة كلميم واد نون، عقب إعلان المحكمة الدستورية عن فوزه بالمقعد البرلماني عن دائرة كلميم، رأى في مقطع فيديو نشره على صفحته الرسمية في موقع التواصل الاجتماعي فيسبوك، أن قرار المحكمة "جريء"، مشيراً إلى أن هذا الأخير ستكون له قراءات، وسيكون له ما بعده، لأنه يعكس ثقته بالمؤسسات الدستورية، إلى جانب القضاء، الذي أنصفه وأنصف المواطنين الذين صوّتوا له، وفق تعبيره.


من جهته، أكد حزب الاستقلال، أن هذا الخبر "أثلج صدر قيادة الحزب وقاعدته، ويعدّ انتصاراً حقيقياً للديمقراطية في بلد يؤمن بالحق والقانون، وقد تحقق الأمر من خلال الجهود المبذولة من طرف كل مكونات الحزب بقيادة أمينه العام الأخ نزار بركة، بعد تقديم كل الطعون اللازمة لهيئة المحكمة التي أنصفت بوعيدة".

تعليقاً على هذا القرار، قال رشيد لزرق، أستاذ العلوم السياسية والقانون الدستوري في جامعة ابن طفيل في القنيطرة، إن المشرّع الدستوري المغربي جعل من المحكمة الدستورية دعامةً لتحصين دولة القانون، كونها مؤسسةً دستوريةً تسهر على سمو الدستور، مشيراً إلى أن من أبرز اختصاصاتها الأساسية، فضلاً عن الرقابة على مدى دستورية القوانين، هو  الاختصاصات المتعلقة بمجال الرقابة على الانتخابات وعملية الاستفتاء، وهو دور تتجلى أهميته في مدى حرص المجلس على ضمان سير العملية الديمقراطية في أحسن الظروف، مما قد ينعكس إيجاباً على إرساء مقومات دولة القانون.

قرار المحكمة الدستورية بتغيير نتائج انتخابات دائرة كلميم لصالح عبد الرحيم بوعيدة  أعاد طرح السؤال عن نزاهة العملية الانتخابية في المغرب إلى واجهة النقاش، وخلق جدلاً إذ يتساءل البعض عن مدى شفافية نتائج الاقتراع الأخير

بهذا الخصوص، يضيف لزرق، في حديثه إلى رصيف22، أن اللجوء إلى القضاء سلوك حضاري، لذلك فإن المحكمة الدستورية ذهبت، في القضية المشار إليها أعلاه، إلى تغيير النتيجة المعلَن عنها في اقتراع 8 أيلول/ سبتمبر 2021، وأصدرت قراراً بموجبه أُعلن فوز عبد الرحيم بوعيدة بمقعد في مجلس النواب، طبقاً للمادة الـ39 من القانون التنظيمي للمحكمة الدستورية، التي تنص، بصفة خاصة، على أن "للمحكمة الدستورية، إذا قضت لفائدة الطاعن، إما أن تلغي الانتخاب المطعون فيه، وإما أن تصحح النتائج الحسابية التي أعلنتها لجنة الإحصاء وتعلن، عند الاقتضاء، المرشح الفائز بصورة قانونية".

عودة الجدل حول نزاهة الانتخابات

بمجرد الإعلان عن استحقاقه لعضوية مجلس النواب، تبعاً لقرار المحكمة الدستورية، غصّ موقع فيسبوك بالتدوينات التي تفاعلت مع هذا الحدث، إذ عدّ الناشطون أنه يؤكد وجود "تجاوزات" في الانتخابات التشريعية الأخيرة ويبعث "الشك" في مصداقية نتائجها.

في هذا الإطار، قال الصحافي المغربي يونس مسكين، في تدوينة على حسابه الرسمي في الموقع إن "تفاصيل قرار المحكمة الدستورية تنطوي على فضيحة كبرى، واستهتار كبير بالإرادة الشعبية، وتلاعب بالأصوات وتزييف للأرقام"، مضيفاً: "197/ 22 سيكون له ما بعده"، في إشارة إلى قرار المحكمة الدستورية.

من جانبها، كتبت الصحافية المغربية حنان باكور، عبر حسابها في الموقع ذاته، تعليقاً على هذا القرار، ما يلي: "جزء من الخروقات التي شابت العملية الانتخابية في الدائرة المحلية ‘كلميم’ في الثامن من أيلول/ سبتمبر الماضي، حولت مقعداً مستحقاً للاستقلالي عبد الرحيم بوعيدة بقوة الأصوات، لمحمد أردجال مرشح حزب التجمع الوطني للأحرار بقوة ‘التنوعير’ (الفهلوة)".

على المنوال ذاته، علّق الصحافي المغربي محمد النجاري على هذا القرار بالقول: "الموضوع ليس مجرد تصحيح خطأ. نحن أمام مهزلة انتخابية تسائل نزاهة العملية برمتها، وتعيد طرح التساؤلات حول مصداقية نتائج 8 أيلول/ سبتمبر"، مؤكداً أن "حتى الأبله لن يصدّق حدوث كل هذه الأخطاء من دون سابق إصرار. ما وقع يقتضي المحاسبة".

المحكمة الدستورية بعد تحقيقها في أي طعن انتخابي مقدّم ضد أعضاء مجلس النواب، يمكن لها إلغاء نتيجة الاقتراع كلياً

في المقابل، يرى رشيد لزرق، المتخصص في الأحزاب السياسية، أن هذه الواقعة لا تسيء إلى نزاهة الانتخابات وشفافيتها الأخيرة، بل العكس هو الصحيح، لأن نزاهتها تكون من خلال إشراف مؤسسات، وهو الشيء الحاصل في هذه النازلة، حسب المتحدث نفسه.

يؤكد لزرق، في سياق حديثه إلى رصيف22، أن المحكمة الدستورية بعد تحقيقها في أي طعن انتخابي مقدّم ضد أعضاء مجلس النواب، يمكن لها إلغاء نتيجة الاقتراع كلياً كما وقع في دائرة الحسيمة (شمال المغرب)، تترتب عليه إعادة العملية الانتخابية من جديد، وخوّل لها القانون أيضاً الحق في التصدي، وإعلان الطاعن فائزاً في العملية الانتخابية، من خلال تصحيح النتائج الحسابية للعملية، وهذا ما وقع في قضية عبد الرحيم بوعيدة.

وإذا كان لزرق يرى أن هذه "التجاوزات" "مسألة عادية"، تطرأ في كبريات الديمقراطيات، وهي مهمة مؤسسات خُلقت من أجلها لتصحيح الاختلالات عبر إعمال القانون وفق ما تتوفر عليه من صلاحيات، فإن المحلّل السياسي عبد الرحيم العلّام يشدد، في حديثه إلى رصيف22، على أن الحلّ الذي يمكن أن يحدّ من انتشار مثل هذه الخروقات والتجاوزات في المغرب وضبطها في الاستحقاقات الانتخابية المستقبلية، يكمن في إحداث هيئة خاصة ومستقلة تشرف على العملية الانتخابية وتسهر عليها كما هو الشأن في الأنظمة الديمقراطية في العالم.

هل فيديوهات بوعيدة "الجريئة" هي السبب؟

عقب الإعلان عن نتائج اقتراع الثامن من أيلول/ سبتمبر 2021، اتهم عبد الرحيم بوعيدة، والي كلميم بـ"تزوير" نتائج الانتخابات و"تفويت" مقعده لصالح مرشح حزب التجمع الوطني للأحرار، ما جعله يدخل في اعتصام أمام مقر ولاية الجهة برفقة أنصاره، قبل أن يقرر اللجوء إلى القضاء لاسترجاع حقه.

وكسبت قصته آنذاك تضامناً واسعاً على مواقع التواصل الاجتماعي، وجذبت صفحته الرسمية على فيسبوك آلاف المتابعين.

وفي الوقت الذي كان ينتظر فيه كلمة القضاء في الطعن الذي تقدم به بوعيدة، الذي كان ينتمي إلى حزب "التجمع الوطني للأحرار" قبل أن ينتقل إلى مركب حزب "الاستقلال"، كان يبثّ مقاطع فيديو عبر صفحته الرسمية توصف بـ"الجريئة"، إذ يتفاعل فيها مع الأحداث السياسية الجارية، منتقداً الحكومة المغربية والمسؤولين السياسيين، بلهجة "شديدة وحادة"، وتحظى بملايين المشاهدات، مما جعل بعض الناشطين يرجّحون أن فيديوهاته هي التي ساهمت في استعادته مقعده البرلماني.

عقب الإعلان عن نتائج اقتراع الثامن من أيلول/ سبتمبر 2021، اتهم عبد الرحيم بوعيدة، والي كلميم بـ"تزوير" نتائج الانتخابات و"تفويت" مقعده لصالح مرشح حزب التجمع الوطني للأحرار

وفي هذا السياق، ينفي عبد الرحيم العلام، أستاذ القانون الدستوري والفكر السياسي في جامعة القاضي عياض في مراكش (التي يعمل فيها بوعيدة أستاذاً)، في حديثه إلى رصيف22، بشكل قاطع، أن يكون هذا الكلام صحيحاً، لافتاً إلى أنه لا يمكن لهذه الفيديوهات أن تؤثر في قضاة المحكمة الدستورية الاثني عشر أو قرارتهم.

"سأظل مشاكساً ومكافحاً ومنافحاً"

تساءل عدد من الناشطين المغاربة عما إذا كان عبد الرحيم بوعيدة سيبقى متشبثاً بمواقفه بعد انتخابه عضواً في مجلس النواب. وفي هذا الصدد، قال بوعيدة، في الفيديو الذي بثه عبر صفحته في فيسبوك، إن قرار المحكمة الدستورية لم يُعِد له مقعده البرلماني فقط، بل استعاده أيضاً المواطنون الذين آمنوا به واختاروه عن قناعة، مضيفاً أن اختيار هؤلاء المواطنين له ليس لكونه "منقذاً"، وإنما لكونه "إنساناً يدافع بكل حرقة عن وطنه وعن تطلعات المواطنين وآلامهم في مجتمع يضمن الكرامة والعدالة الاجتماعية"، حسب تعبيره.

وأكد بوعيدة أن حصوله على المنصب البرلماني لن يغيّر في شخصه شيئاً، لافتاً إلى أنه "سيظل مكافحاً ومشاكساً ومنافحاً عن قضايا المواطنين، ومبرزاً أنه سينقل هذه القضايا إلى قبة البرلمان والترافع فيها عندما تتاح له الفرصة".

وتابع بالقول: "المبادئ والقناعة والإيمان بالوطن والدفاع عن مؤسساته وقضايا مواطنيه ستبقى الهاجس الوحيد الذي يحرّكنا"، مشدداً على أن صفحته الرسمية على موقع فيسبوك، التي يتابعها ما يقارب المليوني شخص من داخل المغرب وخارجه، ستظل منبراً مفتوحاً ونافذةً وبرلماناً موازياً للبرلمان الرسمي، من دون التخلي عن القضايا الأساسية للمواطنين، بالإضافة إلى الدفاع عن القضايا الإستراتيجية للمملكة المغربية وثوابتها.

يُذكر أنه بخلاف إعلان فوز عبد الرحيم بوعيدة بمقعد نيابي، قضت المحكمة الدستورية، يوم الإثنين 1 آب/ أغسطس 2022، بعدم قبول 27 طعناً تتعلق بانتخاب أعضاء مجلس النواب، وبرفض 28 طلب إلغاء، وذلك في ما يتعلق بالانتخابات التشريعية التي شهدها المغرب يوم 8 أيلول/ سبتمبر 2021، على إثر بتّها في المنازعات الانتخابية المتعلقة بهذا الاقتراع.   

وقضت هذه المحكمة أيضاً، بإلغاء انتخاب 16 عضواً في مجلس النواب، وبتصحيح نتيجة اقتراع في دائرة انتخابية محلّية واحدة.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard