خائن للقوميين، ومنبوذ من الفرنسيين... الوافي بوقرة الموهوب الذي أسره النسيان

الأربعاء 3 أغسطس 202210:15 ص

نشرت صحيفة "لوفيغارو" الفرنسية، في الرابع عشر من نيسان/ أبريل من العام الجاري، تقريراً صحافياً يروي فيه الصحافي بول كارسنياك Paul Carcenac، قصة الشريط الهزلي الذي أعدّه مع صديقين آخرين له عن البطل الأولمبي المنسي، بوقرة الوافي، الفرنسي والجزائري الأصل.

بول الذي كان رياضياً هاوياً في سنة 2017 لسباقات الماراثون، وشغوفاً بأبطالها، وقع عبر البحث في الأرشيف على هذه الشخصية العظيمة التي بالرغم من مسار حياتها الدرامي، كانت مذهلةً حقاً.

يبدو من سيرة بوقرة الوافي الملقب بـ"العربي الصغير"، و"الغزال الأسمر"، والمولود مع نهاية القرن التاسع عشر، أنه كان من "المُستعمَرين" عن طيب خاطر، عندما كانت الجزائر تحت الحكم الاستعماري الفرنسي، ولم يسعفه حصوله على الذهب الأولمبي في أن يصبح "فرنسياً كاملاً"، ولا أن يحظى بالاعتراف به كـ"جزائري"، فلم يغفر أحد له مشاركته في الأولمبياد تحت الراية الاستعمارية.

لذا غدا من جهة، ضحية الصراع السياسي بين فرنسا والحركة الوطنية المطالبة بالاستقلال والرافضة لقوانين الاندماج،  وقوانين اللا احترافية في فرنسا، مطلع ثلاثينيات القرن الماضي، بالإضافة إلى خياراته الفردية، لتنتهي حياته اغتيالاً بالرصاص سنة 1959. قصة هذا البطل أثّرت في الكاتب الفرنسي فابريس كولان Fabrice Colin، الذي ألّف كتاباً يروي فيه سيرة حياته بعنوان "Le mirage Elouafi"، أو "سراب الوافي"، ويحاكي مسيرته من الفقر إلى القمة، ثم إلى النسيان الطويل.

من هو الوافي بوقرة؟   

وُلد أحمد الوافي بوقرة، في منطقة أولاد جلال نواحي قسنطينة في 15 تشرين الأول/ أكتوبر سنة 1898. ثمة التباس كبير حول اسمه بسبب الفترة الطويلة التي قبع فيها البطل "طي النسيان"، إذ يُشكّ في الترتيب الدقيق لاسمه ولقبه. ويذكر الصحافي الفرنسي أنوك راماكرز، في مقالة منشورة له بعنوان" الحياة المأساوية للوافي بوقرة"، في مجلة "زاتوبك" الفرنسية، في كانون الأول/ ديسمبر 2021، أن هذه الالتباس ربما يعود إلى أن المسؤولين الاستعماريين كانوا يسجّلون أسماء السكان الأصليين صوتياً فحسب.

بينما يذكر أحد أقربائه غير المباشرين، أن اسمه الوافي، ولقبه بوقرة، كما يتضح من شهادة قبره في المقبرة الإسلامية في بوبيني في منطقة سان دوني الباريسية، وكما ورد في تقرير لوكالة فرانس برس الفرنسية، نُشر في تموز/ يوليو 2016. 

يبدو من سيرة بوقرة الوافي الملقب بـ"العربي الصغير"، و"الغزال الأسمر"، والمولود مع نهاية القرن التاسع عشر، أنه كان من "المُستعمَرين" عن طيب خاطر، عندما كانت الجزائر تحت الحكم الاستعماري الفرنسي، ولم يسعفه حصوله على الذهب الأولمبي في أن يصبح "فرنسياً كاملاً"

عاش في أسرة متواضعة، وفقيرة، وتعلم الركض في طريقه اليومي إلى المدرسة، إذ كان يقطع كيلومترات في مسارات ودروب متعرجة ووعرة في تلك المنطقة الجبلية الجزائرية، ثم ارتحل إلى فرنسا عام 1918، ملتحقاً بسلك الجندية إبان الحرب العالمية الأولى، مع مئة وسبعين ألفاً من سكان المستعمرات الفرنسية. لكنه لم يعرف الجبهات لانتهاء الحرب قبل وصوله إلى أوروبا.

لكنه بقي في منطقة الرور منتسباً إلى قوات الدرع، وكانت أركان الجيش خائفةً من تجدد المعارك، لذا بقي بوقرة مع رفاقه في حالة استنفار دائم نتيجة الهدنة، ما أصابهم بالملل، فقاموا بتنظيم مسابقات رياضية في ما بينهم. وهناك، تم اكتشاف موهبة الوافي الرياضية الكبيرة، فقد كان قادراً على الجري لساعات بلا كلل، متجاوزاً قدرة أي شخص آخر.

الطريق نحو الذهب

مضت سنوات خمس، حتى تمكّن من إبراز مواهبه بفضل ملازم فرنسي رشّحه للمشاركة في سباق المسافات الطويلة سنة 1923. وسرعان ما غدا بطلاً لفرنسا في هذا الاختصاص في السنة التالية، ليشارك في أولمبياد باريس في العام نفسه من دون أن ينجح في حصد أي ميدالية محرزاً المركز السابع في سباق الماراثون.

بعد تسريحه من الخدمة، بعد انتهاء فترة تجنيده، وبقائه من دون أي مورد مادي، انتقل للعمل بصفة متجرد-عامل، في شركة السيارات "رينو"، على خطوط التجميع في مصانع بيلانكور، حيث انتسب إلى النادي الرياضي المتعدد الرياضات والتابع للشركة. واصل الوافي الجري يومياً لمسافة 15 كيلومتراً، حالماً بالذهب الأولمبي. تُوّج للمرة الثانية بطلاً لفرنسا سنة 1927، وتم اختياره ضمن الفريق الفرنسي للمشاركة في أولمبياد أمستردام الهولندية صيف 1928. 

بالرغم من إنجازاته الرياضية السابقة في فرنسا، لم يكن أحد يعوّل على الوافي في تحقيق شيء يُذكر في أمستردام. فعند خط البداية للماراثون الأولمبي، لم ينظر أحد إلى حامل الرقم (71) مختوماً بالديك الأزرق والأبيض والأحمر، والقادم من الجزائر. كان يحتل المركز العشرين في السباق قبل عشرة كيلومترات من خط النهاية. لكن ما حدث بعد ذلك كان أشبه بالمعجزة. فقبل خمسة كيلومترات من النهاية، صعد إلى المركز الثالث، ثم تمكّن من تجاوز منافسيه الأمريكي (جوي راي) والياباني (كانيماتسو  يامادا) والتشيلي ( مانويل لاباز)، ليفوز بالسباق الكبير في ساعتين و32 دقيقةً و52 ثانيةً، حاصداً الميدالية الذهبية الوحيدة لفرنسا في تلك المشاركة. يقول الوافي بحسرة عن التجاهل الذي تعرّض له بعد الفوز، وعدم تقدير إنجازه، كما ورد في كتاب "سراب الوافي" لفابريس كولان: "لم يكترث أحدٌ بي"، بينما "استُقبل العدّاء التشيلي من رئيس بلده الذي أهداه سيارةً نظير تتويجه بالمرتبة الثانية".  

نحو النسيان

بعد أن اختبر الوافي لحظة المجد الوجيزة، اللحظة التي ستنقلب ضده، ولتحسين حياته محاولاً الإفادة من فوزه الأولمبي، قرر الموافقة على دعوة أحد المروّجين الأمريكيين، ليذهب إلى الولايات المتحدة ليشارك في عروض السيرك الاحترافية، حيث كان يركض ضد الرجال والحيوانات، فظهر في ماديسون سكوير في نيويورك.

لم يبقَ من مجده الأولمبي السابق شيء عندما أصابته رصاصة في تبادل غامض لإطلاق النار. وبينما يتحدث البعض عن نزاع عائلي حول الميراث، وهذه الفرضية تدحضها بنات أخيه الحاضرات في يوم المأساة، ويقلن إنه "ربما" كان ضحيةً لهجوم شنته جبهة التحرير الوطني الجزائري

يروي الوافي نادماً، ولا يقدّم نفسه كبطل أولمبي بقدر ما يظهر إحساساً بالدونية تجاه نفسه كمجرد عامل في مصنع سيارات، عن ذلك القرار لأحد الصحافيين في سنة 1956، كما ورد في تقرير وكالة فرانس برس السابق الذكر، قائلاً: "كنت مهووساً بالموافقة على عبور الأطلسي، لكنني لا أعرف ما إذا كنت تدرك ما يعني لي، كعامل في مصانع رينو، أن أذهب إلى أمريكا! إنها جميلة، كما تعلم".

عاد بعد ذلك إلى فرنسا مجدداً، لكن اللجنة الأولمبية الوطنية والاتحاد الفرنسي لألعاب القوى، منعاه من المنافسة مجدداً مدى الحياة، حسب النصوص الفيدرالية التي كانت تُحرّم على الرياضي الحصول على أموال من رياضته. فحاول استثمار مدّخراته في مشروع تجاري، وقرر فتح مقهى في العاصمة باريس، لكنه سرعان ما تعرّض للخديعة عن طريق شريكه. يقول الوافي حول ذلك: "وضعت البنسات القليلة التي أملكها في محل تجاري (مقهى). لكنني شخص أخرق، لقد خدعني شريكي". وانزلق على إثر تلك الحوادث إلى المجهولية، وبقي حبيس التاريخ المنسي، حتى جاء ابن بلده، آلان ميمون (1923-2013)، البطل الفائز بالماراثون مجدداً بعد ثمانية وعشرين عاماً من الوافي في أولمبياد ملبورن سنة 1956، ليعيد بعض الكرامة لابن بلده المنسي، ويحظى الوافي بتقدير أخوي، وإن كان متأخراً جداً، وجرى استقباله كما يليق ببطل في قصر الإليزيه.

الاغتيال المحيّر

توفى الوافي بوقرة، إثر تعرضه للاغتيال في 18 من تشرين الأول/ أكتوبر سنة 1959، في خضم حرب التحرير الجزائرية، ما يؤكد المزاعم التي تروى حول هذه العملية بوصفها "اغتيالاً سياسياً". إذ كان الوافي يغيش حياة فقر في سان دوني بالقرب من باريس، في غرفة فوق مقهى يملكها صهره، وكان بالكاد يخرج إلى العالم حتى لا يخلق الشفقة لدى أحد.

لم يبقَ من مجده الأولمبي السابق شيء عندما أصابته رصاصة في تبادل غامض لإطلاق النار. وبينما يتحدث البعض عن نزاع عائلي حول الميراث، وهذه الفرضية تدحضها بنات أخيه الحاضرات في يوم المأساة، ويقلن إنه "ربما" كان ضحيةً لهجوم شنته جبهة التحرير الوطني الجزائري التي كانت تفرض "ضريبةً ثوريةً"، وتهاجم أحياناً من يتخلف عن الدفع، وهو ما يبدو أيضاً فرضيةً بعيدة.

لكن تقرير فرانس برس السابق الذكر، يقول إن عملية الاغتيال كانت في إطار ما يُسمّى بـ"حرب القهوة"، بين ال "ج.ت.و"، وعدوّها السياسي الحركة الوطنية الجزائرية، لتولّي زمام القيادة في النضال من أجل الاستقلال في فرنسا. وقد تكون تلك الطلقة مجرد طلقة "طائشة" أوقعت الوافي صريعاً، وكان مجرد ضحية لتصفية حسابات بين طرفي النضال الوطني، وعندها سقط اسمه طيَّ النسيان. 

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard