"كسرة تفكير بلا خوفٍ أسمّيها الوطن"... صدقتَ يا أحمد مطر

الجمعة 5 أغسطس 202212:22 م

إن كنتَ قد سمعتَ يوماً باسم الشاعر أحمد مطر، فلا بدّ أنك قد سمعتَ به متأخراً. فلقد حجبوا اسمه وشعره عن أي منهجٍ دراسيّ لا يتوافق مع منهج "الأدلجة" الذي تتبعه أغلب الأنظمة التعليمية في البلدان العربية، وهو الشاعر الذي كان يطالب "بالرغيف واللبن وتأمين السكن وتوفير المهن والدواء للفقير دونما ثمن"، وقد انتهى به المطاف تائهاً في طرقات الوطن وهو يسأل: "أين صاحبي حسن؟". وأي دولةٍ لها مصلحةٌ في أن يكون قائل "فوق نعلي كلُّ أصحاب المعالي"، صاحب اسمٍ في سجلاتها أو صاحب ورقةٍ يُكتب عليها اسمه؟

رفض شاعرنا الكبير أن يلبس ثوب الفرح في المآتم، وأن يغنّي في البلاط ويصدح بصوته لكي تطرب أذن السلطان.

رفض ارتداء ثوب الفرح في المآتم

رفض شاعرنا الكبير أن يلبس ثوب الفرح في المآتم، وأن يغنّي في البلاط ويصدح بصوته لكي تطرب أذن السلطان. لم يكن أحمد مطر وحيداً في هذا الخندق. يحدثني صديقي "عليّ" نقلاً عن والده النقيب الذي يعمل في دمشق، عن البيئة القروية التي رفضت والده ونبذَته. قال لي والحنق يشتعل في عينيه: "جريمة والدي كانت رفضه تسليم الزكاة للشيخ، وأصرّ أن يعطيها بنفسه للمحتاجين من دون وسيط". قامت الدنيا ولم تقعد على والده، وقاطعه الجميع وامتنعوا عن زيارة بيته وقاطعوا كل من يحاول زيارته أو يدخل بيته. هذه القرية الصغيرة تُجسّد المثال الأقرب لمفهوم الوطن! نبذَت من شرب ماءها وذاب عرقه بين حبات ترابها، وربما "يستشهد" في أي لحظةٍ فداءً لها، وفداءً لأناسٍ تخلوا عنه لأتفه الأسباب. هنا يصرخ والده متقمصاً شخصية أحمد مطر، قائلاً: "نموت كي يحيا الوطن؟ من بعدنا يبقى التراب والعفن! نحن الوطن".

"خذه... وأعطني به

كسرة تفكير بلا خوف أسمّيها الوطن"

بعدما قرأتُ هذا البيت لأحمد مطر، تدافعت في رأسي الأسئلة وتصادمت، حتى بدأ الصداع يسيطر على رأسي، كالحمى تماماً التي بقدر ما تزعجك وتؤرقك فهي تحفز جسدك على التخلص من الميكروبات التي تهاجمه. وهذه هي بداية كل تغييرٍ: صداعٌ وأرقٌ وإعياء من فرط التفكير.

فكم من مرةٍ كنتُ أتكلم فيها أمام الضيوف والجيران، ولا أحسّ سوى "بلطمةٍ خفيفة" تقول ببلاغة "اصمت، إنهم ضيوفنا". هل يمكن تسمية هذا بالوطن؟ هل "الوطن" هو مكانٌ تتكلم فيه بالطريقة التي يريد بها الحاضرون أن تتكلم؟ هكذا كنتُ أحسّ الوطن: مكان تقولب فيه ذاتك لتتماهى مع ما يحيط بها من نسخٍ مكررة.

"على كل حال، شعري هيك عاجبني". هل تصح تسمية الوطن على هذه البيئات التي لا تكتفي برفض الاختلاف بل تهاجمه حتى يصبح مثلها، وتتدخل في أدق خصوصيات الإنسان؟ هل يعني مفهوم الوطن تجميع أشخاصٍ لهم تسريحة الشعر ذاتها؟ ولهم رأيٌ واحدٌ؟ وتفكيرٌ واحدٌ؟

نعم لقد صدقتَ يا أحمد مطر: "كسرة تفكير بلا خوفٍ أسمّيها الوطن". في أثناء عملي في المشفى يدخل شابٌّ في العشرينات من عمره، وكان شعره طويلاً بعض الشيء وفي نهايته ربطةٌ صغيرة. بعد علاجه وخروجه، تنفخ الممرضة الهواء من صدرها قائلةً: "رابط شعراتو ومسمّي حالو شب، الله يجيرنا من هالجيل". جاهدتُ نفسي على الصمت وعدم الإدلاء برأيي، إلى أن جاءتها الموافقة من الطبيب الأخصائي ذي الخمسين عاماً: "منظرٌ مقرفٌ بدأ ينتشر بكثرة في الآونة الأخيرة"، هنا جاوبته: "هو بنظر نفسه جميل وهذا يكفيه، ليس بالضرورة أن يتدخل الجميع في تسريحة شعره". هنا لم يرضَ الطبيب الخمسينيّ أن يأتيه ردٌ من ممرض في مقتبل العمر، فبدأ يبرر رأيه: "يجب علينا احترام عادات المجتمع. أنت قد تنظر إلى لوحة تثير في نفسك الحزن أو الخوف أو الغضب". وبعد أن أجبته بـ"لكن ليس من حق أحدٍ رمي اللوحة أو تمزيقها"، أجابني غاضباً: "إي عمول شعرك طويل ما حدا ماسكك".

"على كل حال، شعري هيك عاجبني". هل تصح تسمية الوطن على هذه البيئات التي لا تكتفي برفض الاختلاف بل تهاجمه حتى يصبح مثلها، وتتدخل في أدق خصوصيات الإنسان؟ هل يعني مفهوم الوطن تجميع أشخاصٍ لهم تسريحة الشعر ذاتها؟ ولهم رأيٌ واحدٌ؟ وتفكيرٌ واحدٌ؟

"تُفٍّ على هذا الوطن"

لم أجد أصدق من تعريف الوطن كما صاغته مارغريت يورسنار: "إنه المكان الذي نستطيع فيه إلقاء نظرة ثاقبة على أنفسنا". فكل مكان تستطيع فيه فهم نفسك أكثر، والتعرف على طاقاتك الكامنة وإخراج كنوزك المدفونة هو بالتأكيد وطنك. وطنك هو مكان ولادة ذاتك أكثر مما هو مكان خروجك من رحم أمك. هذا يتفق مع ما قاله أحمد مطر ولو بأسلوبٍ أكثر قوةً:

" تفٍّ على هذا الوطن!

وألف تفٍّ مرةً أخرى!

على هذا الوطن

إن لم يكن بنا كريماً آمناً

ولم يكن محترماً

ولم يكن حُرّاً

فلا عشنا... ولا عاش الوطن".

فكل مكان تستطيع فيه فهم نفسك أكثر، والتعرف على طاقاتك الكامنة وإخراج كنوزك المدفونة هو بالتأكيد وطنك. وطنك هو مكان ولادة ذاتك أكثر مما هو مكان خروجك من رحم أمك

"والسَّهمُ لولا فراق القوسِ لم يصِبِ"

أصبحتُ أعرف تماماً أنّ الوطن هو نقيض الخوف والحاجة والكبت، وإن لم تتوافر هذه الشروط فما علينا سوى بما قاله الإمام الشافعي:

"ما في المقامِ لذي عقلٍ وذي أدب

مِنْ رَاحَةٍ، فَدعِ الأَوْطَانَ واغْتَرِبِ

إني رأيتُ وقوفَ الماءِ يفسدُهُ

إِنْ سَالَ طَابَ وَإنْ لَمْ يَجْرِ لَمْ يَطِبِ

والأسْدُ لولا فراقُ الأرضِ ما افْترستْ

والسَّهمُ لولا فراقُ القوسِ لم يصِبِ

والشمسُ لو وقفتْ في الفلكِ دائمةً

لَمَلَّهَا النَّاسُ مِنْ عُجْمٍ وَمِنَ عَرَبِ".

لا أريد أن أبخس الوطن حقه، فإن أعطاني فضةً أُعطيه ذهباً، وإن أعطاني ثمرةً أُعطيه شجرةً، وإن أهداني كتاباً أُهديه مكتبةً، ولكن إن صفعني على خدّي الأيمن فلن أُدير له خدّي الأيسر، فالبلاد التي تجور عليّ ليست بلادي، والأهل الذين يضنون عليّ ليسوا أهلي.

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard