الشباب المسيحي المصري بين "الكابوريا" و"حماة الإيمان"

الثلاثاء 2 أغسطس 202210:36 ص

صورة واحدة للبابا تواضروس وسط شابين صغيرين نُشرت الأسبوع الماضي، أعادتني إلى ربع قرن مضى في قريتي الصغيرة، يوم سألت الأبونا، في سن الأسئلة الشائكة والمراهقة، إن كان عدم تقبيل يد الكاهن يُعد خطيئةً أم لا، ويردّ عليّ بإجابة أتذكرها جيداً، بل صارت منهجاً لي في الحياة. يومها نفى الكاهن خطيئة عدم تقبيل يده، وأكمل: "لكن هل ستتحمل كلام الناس اللي ها يقولوه عنك لما يشوفوك بتعمل كده؟". يومئذ قررت أن أفعل ما أراه يناسبني وما أنا مقتنع به، ضارباً كلام الناس عني بعرض أقرب حائط. تحملت كل تبعيات ذلك القرار، لكنهم لم يتحملوا ذلك، وحملوني على الفرار، طوال ربع قرن من الزمان، إلى درجة جعلت أمي تشبّهني بـ"الخروف الضال".

كانت الصفحة الرسمية للمتحدث باسم الكنيسة القبطية الأرثوذكسية قد نشرت صورةً للبابا تواضروس الثاني، بطريرك الأقباط الأرثوذكس، مع شابين أحدهما له شعر طويل قام بعقده بـ"توكة"، بينما حلق الآخر شعره على طريقة "الكابوريا"، في أثناء صلاة القداس الإلهي في دير القديس الأنبا أنطونيوس في النمسا، خلال مؤتمر شباب أوروبا، في وجود عدد من الشباب المشاركين.

يومها نفى الكاهن خطيئة عدم تقبيل يده، وأكمل: "لكن هل ستتحمل كلام الناس اللي ها يقولوه عنك لما يشوفوك بتعمل كده؟". يومئذ قررت أن أفعل ما أراه يناسبني وما أنا مقتنع به، ضارباً كلام الناس عني بعرض أقرب حائط

أثارت الصورة جدلاً واسعاً بين الأقباط. البعض انتقد نشرها على الصفحة الرسمية للكنيسة الأرثوذكسية من الأساس، لأن الصورة "لا تليق" بقدسية الحدث، أي القداس الإلهي داخل الهيكل، وفي وجود أعلى قامة روحية للكنيسة، متمثلةً في البابا تواضروس، حتى وإن كانت الصورة والحدث خارج مصر. والشباب هم الجيل الثالث من "أقباط المهجر" في أوروبا، الذين وُلدوا وتربوا وعاشوا حياتهم في مجتمع لا يعرف أنه ما زالت هناك مجتمعات يتكلم فيها الناس عن الشعر والذقن على أنهما دليل على أي شيء.

وذهب آخرون من المعترضين إلى مهاجمة البابا مباشرةً، لاستكمال سلسلة استعداء مواقفه وظهوره وقراراته، كما يفعلون دائماً منذ توليه المنصب البابوي، ويعرّف هذا التيار بنفسه باسم "حماة الإيمان"، وهم مجموعة أصولية لا تختلف عن "السلفيين المسلمين" في تشددهم وتعصبهم. يستدعي هؤلاء الآيات من الكتاب المقدس ويطوّعونها وفق مزاجهم لإثبات وجهة نظرهم، وقد تباروا في ترديد إحدى الآيات في رسالة بولس الرسول إلى أهل كورنثوس: "أَمْ لَيْسَتِ الطَّبِيعَةُ نَفْسُهَا تُعَلِّمُكُمْ أَنَّ الرَّجُلَ إِنْ كَانَ يُرْخِي شَعْرَهُ فَهُوَ عَيْبٌ لَهُ؟" (1 كو 11: 14).

أثارت الصورة جدلاً واسعاً بين الأقباط. البعض انتقد نشرها على الصفحة الرسمية للكنيسة الأرثوذكسية من الأساس، لأن الصورة "لا تليق" بقدسية الحدث.

لكنهم غفلوا عن أن يطّلعوا على أيقونات وتماثيل المسيح وتلاميذه ورسله وكلها يظهرون فيها بشعر طويل. ولو كانت اللوحات لا تقنعهم، فربما يقتنعون بالتفسير الكتابي واللغوي للآية، حسب الدكتور غالي المعروف باسم "هولي بايبل لـتفسير الآية، فقد كان الرسول بولس يحذر المؤمنين في مدينة كورنثوس، من بعض الأفعال المنتشرة في المدينة التي كان يكثر فيها الرجال المتشبهون بالنساء، ويضعون المساحيق والشعر المستعار لأغراض جنسية، وينصحهم بالابتعاد عن هذه العادات وتقليدهم، ولم يقصد بولس أن يعيب كل رجل أطال شعره".

هجوم المعترضين وسخط الغاضبين على الصورة يمكن فهمهما، فهؤلاء تجدهم دائمي الاعتراض والامتعاض، ويهمهم أن يكتمل الشكل "المسيحي المستقيم" كما تلقّنوه، ولا فائدة من جدالهم. ولن يفلح معهم استدعاء قصص السيد المسيح وأمثلته طوال الوقت في الإنجيل عن المحبة واحتواء الصغير ومناصرة الضعيف، وأن الجوهر أهم من المظهر عند الرب، أو على أقل تقدير تذكر أنه "لا تُدينوا لكيلا تُدانوا".

من ناحية أخرى، وبتأمل فريق المناصرين للصورة ومنظر الشابين "اللي يفرح القلب حسب رأيي"، بعضهم عدّ الصورة عاديةً ومقبولةً ويمكن تفهمها، فقط لأنها في "المهجر"، وليست في كنيسة داخل مصر، لأن الشباب المسيحي في دول المهجر تربّى في مساحة أكبر من الحرية، وثقافة المجتمعات الغربية لا تسمح بالتدخل في الشؤون الشخصية، ما يعني أنه لو كانت هذه الصورة داخل مصر لكان سيكون لهؤلاء رأي آخر، وسيقفون في صف المعترضين، وسيسمحون لأنفسهم بالتدخل في الأمور الشخصية لأن ذلك "طبيعي" في مصر، ومسموح به وسيظل موجوداً حتى لو كان البابا تواضروس نفسه يفعل غير ذلك، ويحاول التقرب من الشباب الصغار واحتواء الأجيال الجديدة بطريقة شديدة الذكاء والحكمة والوعي، وحتى لو كانت هذه الأفعال تلقى هجوماً عنيفاً أحياناً، ويستغلها البعض لانتقاده واتهامه بالتهاون ومهادنة العلمانيين والطوائف الأخرى. فمنذ توليه كرسي البابوية، خلفاً للبابا الراحل شنودة الثالث، يفاجئ البابا تواضروس من حوله كل فترة بصورة تحمل الكثير من المعاني، لا سيما عندما يتعلق الأمر بالشباب والأطفال. فلا يكفي هؤلاء أن الغالبية من الشباب المسيحي في مصر يعيشون في ظل أسوار الكنيسة التي تقدّم لهم كل الخدمات تقريباً، وتبني لهم المستشفيات والمدارس والملاعب والصالات الرياضية والمنتجعات السياحية، ما يعيقهم عن الاندماج في المجتمع فعلياً، بل يزيد هؤلاء الثقل على أكتاف الشباب الصغار بإجبارهم على اتباع تعليمات صارمة لها علاقة بالشكل الذي لا بد أن يكون عليه المسيحي المؤدب الكيوت أمام الآخر.

هجوم المعترضين وسخط الغاضبين على الصورة يمكن فهمهما، فهؤلاء تجدهم دائمي الاعتراض والامتعاض، ويهمهم أن يكتمل الشكل "المسيحي المستقيم" كما تلقّنوه، ولا فائدة من جدالهم. ولن يفلح معهم استدعاء قصص السيد المسيح وأمثلته طوال الوقت في الإنجيل عن المحبة واحتواء الصغير ومناصرة الضعيف

بين الفريقين السابقين ثمة فريق ثالث، أنتمي إليه، فريق كان يتمنى أن تكون الصورة في مصر، وأن يكون الشابان من شمامسة الكاتدرائية المرقسية في العباسية أو أي كنيسة مصرية أخرى، لكن يبدو أنها خطوة بعيدة نوعاً ما في ظل رسوخ إرث كبير من الأفكار التي تمنع وتحرّم وتقف بالمرصاد أمام الشباب صغار السن، وتغلق باب الاحتواء والاستيعاب، كما كان يفعل المسيح مع الجميع. غير أن الزمن لا يمكن أن يعود إلى الوراء في ظل العوالم المفتوحة أمام الشباب وقدرتهم على البحث والنقاش والتفكير خارج أسوار المؤسسات، سواء الاجتماعية أو الدينية أو السياسية.

وليس من دليل أكبر من ذلك، أكثر من الرسائل التي يرسلها البابا في صوره مع الشباب وإدارة الحوار معهم. فالرجل يجيد بالفعل التعامل مع الشباب والتقرب من أفكارهم، ولا ينسى أحد صورته الشهيرة وهو يحضر منتدى للشباب القبطي ويجلس في آخر الصف. كما يجيد الحكي مع الأطفال بطريقة جذّابة ويقدّم برنامجاً ناجحاً للأطفال بعنوان "رحلة فرح"، يُعرض على قناة "كوجي" للأطفال.

كما لفت نظر الجميع "أول سيلفي بابوي" مع بعض شباب الكنيسة، وانتشرت الصورة ولاقت استحسان الأغلبية، واعتراض البعض كالعادة، ولا تُعرف أوجه الاعتراض. لكنهم هم بعينهم من يرهبون الشباب/ الشابات صغار السن بقاموس الممنوعات والمحظورات، وما يليق وما لا يليق بـ"ابن الكنيسة"، غير مدركين متطلبات هذا الجيل واختلافه عن الأجيال التي لا تردد وراء رجال الدين سوى كلمة "آمين".

بعد عودتي من غربتي الطويلة إلى قريتي، وطوال 25 عاماً لم أقبّل فيها يد رجل دين وأطلقت العنان لشعري وذقني، لم أرَ نظرات الناس نفسها لي وأنا أصافح القسيس باليد من دون تقبيل يده. هل اعتادوا الأمر؟ أم أنهم يرون الأمر اليوم عادياً وليس خطيئةً تستوجب الاعتراف والصفح؟

بعد عودتي من غربتي الطويلة إلى قريتي، وطوال 25 عاماً لم أقبّل فيها يد رجل دين وأطلقت العنان لشعري وذقني، لم أرَ نظرات الناس نفسها لي وأنا أصافح القسيس باليد من دون تقبيل يده. هل اعتادوا الأمر؟ أم أنهم يرون الأمر اليوم عادياً وليس خطيئةً تستوجب الاعتراف والصفح؟
رأيت صديق الدراسة وقد تمت سيامته قساً، يرفض من تلقاء نفسه أن يقبّل الناس يده، ويلعب كرة القدم بلباس الكهنوت مع الشباب في ملعب الكنيسة، ويحسدني ممازحاً عن حريتي في إطالة شعري وربطه: "ذيل حصان". هناك دماء جديدة إذاً، نحتاج فقط إلى بعض الوقت للتخلص من الإرث الثقيل من الشوائب العالقة بالصورة الذهنية للشخص المؤمن، الذي يحبه الرب.

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard