لماذا تصرّ الكنيسة على تهميشي؟

الثلاثاء 7 ديسمبر 202110:38 ص

وُلدت فى منزلٍ لم أشعر فيه أبداً بالتفرقة بيني وبين أخي، أو بيني وبين غيري من الصبية الموجودين داخل العائلة. كنت محظوظةً بالقدر الكافي الذي جعلني أشعر بأننا نتقاسم المهام والمسؤوليات معاً، من دون انحياز.

كوني امرأةً مسيحيةً نسوية... أصبحت أقليةً داخل الكنيسة، وخارجها.

ولكن دوماً كان للكنيسة المصرية، التي ترعرعت فيها، رأي آخر تجاه جنسي، ووجودي كفتاة. وبالطبع لم يظهر ذلك بشكلٍ جليٍّ، إلا في مرحلةٍ متقدّمةٍ قليلاً من العمر، عندما بدأت أدرك وأرى التفرقة بيني وبين غيري من أبناء الجنس الآخر، وأصبحت في مأزقٍ عندما بدأت الأسئلة تراودني، وبدأت بطرحها على المسؤولين داخل الكنيسة.

عندما أكملت الإثني عشر عاماً، نهرني أحد الكهنة، لدخولي إلى الهيكل بدافع أني "بنت"، ولا يصحّ للبنات دخول الهيكل عند بلوغهم هذه السن. وعندما سألته عن السبب، لكوني حتى العام الماضي كنت أدخل وأخرج من دون أي امتعاضٍ من أحد، قيل لي إن ذلك لوصولي إلى سن البلوغ، ووجود "الدورة الشهرية" التي تمنعني أيضاً، في معادها، من ممارسة الطقوس الدينية، فسألته: "لماذا؟"، فأنا لم أسمع عن المسيح أنه امتنع عن التعامل مع أي امرأةٍ، لوجود الطمث عندها، بل قد حدث العكس في معجزة المرأة نازفة الدم.

دوماً كان للكنيسة المصرية، التي ترعرعت فيها، رأي آخر تجاه جنسي، ووجودي كفتاة. وبالطبع لم يظهر ذلك بشكلٍ جليٍّ، إلا في مرحلةٍ متقدّمةٍ قليلاً من العمر، عندما بدأت أدرك وأرى التفرقة بيني وبين غيري من أبناء الجنس الآخر، وأصبحت في مأزقٍ عندما بدأت الأسئلة تراودني، وبدأت بطرحها على المسؤولين داخل الكنيسة

فقيل لي: "لأن السيدة مريم العذراء خرجت من الهيكل في هذه السن للسبب نفسه".

فقلت: "ولكن السيدة العذراء كانت حينذاك تخضع للناموس اليهودي الذي كان ينظر إلى الطمث على أنه نجس، وجاء المسيح ليغيّر ذلك".

فتمّ زجري للمرة الثانية، من دون إبداء أي تفسيرٍ أو سبب.

وعندما كبرت أكثر، وأصبحت ذات توجّه نسويٍ واضحٍ، صرت أكثر عرضةً للنبذ من المجتمع الكنسي، وبالأخص من "المتشددين دينياً"، بخلاف النبذ المجتمعي الواضح من المجتمع، كوني امرأةً مسيحيةً نسوية... أصبحت أقليةً داخل الكنيسة، وخارجها.

سألت الكاهن: "لماذا؟"، فأنا لم أسمع عن المسيح أنه امتنع عن التعامل مع أي امرأةٍ، لوجود الطمث عندها، بل قد حدث العكس في معجزة المرأة نازفة الدم.

كوني امرأةً نسوية، جعلني أمقت ما تقوم به الكنيسة من طقوسٍ مجحفةٍ بحق المرأة، لا علاقة لها بالرسالة التي حملها المسيح للعالم، فأنا أرى أن المسيح كان شخصيةً تحمل درع النسوية، وجاءت الكنيسة لتهدم هذا الفكر، وتطيح بمن ينادي به، لتوائم أفكار المجتمع ومعتقداته.

لذا، نرى أننا، على سبيل المثال لا الحصر، أمام طقس زواجٍ كنسيٍ مهين للمرأة، تُوجَّه فيه إلى المرأة وصية تلزمها بالخضوع لزوجها، لأنها ترى أنه هو المسؤول عنها، بعد والديها، وكأن الكنيسة توجّه رسالةً ضمنيةً إلى المرأة بأنها ناقصة الأهلية، ويجب على أحدٍ أن يكون مسؤولاً عنها، تخضع له، ولأوامره، كما تأمرها بألا تخالف رأيه، ولا تضيّع أيّ شيء من حقوقه عليها، وتدرِج ذلك تحت بند "الأوامر الربّانية"، التي إذا عملت بها، فسيرضى الله عنها، ويُكثِر من نسلها!

لم يتم التعامل مع الزواج كطقسٍ كنسيٍّ، إلا في القرن السادس عشر، حتى تطوّر إلى الشكل الحالي، وقبل ذلك كان الأشخاص يتولّون أمر أنفسهم بما يشبه الزواج المدني، طبقاً لقوانين الدولة التابعين لها.

ولكن، أرادت الكنيسة المصرية أن تمسك بزمام الأمور، لتسيطر على حياة رعاياها، طبقاً لما تراه لائقاً ومتوافقاً مع أفكار المسؤولين، وهم للمفارقة من الرجال كلهم، لتنتج لنا وصيةً بهذا الشكل المجحف بحق المرأة، وتجعل الزواج داخل الكنيسة أمراً لا مفرّ منه، وتضع شروطها الخاصة للزواج في ما يسمّى "شهادة خلو الموانع". فلكي توافق الكنيسة على تزويجك، يجب أن تتوافر فيك شروط عدة، هي:

أن تكون من رعاياها الملتزمين بكافة طقوسها بالطريقة التي وضعتها، وأن يعرفك أحد الكهنة ليوصي بأنك ابن بار وتابع للكنيسة، بالإضافة إلى سجلٍّ بكل الزيجات أو الخطوبات السابقة في حال وجودها، كما تحدد لك الكنيسة الأيام التي يمكن عقد صلاة الإكليل فيها؛ أي "طقس الزواج الكنسي"، ويكون ذلك إجبارياً.

المسؤولون عن الزواج والطلاق داخل الكنيسة، لا توجد بينهم امرأة واحدة تدلو بدلوها في هذه الأمور، فنصبح تحت سلطةٍ صارخةٍ من الأفكار الذكورية التي يجب أن نخضع لها، من دون مناقشتها

وبالطبع، بعد ذلك لك أن تمارس طقس الزواج الكنسي، وتسمع الوصية، وتقبلها حتى وإن كانت لا تتّفق مع معتقداتك.

ويصبح السؤال الآن: ماذا لو لم أرِد الزواج طبقاً لهذة الشروط؟

ماذا لو كنت أشعر كامرأةٍ، بالإهانة لتوجيه وصية بهذا الشكل على مسامعي؟

لأدرك حينها بأنّي في مأزق، إذ لا يوجد زواج مدني في الدولة المصرية، لأن الدولة تتركك للكنيسة لتحدد شؤون زواجك من دون تدخّل منها، وهو ما يُعدّ تعارضاً صارخاً لما نصّ عليه الإعلان العالمي لحقوق الانسان، إذ تنصّ المادة 16 منه على أن "للرجل والمرأة، متى أدركا سنّ البلوغ، حق التزوّج، وتأسيس أسرة، من دون أي قيد بسبب العرق، أو الجنسية، أو الدين. وهما متساويان في الحقوق لدى التزوّج، وخلال قيام الزواج، ولدى انحلاله".

ماذا نفعل نحن كنسويات داخل الكنيسة، وسط ذلك كلّه؟

وهذا ما لا تفعله الكنيسة المصرية في شروطها للزواج والطلاق. فحتى في ما يخصّ قانون الأحوال الشخصية لغير المسلمين، يتم التعامل المنفرد بين الدولة والكنيسة لتنظيم حياة المسيحيين من دون الالتفات إلى آرائهم، أو أخذها في الحسبان، فنحن نُصدَم دائماً بأن هناك قانوناً، أو لائحةً تم إصدارها، وعلينا الالتزام بها. فحتى المسؤولون عن ذلك من الكنيسة، لا توجد بينهم امرأة واحدة تدلو بدلوها في هذه الأمور، فنصبح تحت سلطةٍ صارخةٍ من الأفكار الذكورية التي يجب أن نخضع لها، من دون مناقشتها.

ذلك كله في ظل عدم رغبة الكنيسة في الالتفات إلى ما تعتنقه من أفكارٍ باليةٍ وهشّة لا تتناسب مع التطوّر الفكري للمجتمع، والمساواة الواجب تطبيقها، بل تصرّ على إنتاج أجيال لا تمتلك زمام أمورها، ولا تملك أدنى حق في الاعتراض والرفض، وهنا يجب أن نتساءل: لماذا يتم التعامل مع قوانين الأحوال الشخصية لغير المسلمين داخل الدولة المصرية، وكأنها أسرار كبرى لا يجب أن يعرفها أحد، أو يعترض عليها؟

ولماذا تصرّ الكنيسة على تهميش آراء النساء داخلها، إلى هذا الحدّ، والحطّ من شأنهن؟ ولصالح من؟

وماذا نفعل نحن كنسويات داخل الكنيسة، وسط ذلك كلّه؟

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard