علاقة الغزي بحركة حماس (3): كيف يرى الشعبُ المقاومة/ الحكومة في أثناء الحروب؟

الثلاثاء 2 أغسطس 202210:23 ص

ارتبط واقعنا كغزّيين بالحروب، ولا يمكن أن نسرد محطات حياتنا من دون أن نربطها بحرب أو عدوان. نفعل ذلك قاصدين أو من دون قصد، كما لو كنا نعترف بما تركته هذه الحروب فينا، وبما أخذته منا أيضاً، أو كما لو كنا نعدّها ولادات جديدةً لم نتخيل أن ننجو منها. لذا فمن الطبيعي أن نسمع في غزة جُملاً مثل "عندما وُلد ابني أحمد، بعد حرب 2008، لم نجد سريراً شاغراً في مستشفى الشفاء"، أو "بنيت منزلي قبل حرب 2014 بشهرين، وفقدنا كل النوافذ بفعل القصف"، أو "تزوجتُ قبل أسبوع من حرب 2021، ولم نقم بالزيارة المخفية حتى يومنا هذا"، وهي زيارة يقوم بها الزوجان إلى بيت أهل العروس بعد أسبوع من زفافهما.

في هذا المقال الثالث والأخير من سلسلة "علاقة الغزّي بحركة حماس"، سأحاول سرد بعض المشاهد الفارقة التي عشتها أو شاهدتها في أثناء الحروب الإسرائيلية على غزة، والتي قد تسمح بإلقاء الضوء على علاقة الشعب في غزة بحماس "المقاومة"، بعيداً عن حماس "الحكومة". وأنا هنا لا أحاول أن أضفي أي رومانسية على هذه العلاقة، ولا أحاول تأريخ أحداث لتجريم أو تلميع هذا الطرف أو ذاك، ففي نهاية المطاف، حماس هي حماس، إلا أنني أعتقد أن هناك تحولاً في العلاقة بين الشعب وحكّامه، تعمّق مع مرور الوقت ومع تنوع المواجهات مع الاحتلال، وصار مرتبطاً بإدراك معيّن تجاه اللعبة السياسية الإقليمية التي تشارك حماس فيها من جهة، وحالة الفراغ التي يعيشها المشروع الوطني الفلسطيني من جهة أخرى، خاصةً في ما يتعلق بالكفاح المسلح.

في هذا المقال سأحاول سرد بعض المشاهد الفارقة التي عشتها أو شاهدتها في أثناء الحروب الإسرائيلية على غزة، والتي قد تسمح بإلقاء الضوء على علاقة الشعب في غزة بحماس "المقاومة"، بعيداً عن حماس "الحكومة"

27 كانون الأول/ ديسمبر 2008

بدأت قصتنا مع الحروب في 27 كانون الأول/ ديسمبر 2008، ولا أعتقد أن أي غزّي ممن عاشوا ذلك اليوم قد يسمع هذا التاريخ من دون أن يغرق في ذكريات وتفاصيل مرعبة.

كنت في ذلك اليوم في مدرستي الإعدادية، وفي لحظة تبديل الدوام الصباحي بالمسائي، دخلت عشرات الطائرات الحربية سماء غزة، وشنّت عدداً هائلاً من الغارات على كل المراكز الأمنية والحكومية.

تجمّعت المدرستان (الفترتان الصباحية والمسائية)، طلاباً ومعلمين، في ساحة المدرسة، وكانت ألسنة النيران والدخان تغطي أفق المدينة، ودوي الانفجارات لا يتوقف، وسط تكهنات حول الأهداف المحتملة. وفي تلك اللحظة، التففنا حول مربي فصلنا، أستاذ الرياضيات الحمساوي نفسه الذي كان يبرر قتل الفتحاويين قبل أسابيع، لكن هذه المرة، كان يشاهد الغارات معنا، غير قادر على إخفاء دموعه. لا أعلم من فقد أستاذُنا في ذلك اليوم، لكني موقن أنه وبينما كنا نتكهن "بالأماكن" التي كانت تُقصَف، كان يفكر في أقارب وأصدقاء التحقوا بشرطة حماس بعد سيطرتها على غزة، وهم الآن تحت قنابل الطائرات الحربية.

سقط في ذلك اليوم أكثر من 230 شهيداً و700 جريح، جزء كبير منهم من رجال الشرطة، إذ استهدفت الطائرات حفلاً لتخريج فوج من طلاب كلية الشرطة في غزة، فسقطوا بين شهيد وجريح. أما أنا فقد أسرعت إلى مدرسة شقيقتي الصغرى، ورافقتها إلى منزلنا سيراً عبر أزقة مخيم الشاطئ، لأن تجنّب الشوارع الرئيسية يُعدّ من بديهيات التنقل تحت القصف، التي وللأسف، كان لا بد من أن نألفها منذ نعومة أظافرنا.

نعم، هناك فلسطينيون مثلي، درسوا معي في المدرسة ذاتها، ويشترون خبزهم من المخبز ذاته، لكن بينما أنا أرتجف في سريري من القصف والخوف، هم يخرجون من تحت الأرض، ويخطفون جنوداً من قوات  الاحتلال

"إن هذا الجندي أسير لدى كتائب القسام"

كانت حرب 2014، مدمرةً على جميع الأصعدة، وبعيداً عما حدث من دمار لأحياء كاملة كالشجاعية أو أبراج الندى، اعتمد الاحتلال سياسة حرب نفسية عمّقت من معاناة الشعب، وتمثلت إحدى آلياتها في إعلان وقف إطلاق النار لفترة قصيرة، وإعطاء الأمل للناس بأن المفاوضات اقتربت من الوصول إلى اتفاق نهائي، ثم فجأةً، نعود إلى دائرة القصف والرعب. وبالتأكيد، لم تكن غاية الاحتلال "نفسيةً" فقط، فقد استغل فترات وقف إطلاق النار لاستهداف قيادات المقاومة في أثناء خروجهم من مخابئهم، وهذا شأن آخر.

كان الشعب منهكاً، بين دمار وخوف، وانقطاع للكهرباء، وأخبار صادقة وكاذبة حول الوصول إلى حلول، ناهيك عن المجازر التي كانت تُرتكب، ونزوح أحياء كاملة إلى المدارس والمشافي، من دون وجود أي تصورات حول نهاية هذا كله. وفي إحدى الليالي، أعلن "أبو عبيدة" عن كلمة منتظرة.

بدأ الناطق باسم كتائب القسام "أبو عبيدة"، خطابه باستعراض بعض العمليات التي نفذتها المقاومة في أثناء التصدي للتوغل البري لقوات الاحتلال، وبينما كنت في غرفتي أنتظر أي إشارة إيجابية عن نهاية "الحرب"، سمعت جملته الشهيرة: "كيف له (الاحتلال) أن يخفي اختفاء الجندي شاؤول آرون (...)، إن هذا الجندي أسير لدى كتائب القسام". كل ما أذكره عن اللحظات التي تلت هذه الجملة، أنني سمعتُ الزغاريد والتهاليل تخرج من كل منازل حينا، الفتحاوية قبل الحمساوية.

بعدها بأسابيع، نشرت كتائب القسام مقاطع مصورةً لعملية "ناحل عوز"، وعملية قاعدة "زيكيم"، كجزء من بروباغندا طورتها حركة حماس خلال الأعوام الأخيرة.

هذه الحقيقة بشكلها المجرد، لا تلغي الوجه الآخر للواقع، وأنه قبل شهر من الحرب، الجهة نفسها التي يتبع لها هؤلاء "المقاومون" كانت تقمع مظاهرةً في غزة أو تفرض ضريبةً جديدة

هذا الخطاب وتلك المقاطع المصورة، حتى وإن كانت تعني استمرار الحرب وزيادة شراستها في ذلك الحين، إلا أنها جعلتنا نرى جانباً آخر من الحقيقة، من دون نفي أي جوانب أخرى. نعم، هناك فلسطينيون مثلي، درسوا معي في المدرسة ذاتها، ويشترون خبزهم من المخبز ذاته، لكن بينما أنا أرتجف في سريري من القصف والخوف، هم يخرجون من تحت الأرض، ويخطفون جنوداً من قوات نخبة الاحتلال، ويصعدون على ظهر دباباته. وهذه الحقيقة بشكلها المجرد، لا تلغي الوجه الآخر للواقع، وأنه قبل شهر من الحرب، الجهة نفسها التي يتبع لها هؤلاء "المقاومون" كانت تقمع مظاهرةً في غزة أو تفرض ضريبةً جديدة. ولا تلغي أيضاً أنه وبينما كان الشعب و"المقاومة" يقبعون تحت القصف، كانت القيادة السياسية للمقاومة في القاهرة تفاوض على المكاسب السياسية التي ستجنيها من وراء هذا كله. وبالنسبة لي شخصياً، فإن كل هذه المقارنات لا تلغي حقيقة أن بعض هؤلاء الشبان كانوا أطفالاً معي في الفصل ذاته في المدرسة الابتدائية، وامتثلوا لأوامر معلم التربية الإسلامية بالذهاب إلى المسجد أو الالتحاق بالفئات السنية الصغيرة في حماس أو "الكتلة الإسلامية"، لينتهي بهم المطاف في كتائب القسام، ولأسمع أسماءهم عبر مكبرات المساجد مسبوقةً بـ"الشهيد البطل".

 أعتقد أن الحروب الإسرائيلية على غزة مثّلت فرصةً لتَشَكُّل وعي جمعي جديد في ما يتعلق بعلاقة الشعب بحماس.

"من شان الله... يا غزة يلا"

في 10 أيار/ مايو 2021، وبعد اقتحام قوات الاحتلال لباحات المسجد الأقصى واعتقال العشرات من المصلين، وما سبق ذلك من اعتداءات على حي الشيخ جراح، قامت كتائب عز الدين القسام بإمهال الاحتلال حتى الساعة السادسة مساءً لسحب جنوده من المسجد الأقصى وإطلاق سراح المعتقلين، ما يعني ضمنياً أيضاً، إلغاء مخطط مسيرة الأعلام التي كانت من المفترض أن تمر نحو المسجد الأقصى.

استوقفني في حينه منشور لصديق صحافي فلسطيني من مخيمات لبنان، تحدث فيه عن "خطف" حماس لغزة، وعن انسياق الشعب وراء القيادة "الإيرانية والقطرية" حسب تعبيره، وعن ركوب حماس على هبّة "حي الشيخ جراح"، ومحاولة جني ثمار سياسية من وراء ذلك. ولا أستطيع أن أنكر أنني أشاركه جزءاً كبيراً من رأيه. لكن في تمام الساعة الـ05:55 مساءً، اتصلتُ بوالدتي. كنتُ غاضباً من مشاهد الاعتداءات في القدس، ومرعوباً من تخيل أي سيناريوهات لعدوان إسرائيلي على غزة. وفي أثناء مكالمة الفيديو، بدأت صواريخ المقاومة تنطلق من غزة في اتجاه الأراضي المحتلة، وتعالت هتافات الناس من بيوتهم، وشرعت أمي بالدعاء على الاحتلال، والدعاء لنا بالسلامة، بمشاعر مختلطة، بين الخوف مما هو قادم، والفخر بأننا –نحن الغزيين- وبعد 15 عاماً من الحياة في "السجن الأكبر في العالم"، لا زلنا قادرين على إلغاء مظاهرة أعلام في المسجد الأقصى، ولا زلنا قادرين على وقف اعتداءات الاحتلال في القدس، ولا زلنا قادرين على توحيد مشهد فلسطيني تفتّت بفعل الصديق والعدو. أنهت أمي تلك المكالمة قائلةً: "على الأقل، هذه المرة سنعاني من أجل القدس. الله يستر من القادم".

على ذلك، فإنني أعتقد أن الحروب الإسرائيلية على غزة مثّلت فرصةً لتَشَكُّل وعي جمعي جديد في ما يتعلق بعلاقة الشعب بحماس. وبدأ الشعب شيئاً فشيئاً يعي الفرق بين أوقات السلم وأوقات الحرب، والفرق "النظري" بين من قام بالانقلاب العسكري على حكم السلطة الفلسطينية في 2007، أو من يفرض الضرائب ويقمع الحريات، وبين من يواجه الاحتلال وترسانته العسكرية بصواريخ محلية الصنع، وأنفاق حُفرت يدوياً.

بدأ الشعب شيئاً فشيئاً يعي الفرق بين أوقات السلم وأوقات الحرب، والفرق "النظري" بين من قام بالانقلاب العسكري على حكم السلطة الفلسطينية، أو من يفرض الضرائب ويقمع الحريات، وبين من يواجه الاحتلال وترسانته العسكرية بصواريخ محلية الصنع

فنسمع على سبيل المثال انتقادات شعبيةً ورسميةً واضحةً ومباشرةً لطريقة سيطرة حماس على مسيرات العودة الكبرى، التي بدأت بمجهودات فردية ومجتمعية مستقلة في آذار/ مارس 2018، لكن سرعان ما تحولت إلى مسيرات منظمة تخرج من المساجد بعد صلاة الجمعة، برعاية حمساوية بالتأكيد. في الوقت ذاته، نرى مباركةً شعبيةً ملحوظةً لأي فعل مقاوم "مسلّح" تخلل تلك الفترة، على الرغم من ندرتها، كإطلاق النار على أحد قناصة الاحتلال على الحدود، وتفخيخ علم ثم تفجيره في الجنود، أو استهداف حافلة للجيش الإسرائيلي بصواريخ موجهة، وغيرها.

هذا الطيف من ردود الأفعال، ما بين هتافَي "شيعة شيعة" في 2007، و"من شان الله يا غزة يلا" في 2021، يلخص العلاقة بين الشعب وحكامه، سواء كانوا فوق الأرض أو تحتها، لتبقى الحقيقة الصارخة متمثلةً في المثل الشعبي: "أنا وأخي على ابن عمي، وأنا وابن عمي على الغريب"، وفي هذه الحالة، نحن (الشعب)، على الحكام الظالمين وقت السلم، لكن عندما يعلو هدير الـ"إف 16" في سماء غزة، نصير كلنا في صف واحد مع "المقاومة".

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard