علاقة الغزّي بحركة حماس (2): "مكرهٌ أخاك لا بطل"... عن استقبال حكم حماس عام 2007

السبت 23 أبريل 202208:20 ص

كل ما أذكره عن أحداث 2006-2007 في غزة، وسيطرة حماس عسكرياً على القطاع، يمكن اختصاره في أنني رأيتُ فلسطينياً يقتل فلسطينياً آخر، وسمعتُ فلسطينياً يتغنى على الإذاعات المحلية بإحراقه منازل عناصر في حماس، وآخر ينصب مدفع هاون ليقصف مبنى المخابرات وفيه عناصر تابعون لفتح. كنت قريباً من عمليات إعدام نُفّذت في سيارات الإسعاف لجرحى من هذا الطرف أو ذاك، وبعيداً بالقدر الكافي لأنجو وعائلتي من "الرصاص الطائش" الذي طال الكثيرين. لكن، كيف تقبّل الشعب في غزة نتائج هذا الاقتتال الداخلي، خاصةً وأن حماس انتزعت سلطتها بقوة السلاح؟

انتهاء حكم "جيش لحد" وطرد "أبناء دايتون"

انقسم قطاع غزة في الأسابيع الأخيرة قبل "الحسم العسكري" -كما يسميه الحمساويون- إلى مربعات أمنية يتبع كل منها لأحد الفصيلين، وذلك بناءً على أماكن وجود مراكز الأجهزة الأمنية، بالإضافة إلى منازل القيادات.

يقع منزلنا في منطقة غير منتمية إلى أي من الخصمين، ما جنبنا الاشتباكات المباشرة الخطيرة، وسمح لنا بمشاهدة ما حدث من بعيد، بكل ما فيه من بشاعة وكوميديا سوداء.

كل ما أذكره عن أحداث 2006-2007 في غزة، وسيطرة حماس عسكرياً على القطاع، يمكن اختصاره في أنني رأيتُ فلسطينياً يقتل فلسطينياً آخر، وسمعتُ فلسطينياً يتغنى على الإذاعات المحلية بإحراقه منازل عناصر في حماس، وآخر ينصب مدفع هاون ليقصف مبنى المخابرات وفيه عناصر تابعون لفتح

وفي منتصف حزيران/ يونيو 2007، وبعد أيام من الاشتباكات العنيفة وقذائف الهاون، والقناصة الذين اعتلوا الأبراج السكنية، وتناقضات قناتَي فلسطين والأقصى، بدأنا نسمع بأخبار سقوط المراكز الأمنية الواحد تلو الآخر تحت سيطرة حماس، وهروب قيادات فتح إلى مصر والضفة الغربية، واقتحام حماس المنتدى الخاص بالرئاسة، ومنزل الرئيس أبي مازن، وغيرها. فوجئنا بدخول عدد من سيارات الدفع الرباعي التابعة لجهاز المخابرات العامة إلى شارعنا الترابي، لكن هذه المرة يركبها عناصر من حماس. بدأوا باستعراض مهاراتهم في القيادة، إلى أن تساءل أحد الجيران قائلاً: "لماذا لا يزالون ملثمين؟ كلهم ملثمون... لماذا؟ سيطروا على كل شيء، وأصبح البلد لهم، لماذا لا يزالون ملثمين؟ ممّا يخافون؟"، فأجابه آخر بأن "ملثم اليوم سيكون شرطي الغد، فالأفضل ألا نعرف وجهه".

كيف تقبّل الشعب في غزة نتائج هذا الاقتتال الداخلي، خاصةً وأن حماس انتزعت سلطتها بقوة السلاح؟

نمنا في تلك الليلة على وقع التكبيرات في المساجد، وتكرار شعارات الانتصار على "جيش لحد" و"أبناء دايتون" (جنرال أمريكي تولى تدريب قوات الأمن التابعة للسلطة في تلك الفترة)، واستيقظنا على واقع مغاير، أسماه البعض "غزة-ستان"، بينما عدّه آخرون "مجتمعاً خالياً من الفلتان الأمني والعمالة".

"شيعة... شيعة"

ارتبط هتاف "شيعة... شيعة"، بأي فعل شعبي هدفه إغضاب شرطة حماس، ويكاد يكون كلمة السر لإفراز كمية هائلة من العنف لدى عناصرها، الذين تربوا على المبدأ الخالد "الشيعة أخطر على الأمة من اليهود"، لينتهي المشهد دائماً بعنف وقمع، يبدأ بالهراوات وتكسير العظام، مروراً بإطلاق الرصاص على الركبة، إلى القتل في وضح النهار، ولا يخلو بيت أو حي من قصص مشابهة.

وبعيداً عن تحليل تاريخ هذا الهتاف وأسبابه السياسية والاجتماعية، يكفيني في هذا السياق أن أتذكر المرة شبه الأخيرة الذي سُمع فيها بصوت عالٍ، وذلك في مهرجان إحياء ذكرى وفاة ياسر عرفات في تشرين الثاني/ نوفمبر 2007، الذي مثّل أول فعالية "فتحاوية" في غزة بعد سيطرة حماس عليها.

نُظّم المهرجان في ساحة الكتيبة في مدينة غزة، التي حولتها حماس لاحقاً إلى "الكتيبة الخضراء" وجعلتها مخصصةً لمهرجاناتها حصراً. أما أنا، فكنت في الصف السابع حينها، وتم إلغاء الدوام الدراسي من قبل مدير مدرستنا لانشغال البلد بهذا الحدث، فعدت إلى المنزل وشاهدت المهرجان على شاشة التلفاز.

تحولت الشوارع في ذلك اليوم إلى مسيرات صغيرة تصب كلها في الكتيبة، وعجت الطرق الرئيسية بقوافل الحافلات والسيارات المتوجهة إلى المهرجان. لكنه انتهى كما شاهد العالم كله، بتطويق قوات الأمن الحمساوية لمئات الآلاف من المواطنين الذين تجمعوا في الساحة، ومهاجمتهم بالهراوات والرصاص الحي، ليسقط العشرات بين قتيل وجريح.

ما حدث في هذا المهرجان كان بمثابة إجابة واضحة وخالية من التجميل، على أي سؤال ساذج حول ما سيكون عليه شكل المشهد السياسي في غزة تحت حكم حماس، خاصةً في ما يتعلق بحرية التعبير وأي مظاهر للتعددية السياسية، وترتب عليه منع أي فعاليات فتحاوية جماهيرية، حتى العام 2013، بعد "المصالحة" بين فتح وحماس. وبالتأكيد، لم يُسمع هتاف "شيعة... شيعة"، بعد ذلك.

"مكرهٌ أخاك لا بطل"

في محاولة لفهم صدمة ما بعد انتقال الحكم وتغير السلطة على الأرض، تذكرتُ مشهداً عشته في المدرسة الإعدادية في عام 2008، أي بعد أقل من عام على "الانقلاب" كما يسميه الفتحاويون. كان أستاذ الرياضيات في ذلك العام محبوباً وقريباً من التلاميذ، وكان له منصب حركي في حماس، ولا أنكر أنه كان يتمتع بأسلوب مرن في عرض وجهة النظر الحمساوية، والإجابة على أسئلة التلاميذ التي دائماً ما حملت اتهامات بالقتل والتعذيب وغيرها.

هذا النقاش، بكل ما فيه من سريالية وقبح -أستاذ أربعيني يبرر لطفل دموع أبيه- يلخص سؤالي في هذا النص: كيف استقبل الشعب في غزة حكم حماس؟ بعد أشهر من القتل والترهيب من كلا الطرفين... الإجابة: لم يستقبله، ولم يتقبله، لكنه تجرعه

وتصادف في ذلك العام، أن أحد زملائي فقد عمّه الضابط في جهاز الحرس الرئاسي خلال أحداث الاقتتال الداخلي، وليزداد الموقف سوءاً، صوّر القناصة عملية القتل، ونشروا الفيديو على الإنترنت، ليشاهد صديقي وعائلته عمّه يُقتل أمامهم. وما أن طرح أحد الزملاء سؤالاً حول واقعة قنص عمّ صديقنا، حتى أجاب الأستاذ قائلاً: "الفيديو واضح، لم يُقتل حتى رفع سلاحه". أي أن الأستاذ لم يتردد ولو للحظة في تبرير فعل القتل، ونحن، التلاميذ وصديقنا المكلوم والشعب كله، ما كان علينا سوى تقبل ذلك.

هذا النقاش، بكل ما فيه من سريالية وقبح -أستاذ أربعيني يبرر لطفل دموع أبيه- يلخص سؤالي في هذا النص: كيف استقبل الشعب في غزة حكم حماس؟ بعد أشهر من القتل والترهيب من كلا الطرفين... الإجابة: لم يستقبله، ولم يتقبله، لكنه تجرعه، وما تلا ذلك من تكيّف مع الواقع، يمكن إضافته إلى السلسلة اللا نهائية من التجارب التي أجبر شعبنا على عيشها، لتصبح سلطة أمير المسجد أمراً واقعاً على الحي كله، وليحمل ابن الجيران الملتحي رتبة ملازم أول في الشرطة خلال ليلة وضحاها، ولتدفع العائلات ببناتها إلى ارتداء الحجاب خوفاً مما هو قادم.

البعض يسميه "صموداً"، والآخرون يسمونه "خنوعاً"، وبين هذا وذاك، عاش شعب غزة من 2007 حتى يومنا هذا، مرتكزاً على المثل الشعبي "أنا وأخي على ابن عمي، وأنا وابن عمي على الغريب"، فيتذمر من حكم حماس عند فرض ضرائب جديدة، لكن تحت القنابل الارتجاجية وهدير الـ"أف 16"، يهتف لقصف تل أبيب، وينتشي خلال خطابات "أبي عبيدة".

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard