عين على السودان

الثلاثاء 9 أغسطس 202202:25 م

"استغربت كثيراً من وجود أمسية ثقافية عن السودان في بيروت"، بهذه الكلمات علّق أحد الحضور خلال فعالية سينمائية أقامتها مؤسسة "اتجاهات-ثقافة مستقلة" بالشراكة مع "سودان فيلم فاكتوري"، للإضاءة على السينما السودانية القديمة والمعاصرة، والتي نادراً ما يتمّ الحديث عنها في وسائل إعلامية عربية، وأكمل تعليقه: "بالطبع أود أن أعرف كيف ينظر الناس حول العالم، والعرب خصوصاً، إلى السودان المقاومة"، على حد قوله.

قسّمت الفعالية إلى ليلتين زيّنتها سماء بيروت الصافية، وتحديداً في شارع مار مخايل الشهير، وبحضور مجموعة من الصحافيين والمخرجين السينمائيين والناشطين، وبالطبع كانت فرصة جمعت بين سودانيين مقيمين في بيروت، رأى بعضهم في الأفلام المعروضة فرصة للنقاشات السياسية حول تاريخ السودان، وكيف تطوّر ليؤدي إلى ما هي عليه الآن من حركات ثورية وانقلابات عسكرية وثقافة مجتمعية وغيرها.

أسئلة تقليدية معاصرة

ليست السياسة فقط الحاضرة في الأفلام السودانية، فرغم قلّة الأفلام المنتجة مقارنة ببقية الدول، وخصوصاً جارتها مصر، إلا أنها عالجت كمية كبيرة من الأسئلة الواقعية والجدلية، وحازت على جوائز عالمية. طرحت الأفلام القديمة المختارة في الأمسية الأولى، أسئلة حول مقاومة الاستعمار الإنكليزي التي قامت في السودان واليمن آنذاك، في فيلم "لكن الأرض تدور"، ووصف التقاء الحداثة بحياة السكان التقليديين أصحاب الخيرات في فيلم "المحطة" الصامت، كما تطرّق فيلم "الجمل" إلى حياة هذا الحيوان، وقارنها بحياة الإنسان "الآلية". يعتبر الفيلم الأخير "انتزاع الكهرمان" من أصعب الأفلام تفسيراً وأكثرها تركيزاً على الصورة، لإيصال خصائص مدينة "سواكن" السودانية، وأهمية التركيز على الجمال الذي قاوم قبح احتلال الأرض.

في الأمسية الثانية عُرضت خمسة أفلام جديدة. هذه المرة أكثر وضوحاً وسلاسة، نظراً للتطور الكبير الحاصل في مجال صناعة السينما.

الفيلم الأول "الست"، تحدّث عن ظاهرة الزواج المبكر وتحديداً زواج القاصرات، ثم عرض فيلم "حاحاي كلاب"، عن عدم قدرة مهاجر سوداني على التأقلم مع كافة مظاهر الحياة الغربية، ورجوعه إلى هويته التي ظن أنه تركها خلفه عندما وطأت قدماه أرض بلاد الغربة. حكاية طفولة بريئة دخلت على خط القصص المروية من خلال فيلم "حفنة تمر"، الذي يصوّر صدمة طفل بعد اكتشافه حقيقة جدّه القاسي وخسارته لمعنى الأمان العائلي.

كما أضاء فيلم "إيمان" على التطرف الديني من خلال قصص متشابهة لـ4 شبان وشابات، وقعوا/ن ضحايا جماعات متطرفة.

ختامها مسك مع فيلم "الفندك" الذي طرح قضايا عاشها الشباب السوداني خلال جائحة كورونا والظروف السياسية في البلاد.

في السودان قاعات سينما معدودة، وأغلب الأفلام المعروضة غير محلية، وإذا أردت أن تشاهد أفلاماً محلية عليك اللجوء إلى قاعات مخصّصة، كأمسية ثقافية أو جلسة على سطح منزل ما

تطوّر السينما بين الماضي والحاضر

بين الأمسيتين، يلاحظ المشاهد بسهولة فرقاً في الأفلام، من ناحية الشكل والمضمون، وحتى في نوعية المواضيع المعالجة، فالأفلام السبعينية ركّزت على جمالية الصورة ودورها في إيصال المعلومة كاملة، أما الأفلام الجديدة فانتقل التركيز فيها إلى طريقة سرد الأحداث وطرح الجدليات، نظراً إلى التمكن من تحريك الصورة وسهولة استخدامها.

"من ناحية المضمون، ورغم أن المواضيع القديمة لا تزال جدلية، تصلح لأي زمان ومكان رغم مرور أكثر من 40 عاماً على طرحها، إلا أن الاختلاف يتجلّى في شخصيات الأفلام"، يقول المنتج ومؤسّس "سودان فلم فاكتوري" في حديث مع رصيف22، ويكمل شرحه: "تمثيل الشخصية في أفلام السبعينيات تميل لأن تكون تحرّرية، نظراً لخصوصية المرحلة التي أتت منها، والتي شهدت تأثر السودان بحركات تحرّرية في دول الجوار".

اختلاف آخر يراه طلال أساسياً، وهو في موقف المؤلف من النص، ففي السابق، "ترجمت النماذج أسئلة كبرى وجودية، أما الأفلام الحالية فحملت نظرة المؤلف الخاصة ورؤيته للقضية".

من ناحية أخرى، علٌّقت مخرجة فيلم "الست" سوزانا مرغانة، عن أوجه الاختلاف لـرصيف22، مؤكّدة أن "هناك بعض المشاكل الحالية لم يكن باستطاعتنا طرحها في السبعينيات، كمشكلة زواج القاصرات لأنها كانت طبيعية وغير مستنكرة".

حضور السينما في الداخل

"في السودان قاعات سينما معدودة، وأغلب الأفلام المعروضة غير محلية، وإذا أردت أن تشاهد أفلاماً محلية عليك اللجوء إلى قاعات مخصّصة، كأمسية ثقافية أو جلسة على سطح منزل ما"، يقول الطالب السوداني المقيم في بيروت عبد الباقي لرصيف22. يشتكي عبد الباقي من ضعف الإنتاج السينمائي والتلفزيوني في بلده، والذي لم يستطع حصره بأسباب معينة، فـ"حتى التطرف الديني الذي ما زال منتشراً يمكن أن نتماشى معه من خلال أفلام وسطية"، إلا أن المشكلة بحسب رأيه، أن "المشاهد السوداني أصبح متلقياً أكثر منه منتجاً، بعد اعتماده على الأفلام المصرية ،إلى جانب انعدام اهتمام السلطات المتعاقبة بهذا القطاع".

لسارة الشابة السودانية رأي آخر، فقد رأت أن "الأفلام تعتبر معقولة جداً نسبة إلى ضعف التنمية والظروف السياسية المسيطرة على البلاد، والأفلام المبدعة التي شاهدناها أغلبها أنتجت في فترات صعبة جداً، استعان فيها المخرجون بتمويل خارجي ومساعدة غير محلية".

السينما والعاطفة

"الجسد في الخارج والقلب في السودان"، قالت المخرجة ميساء خلال الأمسية، واصفةً إحساسها تجاه البلد الذي لم يفارقها رغم غربتها الطويلة عنه، وترى أن من واجبها أن توصل صوت أهالي السودان للعالم الخارجي، فقليل منهم من يعرف عن تاريخ هذا البلد وثقافته. قاطعها المنتج السينمائي ممدوح صالح معلّقاً: "مسؤوليتنا تجاه شعبنا أن نضيئ على قصصه وقضاياه".

وعن سؤال حول أهمية السينما في المجتمعات، تجيب المخرجة السورية جود كوراني، لرصيف22: "عندما ينوي الكاتب صنع الفيلم، لا يمكنه أن يتوقّع إلى أي جمهور سيصل، إلا أن السينما تسافر بسهولة أسرع من المسرح مثلاً، وبالتالي يمكننا التعرف أكثر على ثقافات شعوب أخرى، إضافة إلى أنها تخلق ديناميكية فكرية وثقافية تساهم في تطور المجتمع".

سبب آخر أرجعته جودي إلى العاطفة التي تستطيع الأفلام خلقها دون سواها لدى المشاهد تجاه الشخصيات، ما يؤثّر فيه بصورة أكبر".

إعادة الاحتكاك هو الحل

يعاني المجتمع السوداني من شبه انغلاق على الذات منذ ما يقارب 35 عاماً حتى الآن، ما أثّر على مختلف النواحي الثقافية في البلاد، وأهمها صناعة السينما، هذا ما كثّف من انتشار الأفلام ذات الطابع التجاري أولاً، وإلى ضعف استثمار الدولة في القطاع ثانياً، ونظراً لأهمية الأفلام التي صنعت بجهود جبارة لمخرجين شباب أبوا أن يتركوا بلدهم بلا كاميرا توثيق، يبقى الحل في الاحتكاك مع مختلف الشعوب، لـ "إعادة الأمور إلى طبيعتها"، وفق ما علّق الأستاذ طلال عفيفي خلال النقاش.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard