جمهورية البرمقلي وتحقق الديستوبيا في تونس

الأحد 31 يوليو 202203:45 م

إن النكسة التي تعيشها تونس اليوم باغتيال الثورة وإنهاء المسار الديمقراطي ليست وليدة  سنة الانقلاب الذي أقدم عليه قيس سعيد يوم 25 تموز 2021، بل انطلقت منذ 2011، فالثورة  بدأت تنحرف تدريجياً عن مسارها، بينما بدأت السلطة تمهد الطرق لعودة الاستبداد والديكتاتورية.

كان بعض المبدعين قد استشعروا ذلك، وحاولوا قرع ناقوس الخطر عبر التصريحات أو الأعمال الأدبية والفنية، غير أن الجماهير كانت مأخوذة بمطرقة اليومي أو بالقصف الأيديولوجي الذي كانت تقوم به الأحزاب والمنظمات والجمعيات.

كانت سلسلة "الرئيس" الساخرة  التي بثتها قناة التاسعة في رمضان 2016 واحدة من تلك الأعمال المنذرة بالخطر، رغم أنها لم تلق استقبالاً جيداً وقتها، غير أن استعادتها اليوم عبر شبكة التواصل الاجتماعي صدم المتابعين، فقد صار الفنتازي واقعاً، وصارت المبالغة الساخرة حاضراً معاشاً وأقرب لهم من أنوفهم، والصورة العملاقة التي رفعت للرئيس بن علي بعيد الثورة، محذرة من إمكانية عودة الديكتاتورية  نبوءة حقيقية.

مسلسل "الرئيس" النظرة الاستشرافية والانذار

كانت أعمال جورج أورويل تنذر ببشاعة الديكتاتورية الشيوعية، في وقت كانت تعيش فيه الشيوعية مجدها، غير أنه استشعر أن الأخ الأكبر سيهيمن على كل شيء، وأن الرقابة الميكروفيزيائية ستتغلغل في تفاصيل المجتمع وستهدد الفرد حتى في غرفة نومه، وكل ذلك بالاستناد إلى الشرعية الثورية  نفسها. فكتب روايتيه "مزرعة الحيوان" و"1984" وقبله فعل الشيء ذاته يفغيني زامياتين مع رواية "نحن" التي منعتها السلطات السوفياتية سنة 1921.

إن النكسة التي تعيشها تونس اليوم باغتيال الثورة وإنهاء المسار الديمقراطي ليس وليد سنة الانقلاب الذي أقدم عليه قيس سعيد يوم 25 تموز 2021، بل انطلقت منذ 2011، فالثورة بدأت تنحرف تدريجياً عن مسارها، بينما بدأت السلطة تمهد الطرق لعودة الاستبداد والديكتاتورية

قبيل سنوات الانتخابات التونسية سنة 2019  قدمت سلسلة من المقالات تقارب المترشحين للرئاسة عبر سيرهم من أبطال روايات عالمية، وكانت تحت عنوان "الروايات التي يجب على التونسيين قراءتها لاختيار رئيسهم". وقدمت فيها السياسي الانتهازي والسياسي الذي يشتري تاريخاً  والسياسي المتقنع بالتسامح والمدنية والسياسي الثوري المنقلب على الثورة.

  قبيل ذلك الوقت ظهر مسلسل "الرئيس". كان المسلسل غريباً بالنسبة للتونسيين الذين يلهجون بالصراعات الحزبية والأيديولوجية والأزمات الاقتصادية، وكأنهم حسموا أمرهم مع الديكتاتورية وأنها ذهبت بلا رجعة فلا أحد يتحدث عنها، فالرئيس لا حول له ولا قوة وصلاحياته لا تكفي ليخرج إلى المخبز بمفرده. فإذا بالمسلسل يقدم دكتاتوراً طاغية، أحمقاً يتحكم في مصائر الشعب، عبر حاشية متزلفة وخبيثة تزين له جرائمه وشططه ونزواته السياسية وفساده هو وأسرته، فبدا للجماهير أن المسلسل لم يكن ابن عصره، وأنه آت من زمن غابر، وانتقده البعض  بتهمة أنه لو نُفّذ في عهد الرئيس بن علي لكان له معنى، أما الآن وفي ظل الديمقراطية  فبماذا يفيد هذا الطرح؟

استلهم المسلسل ثيمته وعوالمه من كل تاريخ الديكتاتوريات في العالم، وقد تعمد المخرج تأثيث قاعات القصر بصور رموز الديكتاتورية، من صور بونابرت وستالين وماوتسي تونغ  وصور الثوار التي يلهج بها بعض الشعبويين ويحرفون تاريخها، كتشي غيفارا أو إبراهيم لنكولن الى جانب رئيس جمهورية البرمقلي.

المسلسل وضروب التطابق مع الواقع السياسي في تونس اليوم

في التعريف الرسمي للمسلسل يمكنك أن تقرأ: "الرئيس؛ سيتكوم كوميدي يدور في القصر الرئاسي لدولة البرمقلي (من وحي الخيال) وتدور أحداثه بين الرئيس وعائلته وأعضاء الحكومة، في مواقف ساخرة تكشف كواليس المطبخ السياسي لدولة البرمقلي العظيمة،

تأليف وسيناريو وﺇﺧﺮاﺝ: جميل النجار وبطولة: فتحي الهداوي، وجيهة الجندوبي، جمال المداني، سوسن معالج، مراد كروت وهيثم حفيظ".

والبرمقلي هو التعشيق المعماري التركي للبيوت التونسية، وهو "تشبيك في النوافذ والبناءات يحمي من الشمس ويُهَوٍّي البيت، كما أنه يسمح لمن هو داخل البيت بأن يرى دون أن يُرى من الشارع". وفي الاستعارة في الجمهورية البرمقالية، معنى الرقابة والتجسس على العامة من ناحية وإشارة  إلى نظام الحكم العثماني زمن الإمبراطورية العثمانية المسماة أيضاً بـ"الرجل المريض".

كانت سلسلة "الرئيس" الساخرة التي عرضت في رمضان 2016 واحدة من الأعمال المنذرة بالخطر، رغم أنها لم تلق استقبالاً جيداً وقتها، غير أن استعادتها اليوم عبر شبكة التواصل الاجتماعي صدم المتابعين، فقد صار الفنتازي واقعاً وصارت المبالغة الساخرة حاضراً معاشاً 

من الأسباب التي ربط فيها بعض المشاهدين المسلسل أثناء بثّه بحكم بن علي، هو التدخل العائلي في الحكم، وخاصة زوجته، غير أن الواقع الراهن في سلطة دولة قيس سعيد أن العائلة متوغلة في الحكم، حتى أن الشعب أصبح يتصيد أخبار دولته التي يمارس عليها تعتيماً إعلامياً كبيراً رئيسها بمقاطعته للإعلام، من صفحة أخيه الذي يتحدث باسمه. كما كشفت رئيسة ديوانه المُقالة والمُستقيلة، عبر تسريبات تنسب إليها، أن زوجة الرئيس وأختها  وأخيه من كانوا، ومازالوا، يديرون القصر. 

قدم المسلسل صورة عن التزوير في الانتخابات، وكيف صوت سبعة ملايين في الوقت الذي كان عدد الناخبين لا يتعدى الثلاثة مليون، وهو ذات الأمر الذي حصل مع استفتاء قيس سعيد الأخير، حيث اكتُشف تزوير كبير في عدد المنتخبين، وصل في بعض الولايات إلى عدد مخجل، كولاية توزر التي ادعت هيئة الانتخابات أن كل سكانها صوتوا، بما في ذلك الرضع والأجنة في الأرحام.

والغريب أن افتضاح التزوير لم يلغِ الاستفتاء، لكن عزل الموظفين في هيئة الانتخابات فقط واعتبر خطأ مادياً.

كما يظهر في الحلقة الأولى من المسلسل ملاحقة المواطن الوحيد الذي صوت ضد الرئيس، لينكل به بالسجن الانفرادي والتعذيب، وقد عمد نظام قيس سعيد إلى تجريم كل من صوت ضده أو قاطع، وظهر في أكثر من مناسبة مهدداً ومتهماً إياهم بتعطيل الانتخابات التي يريدها مبايعة له.

لقد وضع صاحب العمل في الحلقة الأولى كل ملامح النظام الديكتاتوري، لينطلق في بقية الحلقات في تفكيك  مظاهر ذلك لنظام الشمولي الاستبدادي.

الحلقة الثانية والثالثة من المسلسل ركزت على الإعلام الموالي والتحوير الوزاري، حيث تظهر السلطة ممثلة في رئيس الدولة البرمقلية، توزع الحقائب الوزارية اعتماداً على القرعة وعلى الولاءات لا على الكفاءات، وهو ما عاشه التونسيون منذ إعلان الانقلاب قبل سنة، فبدأ قيس سعيد في توزيع الوظائف السامية والوزارات والولايات على أتباعه وقادة حملته الانتخابية، كما قدمت الحلقة صورة عن التلاعب الأسري بالدستور من أجل مصالحها وترضية لزوجة الرئيس.

وقدمت الحلقة الثالثة باروديا ساخرة للتلاعب بالمناصب في الجمهورية البرمقلية التي  أوجدت مشروعية لكي يكلف شقيق زوجة الرئيس، ضابط الإيقاع بوزارة الداخلية، وحفظه لأغنية شهيرة لصوفية صادق كانت تغنيها في عيد الأمن بتونس في عهد زين العابدين بن علي، لتدعم ترشحه ككفاءة أمنية. 

وقد استلهم العمل عوالمه أيضا حتى من التجربة المعاشة نفسها في ذلك الوقت، وكيف كانت تتعامل الحكومة مع قضايا الإرهاب وتهريب السلاح في تونس، كقصة المهرب البلجيكي للسلاح الذي وقع الإفراج عنه واعتبار أن ما ضبط معه كان مجرد لعب أطفال.

إن هذا المسلسل يعبر عن واقع السياسة في العالم العربي برمته، وهو يذكر بفيلم "البداية" لصلاح أبو سيف ودولة نابيهاليا، والتي تروي قصة سقوط طائرة في واحة بالصحراء، وانقطعت بالركاب السبل، فبدأوا بتأسيس دولة خاصة بهم سموها نبيهاليا، وتبدأ الصراعات الواقعية للسلطة مع الشعب والمعارضة، وتتجدد كل المكائد والدسائس، حتى أن صلاح أبو سيف صرح أنه أراد أن يقدم فيلماً فنتازياً عجائبياً فتفاجأ أنه شديد الواقعية.

وصل  قيس سعيد إلى الحكم عبر وسائل الديمقراطية التي أجهز عليها بعد سنة واحدة، وهذا ما نبّه له الناقد والمفكر الفرنسي تزيفتان تودورف قبل سنوات، وفي تونس تحديداً، وهو يقدم كتابه "الأعداء الحميميون للديمقراطية" والذي أشرنا إليها في مقال سابق برصيف22 بعنوان "معذرة تودوروف... لقد أكل الحمار الديمقراطية".  

 وهو ذات الأمر الذي حدث مع فيلم "البداية"، حيث عبّدت الوسائل الديمقراطية الطريق للديكتاتورية، وتحلل الحلقة المخصصة للفيلم من برنامج "خارج النص" هذه الفرضية.

كل حلقة من هذا المسلسل أصبحت مشاهدتها تشكّل حرجاً للتونسيين الموالين لقيس سعيد، لأنها  تقوله مع كل مشهد، ونعتقد أن قناة التاسعة التي تحوّلت إلى قناة موالاة تامة لنظام قيس سعيد، وزرع فيها أتباعه كمحللين سياسيين، لن تجرؤ القناة أبداً على إعادة بثه مادام قيس سعيد رئيساً، فقد صارت الباروديا واقعاً والديستوبيا راهناً سياسياً. ويبدو أن المسلسل كان ينقل صورة عن الخيال السياسي الشرقي العقيم الذي أعاد إنتاج نفسه في تونس، مجهزاً على فكرة الديمقراطية في رحمها، مؤكداً على أكذوبة وعي الشعوب وجاهزية نخبتها للحسم في أمر الديكتاتورية.

بل إن الخيال الذي كتب به المسلسل كان أكثر واقعية مما حدث في القصر الرئاسي منذ تسلم قيس سعيد الحكم، ويكفي هذا المشهد دليلاً على أن الواقع أكثر عجائبية من العجيب وأكثر باردويا من الباروديا الفنية. 

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard