في ظل الدستور الجديد... كيف يعمل النظام الرئاسي التونسي؟

الأحد 31 يوليو 202203:17 م

صوّت التونسيّون يوم 25 تموز/ يوليو 2022، على مشروع الدستور الجديد الذي اقترحه رئيس الجمهورية قيس سعيّد، بنسبة 94.6 في المئة، حسب النتائج الأولية للاستفتاء التي أعلنت عنها الهيئة العليا المستقلّة للانتخابات.

بلغت نسبة المشاركة في الاستفتاء نحو 27.5 في المئة، وسط مقاطعة واسعة دعت إليها أحزاب عدة معارضة لمسار 25 تموز/ يوليو 2021، التي عدّت أنّ الدستور يعطي شرعيّةً لعودة الاستبداد والديكتاتورية، خاصةً أنّ الدستور وضعه رئيس الجمهورية بشكل فردي.

وأثار النظام السياسي المضمّن في الدستور جدلاً واسعاً في البلاد، لأنه يجمع الصلاحيّات في يد الرئيس مع تهميش دور البرلمان ومؤسّسات الدولة، حسب آراء خبراء القانون الدستوري.

رئيسٌ لا يُسأل

نصَّ الدستور الجديد على اعتماد النظام الرئاسي نظاماً سياسياً في البلاد، مع منح رئيس الجمهورية صلاحيّات واسعة على حساب البرلمان والمؤسّسات الدستورية الأخرى.

وينصّ الفصل 110 من الدستور، على أنّ رئيس الجمهورية يتمتّع بالحصانة طوال تولّيه الرئاسة، و"لا يُسأل رئيس الجمهورية التونسية عن الأعمال التي قام بها في إطار أدائه لمهامه".

ولا يحقّ للبرلمان الجديد مراقبة قرارات الرئيس التي قام بها في إطار أدائه لمهامّه أو أعمال الحكومة، على أن تكون الحكومة مسؤولةً أمام الرئيس، وليس أمام البرلمان.

كما يحقّ لرئيس الجمهورية حلّ مجلس نواب الشعب والمجلس الوطني للجهات والأقاليم، وكذلك يمكنه إقالة الحكومة أو عضو منها من دون الرجوع إلى البرلمان.
ونصّ الفصل المئة والعشرون على أنّ "تسمية القضاة تكون بأمر من رئيس الجمهورية بمقتضى ترشيح من مجلس القضاء الأعلى المعني".

دستور الرئيس وحده

يواجه الرئيس قيس سعيّد، انتقادات لاذعةً من المعارضة في تونس وطيف واسع من المجتمع المدني، الذي يرى أنّ النظام السياسي الجديد يجمّع الصلاحيّات في يد رئيس الجمهورية، ويخرق مبدأ توزيع السّلطات وتوازنها.
صدرت هذه الانتقادات حتى من رئيس اللّجنة المكلّفة بإعداد مشروع الدستور الأستاذ الجامعي الصادق بلعيد، الذي رأى أنّ هذا الدستور يشرّع لنظام ديكتاتوري تنتفي فيه المسؤوليّة السياسية لرئيس الجمهورية، عادّاً أن النّظام السياسي يتضمّن "نظاماً محلياً وإقليمياً مريباً وغامضاً ينذر بمفاجآت غير حميدة مستقبلاً".

في هذا السياق، قال أستاذ القانون الدستوري عبد الرزاق المُختار، في تصريح لرصيف22، إنّ الدستور الذي صوّت له التونسيون، يوم 25 تموز/ يوليو الجاري، لا يقدّم نظاماً سياسياً واضحاً، وإنّما يجمّع السلطة بيد رئيس الجمهورية، عادّاً أنّ مشكلة هذا الدستور هي في أنه فكّر في رئيس الدولة فقط.

نصَّ الدستور التونسي الجديد على اعتماد النظام الرئاسي نظاماً سياسياً في البلاد، مع منح رئيس الجمهورية صلاحيّات واسعة على حساب البرلمان والمؤسّسات الدستورية الأخرى. فكيف يعمل هذا النظام؟

وأضاف المُختار أنّ النظام الرئاسي قائم على مقولة التفريق الجامد بين السّلطات إذ ينحصر دور رئيس الجمهورية في الدور التنفيذي من دون التدخل في السّلطات الأخرى، لكن هذا الدستور يركّز السلطات في يد رئيس الجمهورية فهو الذي يشرّع القوانين وينفّذها ويتدخل في السلطة القضائية عبر تعيين القضاة.

وأفاد المختار، بأنّ الدستور الجديد لا يحترم الفصل الجامد بين السلطات وإنّما يجمعها بيد شخص واحد، ويقرّ محكمةً دستوريةً لا تتدخّل في عمل المؤسسات وإنّما يقتصر دورها على النظر في مدى تطابق التشريعات مع الدستور، مشيراً إلى أنّ الدستور الجديد لم يتضمّن السلطات المضادّة، مثل الهيئات الدستورية.

في السياق نفسه، أبرز أستاذ القانون الدستوري، أنّ الدستور سينتج نظاماً رئاسياً ركيكاً يُهمَّش فيه البرلمان لفائدة رئيس الجمهورية، مبيّناً أنّ هذا النظام سيكتمل بوضع النص القانوني المتعلّق بمجلس نواب الشعب ومجلس الأقاليم ثم الاهتمام بهندسة المجالَين الحزبي والمتعلق بالجمعيات المدنية، وإضعافهما.

وبيّن المختار، أنّ النظام السياسي الجديد سيجعل من الحكومة تابعةً لرئيس الجمهورية وتتحمّل عنه الأزمات والانتقادات وتقيه من الصدمات، مبيّناً أنّ هذا الدور لن يخدم الرئيس كثيراً، خاصةً إذا حدثت أزمات اجتماعية واقتصادية.

كما أكّد عبد الرزاق المختار، أنّ وجود أزمات في المستقبل ستخفّض من شعبية الرئيس، وقد تجعله في مواجهة مع الشعب في ظلّ غياب وسائل مؤسّساتية تخفّف هذا العبء.

وقال أستاذ القانون الدستوري، إنّ مجلس نواب الشعب سيكون دوره ضعيفاً جدّاً إذ ينافسه رئيس الجمهورية في التشريع وينافسه مجلس الأقاليم في النظر في الميزانية، عادّاً أنّ السلطة التشريعية ستكون ضعيفةً وتابعةً للرئيس أو غير مستقرّة ومهدّدة بآلية سحب الوكالة.

"استحضار نظريات العصور الوسطى"

يرى الباحث في القانون العام والمحامي عمر الزاوي، في تصريح لرصيف22، أنّ الدستور الجديد أعطى مجالاً واسعاً لتدخّل رئيس الجمهورية وصلاحيات واسعةً على حساب السلطة التشريعية التي تراجَع دورها الحيويّ في إنتاج القوانين الضرورية لسير دواليب الدولة.

وأفاد الزاوي، بأنّ "ذلك سيؤدّي حتماً إلى اختلال التوازن بين السّلطات لصالح السلطة التنفيذية، لأنّ الدستور وردت فيه مواقف انطباعيّة ومزاجية أفقدته مقاييس النصّ الدستوري والموضوعية، وأصبح أقرب إلى المشروع الشخصي"، وفق تعبيره.
في السياق ذاته، رأى الزاوي أنّ الدستور شهد نقلةً غير مسبوقة، واستعمل مصطلح "الوظيفة" عوضاً عن "السلطة"، مشيراً إلى أنّ هذا المصطلح نادر الاستعمال في النصوص الدستورية المعاصرة، ويعود إلى حقبة العصور الوسطى عندما لم يكن إشكال التنظيم البشري للسلطة السياسة قد تبلور بصفة واضحة.

النظام السياسي الجديد سيجعل من الحكومة تابعةً لرئيس الجمهورية وتتحمّل عنه الأزمات والانتقادات وتقيه من الصدمات

كما فسّر الزاوي، أنّ انتقاء مدوّن الدستور لمصطلح "الوظيفة" ناجم عن تأثره بتلك المدرسة الدستورية التي تجنح إلى اعتماد التصافح المباشر بين الفرد والسلطة من دون الحاجة إلى وسيط مؤطر متمثّل في الأحزاب.

وكشف الزاوي أنّ الدستور الجديد أفرز وظيفةً تشريعيةً بغرفتين منتخبتين، تتمثلان في مجلس نيابي وآخر خاص بالجهات والأقاليم وهو ما يفتح إشكالية الصلاحيّات بين الغرفتين حول الدور التشريعي.

كما عبّر الزاوي عن خشيته من الصعوبات التي ستعترض الممارسات السلسة لصلاحيات الغرفتين التشريعيتين، وأيّهما أقوى من حيث المشروعية خاصّةً أنّهما تنبثقان من آلية الانتخاب المباشر.
وختم الزاوي حديثه قائلاً: "ما يمكن ملاحظته في نص الدستور الجديد أن صياغته غلب عليها طابع التسرّع والاستعجال وهذا ما يفسر الأخطاء المتواترة التي وردت في متن النص الدستوري فضلاً عن التثقيل اللغوي المملّ، بالرغم من أن تقاليد صياغة الدساتير تميل إلى الاختصار والاختزال، لأنّ مهمّتها الأساسيّة التنظيم العام للسلطات وتحديد الفلسفة العامة لنظام الحكم".

"لا خوف على الديمقراطية"

بالرغم من تخوّفات الخبراء من عودة الاستبداد في تونس، من باب النظام السياسي الجديد، فإنّ أنصار الرئيس وبعض المحللين والملاحظين يرون أنّ الدستور الجديد قد استخلص الدرس من الفترة الماضية التي اتّسمت بضعف الدولة وغياب الاستقرار.
من جانبه، رأى المحلل السياسي فريد العليبي، في تصريح لرصيف22، أنّ الدستور الجديد تضمّن نظاماً سياسياً رئاسياً يكون فيه رئيس الجمهورية مسؤولاً أمام الشعب ويُنتخب لمدتين فقط، مبيّناً أن الشعب الذي يمنحُ الشرعية للرّئيس هو وحده من يمكنه سحبها منه، مثلما حصل مع الرئيس السابق زين العابدين بن علي عبر المقاومة وهو حقّ دستوري.

"سيؤدّي الدستور الجديد حتماً إلى اختلال التوازن بين السّلطات لصالح السلطة التنفيذية، لأنّ الدستور وردت فيه مواقف انطباعيّة ومزاجية أفقدته مقاييس النصّ الدستوري والموضوعية، وأصبح أقرب إلى المشروع الشخصي"

وأبرز العليبي، أنّ النظام السياسي الجديد يتضمّن المجلس الوطني للأقاليم الذي يمثّل الديمقراطية المُباشرة، ويتكوّن من تمثيلية للجهات يتم انتخابها بشكل مباشر من دون وسيط، وللمنتخبين حقّ سحب الثقة من الممثلين في حال عدم إيفائهم بتعهداتهم.

ورأى العليبي، أن الدستور الجديد يتضمّن الديمقراطية المباشرة في ظلّ الموت البطيء للديمقراطية التقليدية في العالم، على غرار فرنسا والولايات المتحدة الأمريكية، مشيراً إلى أن الدستور الجديد كُتب بعقلية استخلصت الدروس، لأنّ الديمقراطية الليبرالية لا تصلح لتونس ولم تعد صالحةً حتى في الدول التي نشأت فيها.

وعن التخوّفات من عودة الاستبداد، عبّر العليبي عن عدم خشيته من أن يتحوّل النظام الرئاسي في تونس إلى الاستبداد من جديد، بالرغم من أهمية الحذر في المستقبل، مؤكّداً أنّ قيس سعيّد أعاد النظام الرئاسي لأنّه سيعيد المركزية في اتخاذ القرار بما يتمتّع به من كاريزما جعلت الشعب يثق به.

كما رأى العليبي أنّ الديمقراطية التي جاءت بعد الربيع العربي، هي ديمقراطية هشّة ومغشوشة فيها ثلاثة رؤوس ولا أحد يحكم، مبيّناً أن تلك كانت خطة الفوضى الخلاقة التي وضعتها الولايات المتحدة، أي أن يكون الحكم تشاركياً ولا أحد يحكم فتعمّ الفوضى.
وختم حديثه بأنّ "الديمقراطية البرلمانية التي فشلت في تونس، هي التي اعتمدها الاستعمار منذ عشرينيات القرن العشرين، عندما ظهرت الأحزاب مثل الحزب الدستوري وظهرت التعددية في الجرائد في تونس وسوريا ولبنان".

مستقبل غامض للأحزاب

يرى المحللون في تونس أن النظام السياسي الجديد لا مكان للأحزاب فيه، وهو ما يتماهى مع مواقف الرئيس قيس سعيّد الذي يرى أن دور الأحزاب قد انتهى.

وفي هذا السياق، نفى القيادي في حركة الشعب بدر الدين القمودي، في تصريح لرصيف22، وجود تخوّفات حول مستقبل الحياة الحزبية في تونس، مشيراً إلى أنّ الدستور يتحدّث عن الحياة الحزبية والجمعياتية.

وأفاد القمودي، بأنّ الأحزاب هي من ستحدّد مستقبلها من خلال مراجعاتها ورؤيتها للفترة المستقبلية في ظلّ وجود بعض الأحزاب التي عزلت نفسها عن الشعب بمقاطعتها للمسار الذي تتجه وفقه تونس، عادّاً أن التخوّفات المرتبطة بمستقبل الأحزاب مرتبطة بالأحزاب المناهضة لمسار 25 تموز/ يوليو.

وقال القيادي الحزبي، إنّ حركة الشعب ليست لديها أي مخاوف حول المستقبل بحكم أنه لا توجد حياة ديمقراطية من دون أحزاب سياسية، مشيراً إلى أنّ حزبه يتحرّك داخل المجتمع بكلّ أريحية، ويلقى كل الترحاب من التونسيين.

كما رأى القمودي، أنّ على الأحزاب أن تتطوّر من تلقاء نفسها بما يتماشى مع مقتضيات العصر، وأن تتخلى عن الآليات والأساليب التي تجاوزها العصر في العمل.

وبخصوص الاستحقاقات القادمة، يرى بدر القمودي، أنّ الأحزاب يجب أن تتأقلم مع القانون الانتخابي الذي سيتم وضعه مستقبلاً، وأن تكون جاهزةً للدخول في غمار الانتخابات، سواء كان التصويت على القوائم أو على الأفراد.

بدوره، قال المحلل السياسي فريد العريبي، إنّ دور الأحزاب لم ينتهِ، وليست هنالك إشارات على هذا، لكن المشكلة في الأحزاب في حدّ ذاتها هي التي تواجه عداءً شعبياً بسبب ما قدّمته في الفترة الماضية من صورة قاتمة وابتزاز وعنف وسياحة حزبية أدّت إلى أزمات متتالية.

وأضاف العريبي، أنّ الأحزاب التي قاطعت التصويت على الدستور ستجد نفسها في ورطة لها علاقة بالمشاركة في الانتخابات القادمة التي ستكون على أساس هذا الدستور.

من جانبه، رأى أستاذ القانون الدستوري عبد الرزّاق المختار، أنّ دور الأحزاب سيكون ثانوياً في المستقبل، مؤكّداً أنّ رئيس الجمهورية لن يلغي الأحزاب، لكن سيضعف دورها عبر القوانين.

ورجّح المختار، أن رئيس الدولة سيستخدم اليد القضائية للتّأثير في الوضع القانوني للحزبين المنافسين له، حركة النهضة والدستوري الحرّ.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard