"وصلتنا أوامر"... هكذا يتم إلغاء حفل موسيقي في طهران

السبت 30 يوليو 202206:23 م

وسط الزغاريد وتصفيق الجمهور وانشغال المطرب بأدائه، يدخل رجل ببدلة رسمية حاملاً راديو الشرطة ويقف أمام الفنان ليمانعه من الغناء: "یکفي"، فيرد الفنان ببراءة: "لماذا؟ هل هناك مشكل في الكلمات؟"، ليسمع: "وصلتنا أوامر بأن يتم إلغاء الحفل"؛ هذا ما يظهر في مقطع الفيديو الذي انتشر على منصات التواصل الاجتماعي في إيران، من حفلة للفنان مهدي صاكي (ساكي) وفرقته الشهيرة (كَماكان) التي لها شعبية لاسيما بين الشباب في إيران، وتؤدي هذه الفرقة أغانيها على طريقة "موسیقی الفیوجن".


ويعتبر هذا الشكل من إلغاء الحفلات الغنائية في العاصمة طهران، نوعاً جديداً من تعامل رجال الأمن مع الحفلات الموسيقية في ظل حكومة المحافظين، إذ لم يسبق قبل ذلك إنزال مطرب من المنصة بمثل هذا القرار البوليسي.

يأتي تدخل عناصر الأمن في إلغاء حفلة غنائية وسط طهران بعد مرور يوم على تصريحات وزير الثقافة الإيراني محمد مهدي إسماعيلي، الذي قال إن سياسة حكومة إبراهيم رئيسي هي دعم الحفلات الغنائية

وفي المقطع الذي انتشر واسعاً يظهر الفنان مهدي صاكي وهو يشرح بذهول لرجل الأمن أن الفرقة لديها التصاريح اللازمة، وأن الحفل تم تنسيقه مع زملائه، فلا يكترث الرجل به، وتتم إزالة السماعة من أمام المطرب. بهذه القساوة أمام براءة مهدي صاكي ينتهي الحفل، بينما كان يغني بالعربية: "أنا أرد أعوفن كل هلي وأرد أمشي وياكم"، هو المطرب الذي يغني بالعربية والفارسية كونه أهوازياً ومن عرب إيران.

عن تفاصيل الحادث، أعلن الصحافي المختص في المجال الموسيقى بهمن بابا زاده: "عناصر أمن مركز (ابتكار-آزادي) في طهران دخلوا حفلة فرقة كَماكان، وطالبوا بإلغاء الحفل، ورغم احتجاج الفنان والجماهير إلا أن عناصر الأمن نجحوا في إلغاء الحفلة وسط إقامتها".

أما الصحافي الإيراني المختص في مجال الثقافة والفن علي مصلح، وخلال لقائه مع قناة بي بي سي الفارسية، فشرح أن مثل هذه الأعمال العشوائية المخالفة للقانون كانت تقام في المدن الإيرانية بعيداً عن العاصمة طهران على غرار مدينة مشهد التي يمنع فيها إقامة أي حفلة غنائية، أو إنزال العازفات من المنصة في مدن أخرى، ولكن يبدو أن الأمر وصل إلى طهران أيضاً".

وأردف مصلح: "مثل هذه الأعمل المتشابهه التي تكاثرت طيلة العام الجاري مع وصول معسکر المحافظين إلى سدة الحكم، تدل على أن هناك مجموعة واحدة تريد أن تضع حداً للنشاطات الثقافية والفنية".

وكتب الباحث السياسي والاجتماعي عباس عبدي: "إلغاء حفلة غنائية أثناء إقامتها وبرغم تصاريحها، لا نتيجة له سوى الشعور بعدم الأمان من قبل المستثمرين. هذه الشواهد ستجعل المستثمرين الكبار يهربون [من البلاد]، فلا تستغربوا من هروب الاستثمارات".

وحدث إلغاء الحفلة مساء الخميس الماضي 28 تموز/يوليو الحالي، وتفاعل رواد المنصات مع هذا القرار الخارج عن إطار القانون، وعلقت إحدى المغردات: "إنهم ألغوا حفلة كماكان. أيصعب عليكم مشاهدة فرح الناس؟"، وعلق آخر: "إلغاء حفلة وسط أدائها يدلّ على السلطة الفردية؛ الطريقة التي ليست ضد التنمية والأخلاق فقط، بل إنها مخالفة للعقلانية، ولا تعرف سوى الاختناق والقمع".


يأتي تدخل عناصر الأمن في إلغاء حفلة غنائية وسط طهران، بعد مرور يوم على تصريحات وزير الثقافة الإيراني محمد مهدي إسماعيلي، الذي قال إن سياسة حكومة إبراهيم رئيسي هي دعم الحفلات الغنائية.

تصريحات الوزير جاءت بعد مرور أسبوع على أحداث الأهواز التي أشعلت منصات التواصل إثر إلغاء سلسلة حفلات غنائية في هذه المدينة الواقعة في جنوب غربي إيران.

وقام المتشددون في الأهواز بوقفة احتجاجية مع رفع مكبرات صوت تبث ابتهالات في مدح أهل بيت النبي محمد، أمام قاعة الحفلة، واجتماع هواة الموسيقى، مما سبب إزعاجاً شديداً للحاضرين، وانتهت الحفلة بإلغاء جميع الحفلات المقررة في تلك الفترة. وكل هذا حدث أمام أعين الشرطة التي كان عليها أن توفر الأمن للنشاط القانوني وتقف سداً أمام التجمعات العشوائية.

وتساءل نجم البوب سیروان خسروي على ما جرى له وفرقته في الأهواز: "هل قوة سيارة مع مكبرات صوت أكثر من التصريحات القانونية للبلاد؟، من یتحمل المسؤولية تجاه الإهانات والاعتداء الجسدي الذي تعرض له الناس؟".

وكتب الناشط الإيراني محمد مالي: "محل إقامة الحفلة الغنائية التي تم إلغاؤها يبعد عن مجلس المحافظة 50 متراً وعن دائرة الثقافة أقل من 500 متراً"، في إشارة إلى أن الأحداث التي وقعت خارج إطار القانون من قبل المتشددين كانت بالقرب من المؤسسات الحكومية.

الحكومة تدعم الفنانين وتحمي المتشددين

وبعد إعلانه عن دعم الفنانين والأنشطة الغنائية قال وزير الثقافة: "نحن نحترم اهتمامات الفئات المتدينة وعلى من يمنحون التصاريح أن ينتبهوا للأمور الشرعية والقانونية و[الأعراف] المحلية. بعض الأصدقاء في المدن لديهم هواجس محقة، وعلى المعنيين أن يرفعوا الهواجس عبر تصرفاتهم الصحيحة". واعتبرت تصريحات الوزير مزدوجة إذ عبر فيها عن دعم الفنانين ودعم المتشددين معاً، لتكون بمثابة غطاء قانوني لحمايتهم أمام المساءلة القانونية.

وازدادت ضغوطات المتشددين بتضييق الخناق على الفنانين في جميع الأنشطة من الأفلام إلى الغناء عبر عدم منح التصاريح اللازمة للفعاليات أو سن قوانين تخالف حقوق المواطنة، وذلك ضمن سيطرتهم على مقاليد الحكم في البلاد، وفي حال فشلوا بفرض أهوائهم عبر الدستور والمؤسسات الحكومية فيقومون بأعمال شغب باسم الشعب، ليجدوا مستمسكاً لمخالفته خارج القانون.

وخلال مرور عام على تولي إبراهيم رئيسي رئاسة الحكومة، وتوحيد السلطات لوضعها في يد تيار يحظى برعاية شاملة من قبل المرشد الأعلى آية الله علي خامنئي، شهدت البلاد موجة أعمال ضد الحريات الفردية منها تنفيذ خطة للحد من استخدام الإنترنت عبر ارتفاع الأسعار وإبطاء الشبكة تعمداً وحجب مزيد من المواقع الإلكترونية، وتشريع قانون لزيادة المواليد بالإجبار، والإكثار من دوريات الحجاب التي هي أكثر تشدداً ضد الفتيات مقارنة بالماضي، وحظر فنانين كثر من العمل، والرقابة الصارمة على الأفلام السينمائية والمسلسلات التي تبث من المنصات الإلكترونية المحلية.

واشتكى الكثير من الإيرانيين عبر صفحاتهم في منصات التواصل الاجتماعي هذا القمع الممنهج وواسع النطاق الذي شمل الكثير من فئات المجتمع، واعتبروه ضد حقوق الانسان.

إصرار المحافظين على أسلمة المجتمع

أعمال التيار المحافظ القانونية منها وغير القانونية متواصلة لأسلمة المجتمع رغماً عنه، والحكم بالقوة لتوحيد سلوك الشعب، وفرض إرادة الأقلية المتشددة على الأغلبية الرافضة لأي تحميل وفرض على الحريات الفردية.

يعتقد المراقبون في الداخل والخارج أن الأجواء سوف تذهب نحو الأسوء في ظل حكومة متشددة لا تحظى بدعم شعبي

وتحظى هذه التصرفات برعاية المرشد الأعلى والحرس الثوري ورجال الدين الشيعة، حيث قام رجال الأمن باعتقالات طالت معارضين وفنانين في العاصمة طهران ليُسكتوا بقية المخالفين.

ويعتقد المراقبون في الداخل والخارج أن الأجواء سوف تذهب نحو الأسوء في ظل حكومة متشددة لا تحظى بدعم شعبي، والتي كانت نتيجة رقابة مجلس صيانة الدستور في انتخابات عام 2021، حيث لم يزكّ معظم المرشحين للسباق الرئاسي من الأحزاب السياسية، ليتم الاكتفاء بمرشحي التيار المحفاظ فحسب.

ومع استمرار حكومة إيران بعدم العودة إلى الاتفاق النووي وزيادة أنشطتها النووية والصاروخية تبدو أنها مقبلة على عزلة دولية وعقوبات أكثر، من شأنها أن تخلق اضطرابات واحتجاجات في الداخل نتيجة للأزمة الاقتصادية المتخانقة والحرمان من حقوق المواطنة، كما أنها سببت بتسارع وتيرة الهجرة التي وصلت إلى طلاب المدارس في عمر الـ15 فأدنى.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard