في انتظار الثورة المقبلة (2)

السبت 30 يوليو 202212:00 م

يعيش أهل بلدي



إلى ذكرى هاني درويش ونادين شمس وآلاف غيرهما

في ضُحى يوم 27 يناير 2011، كنت ضمن المجموعة الأولى من معتقلي معسكر السلام التي اقتادها أفراد قوات الأمن المرافقة للمثول أمام النيابة العامة للتحقيق. صعدت طابقين متأملاً حوائط وأسقف المبني العتيق، بشاعة الإهمال والقذارة التي حولت المبني إلى خرابة، شتت ذهني عما أنا مدفوع إليه واحتمالاته، ثم حاولت؛ دون جدوى؛ التركيز خلال الدقائق التي قضيتها أمام باب وكيل النيابة، ذلك أن صوت الاطمئنان جاء هذه المرة من شاب ذكر اسمه وصفته باعتباره المحامي المتطوع الذي سيحضر معي التحقيق.

دخلنا، ولم أكمل النظرة الخاطفة ودعانا وكيل النيابة للجلوس، فجلسنا. عرف عن نفسه ذاكراً اسمه، ثم عرف باسم كاتب التحقيق، وللمصادفة كان سميّي، ابتسمنا أربعتنا وكانت ابتسامة ناصر كاتب النيابة فاترة، أو هكذا بدت لي، وعرف المحامي باسمه وقدم هويته.

بأريحية تامة لم أفكر فيها من قبل، قلت: "قبل التحقيق معي في التهم الموجهة لي أريد أن أريكم"، ونظرت إلى الثلاثة، "ما خلفه خرطوش الشرطة على ظهري"، أجاب الوكيل: "تفضل". وقفت، وخطوت ثلاث خطوات باتجاه الحائط المقابل لمكتب الوكيل، بحيث لم يعد بيني وبين الحائط إلا أقل من متر، وبدأت بالتجرد من ملابسي، تماماً.

خاطران: الأول طرحته فوراً، كان سخيفاً رغم طرافته، فقد تذكرت طريقة كمال الطاروطي، وهو يحكي كيف نشلت صدفة ملابسه الداخلية، الثاني طردني من ذكرى ذلك المقطع من مسرحية "سيدتي الجميلة"، وصدى صوت فؤاد المهندس، وحوشية شويكار الفاتنة، الثاني كان اكتئاباً محضاً، فقد وصلت إلى نزع ملابسي الداخلية، وصوت غريب يرن في جمجمتي طاعناً في "شجاعتي" بجرس معدني ومذاق مالح: مُدْبِرٍ غَيْرُ مُقْبِلٌ.

"كفى، يمكنك ارتداء ملابسك". قال السيد الوكيل، ووجدتني أقول متلعثماً بصوت خفيض للغاية رداً على ذاك الصوت الداخلي: "ضربني ولَمْ أَكُن فاراً"، ثم رفعت صوتي ليسمعه الثلاثة: "كنت أنظر..."، ولم أكمل فقد أخرسني تنبهي لواقع أني عارٍ تماماً. وكان التنبه هذا بمثابة كشف وجودي تام بالنسبة لي، فخلال ثلاثة أيام تعريت تماماً، حيث يدقق أشخاص لا أعرفهم في ظهري كله، ويركزون أنظارهم على مؤخرتي ويتأملون بقع الدماء.

ظني، الآن، أن مئات الآلاف من المصريين كانوا في موقف قريب من هذا في تلك الأيام: عرايا في مواجهة البندقية، ولكن بعضهم ربما يتذكر أيضاً ما يبهجهم.

*****

أكملت هندامي، ونظرت إلى الوجوه. كان ناصر كاتب النيابة متأثراً، بحق، واجماً، وللحظة تصورت أن السيد الوكيل في حال قريب من حال "طبيب السلام"، لكن مهابة الوظيفة تكبحه. ذكرت إحصاء الطبيب لعدد حبات العدس، وتقديره للمسافة التي أطلق منها ضابط الشرطة للقنبلة تجاهي مباشرة. قال السيد الوكيل إنه سيحرر محضراً بأقوالي، ومن أتهم، ولكن أولاً علينا أن ندردش قبل البدء في تحرير المحضر، ثم سيعقب ذلك التحقيق في الاتهامات الموجهة لي، وسألني: "ماذا كنت تفعل في ميدان التحرير مساء 25 يناير 2011؟". أجبت فوراً: "كنت أتظاهر". قال: "لحظة، لن تسير الأمور هكذا". ووقف، ثم قال: "دقائق وأرجع"، وخرج.

سألني: "ماذا كنت تفعل في ميدان التحرير مساء 25 يناير 2011؟". أجبت فوراً: "كنت أتظاهر". قال: "لحظة، لن تسير الأمور هكذا". ووقف، ثم قال: "دقائق وأرجع"، وخرج... مجاز

كان ناصر ينظر في وجهي، وكأنه متردد في الكلام، والمحامي يقول: "لا، لن تقول هذا، على السلطة أن تثبت التهمة، لا ننطوع نحن"، وكان ناصر يهز رأسه. عاد السيد الوكيل حاملاً لفافة طولها لا يزيد كثيراً عن متر، وسمكها نحو ربعه، وقال، بينما يضع اللفافة على المكتب: "لن نبدأ التحقيق على الصيغة التي تريدها، في الغرفة المجاورة زميلي بدوره يدردش مع الأستاذ كمال خليل، هو الآخر يريد أن يقول: كنت أتظاهر، أقوالكما قد تضر بالآخرين، وسأقول لك بمنتهى الصراحة والدقة، ليست هناك قضية، جميعكم متهمون بقتل جندي من الأمن المركزي، وقد قمت بنفسي بمعاينة جثمانه في المشرحة، الله يرحمه توفى عصر يوم 25 يناير، ولا توجد على جسمه أية علامات على الاعتداء، سيبين تقرير الطب الشرعي الأمر، لكني أقول لك هذا الاتهام ليس صحيحاً، الأمر الثاني هو الأحراز، وها هي، وأشار إلى اللفافة، وسوف أفضها أمامك، ها نبدأ الدردشة"، قلت: "نعم فلنبدأ"، قال: "ماذا كنت تفعل...؟".

*****

أغرب ما حدث هو الفقرة الخاصة بالأحراز التي قدمتها الشرطة لتتهم أكثر من ثلاثمائة مواطن بقليل بقتل جندي الأمن. فض السيد الوكيل الأختام، وحلّ الخيط، ونزع الأوراق ليكشف عن أربع عِصِيّ خشبية، أطولها بحدود متر، وقطعتي ألومنيوم طول كل واحدة نحو ثلث متر.

في محضر محاولة القتل التي تعرضت لها أفضت الدردشة إلى أن المتهم المباشر هو الضابط الموجود في المكان الذي أصبت فيه، أما المتهم غير المباشر فهو من أصدر له الأوامر، إن كان هناك وجود لمثل هذه الأوامر.

غرائبية، ومجافية لما هو معتاد جلسة التحقيق تلك. الغرائبي بلا حدود ذاك الشعور الذي بثته نظرات السيد الوكيل وكاتبه، وتبسمهما حال مغادرتي، وقولهما: "سلامتك".

*****

قادنا العساكر إلى محبس مؤقت بانتظار قرار النيابة. للمرة الأولى يجتمع مختلف الأطياف معاً، ظهر التقسيم على نحو دقيق حين وقف ثلاثة: كمال خليل، أمين إسكندر، وثالث عرفه خليل ببادئة "الشيخ". ثلاثي مثالي: شيوعي، ناصري وإخواني، وقاطع "التلقين" شاب سأل خليل: "كم مضى عليك في السياسة يا أستاذ كمال؟"، وقد أجاب: "ثلاثين عاماً بالتمام"، فرد الشاب: "العيال اللي بنطلونها نازل عن وسطها عشان البوكسر يبان هما اللي حيعملوا الثورة". تحدث خليل، باعتباره الأكثر معرفة بالمعتقلات، وقال: "هناك احتمال النيابة تفرج عنا، وأما سنُرحّل إلى طرة"، وراح يفصل في مسائل الحياة العامة في المعتقل، والعملة الرسمية فيها هي السجائر، خطاب قصير محكم من خبير لفتته لماحية الشباب وروحهم.

في الحيز الضيق للغاية، وفي انتظار القرار، كان الاختلاف ينسرب ببطء: صلاة العصر، وأولوية الدخول إلى المرحاض، ثم الغناء والهتاف. المدهش، وربما الطبيعي، أن سيد درويش كان جسراً تشاركه الجميع.

بعد المغرب جاء القرار مع الطرق على الأبواب المعدنية: "إفراج". غرائبية مضافة.

*****

اقتادونا إلى عربات الشرطة الزرقاء. فرحين تكدسنا، قُيّدت يسراي إلى يمين عضو في جماعة الإخوان المسلمين، كان قد جلس جواري في الحبس المؤقت في انتظار قرار النيابة، وتبادلنا الحديث عن ظروف القبض علينا. كان ودوداً، وباح لي بأن الجماعة وافقت على نزول الإخوان كُلّ على مسؤوليته، وأنه جلب معه إلى حيث وقف متظاهراً أمام دار القضاء العالي، ملفاً فيه أوراق لأحد أولاده، خاصاً بمدرسته وخطاباً موجهاً إلى مديرية التعليم، كي يكون حجته في حال القبض عليه، وزاد: "الجماعة، قصدي أم الأولاد، ظلت واقفة أمام باب الشقة لأكثر من ساعة لمنعي من النزول، ولم تسمح لي إلا بعد أن وعدتها بأني سأكون حذراً"، وكان في غاية السرور لأنه، وإن تأخر، سيفي بوعده، وعندما بدأ ركب عربات الشرطة بالتحرك سألني: "ماذا سأقول لها غداً؟"، ضحكت، وقلت: "المشكلة غداً يوم جمعة، إجازة". ضحك بدوره، وهز الملف الورقي الذي كان يضعه في كيس بلاستيكي.

بأعلى صوت ممكن نبح: "البلد حتضيع"، وراح يكرر الكلمتين وهو يتقافز في مكانه ويحرك يديه كمن يدفع عنه أشباحاً تتخطفه، وقفز نحوي ممسكاً بتلابيبي، وعنفني نابحاً: "حتتصور وحتتفيش يا روح أمك، فاهم يا... أمك"... مجاز

خرجنا من شارع بورسعيد باتجاه السيدة زينب، ثم إلى قسم شرطة قصر النيل، ونزل بضعة معتقلين، وانتظرنا بضعة دقائق وخرجوا أحراراً فرحين، ثم ذهبنا؛ مروراً بميدان التحرير، إلى نقطة شرطة صغيرة خلف قصر عابدين، ملاصقة لوحدة صغيرة من قوات الحرس الجمهوري، وتكرر الانتظار والفرح، بقينا خمسة تحملنا العربة، وإلى قسم شرطة الموسكي في ميدان العتبة نزلنا، حيث وقعت ذروة الغرائبية في تلك الأيام الثلاثة: أولاً، تبين لي أن لواءً كان يجلس في مقدمة العربة الزرقاء، السيفان المتقاطعان ذهبيا اللون على كل كتف من كتفي الرجل كانا لامعين، فخطفا كل انتباهي، وبرقة تليق بمربي أمراء قال: "تفضلوا"، وتقدمنا خطوات، ثم ملتفتاً إلينا، مكرراً: "تفضلوا".

دخلنا إلى غرفة متسعة بعض الشيء، وحاجز خشبي مرتفع لنحو متر ونصف يقف خلفه ملازم. فرد اللواء ورقة ووضعها على الحاجز أمام الملازم، وقال: "قرار النيابة، سجل البيانات بسرعة". كان الملازم متجاهلاً، بإهمال لا يخفيه، السيفين الذهبيين المتقاطعين، ينظر صوب رجل دخل الغرفة دون أن ننتبه له، ثم تقدم المنظور إليه إلى الحاجز وأمسك بالورقة، وبنبرة آمرة نطق: "لا، سرعة إيه، نعمل شغلنا مظبوط. نفيشهم ونصورهم الأول".

همس الملازم إلى اللواء عبر الحاجز بكلمتين أو ثلاث وهو ينظر إلى صاحب النبرة الآمرة، فتراجع صاحب السيفين خطوتين ناظراً إلى سقف الغرفة، وتقدم صاحب النبرة الآمرة نحونا، ونظر إلينا بمزيج من الاحتقار والحقد، وأشار بسبابة يسراه إلينا، كأنه يمسك بخيط مربوط طرفه الآخر إلى أعناقنا، وأدار سبابته حول محور في الفراغ، ثم مشيراً إلى حائط، ونطق: "ظهرك يلمس الحيط منك له، وأنت يا ابني صور كل واحد أقول اسمه".

وكان ينظر إلى رجل يحمل كاميرا، تحرك رفاقي الأربعة صوب الحائط وتجمدت مكاني مطلق العجز عن التفكير فيما يجري، وحيثية الرجل الذي فكّ صوته تجمدي وعجزي اللحظي وهو يخاطبني: "واقفة ليه يا بيضا". ابتسمت وخطوت باتجاه اللواء وقلت: "سيادة اللواء سؤالين لو تكرمت: هل حدث لرفاقي المفرج عنهم في قصر النيل وعابدين ما يأمر به السيد الذي لم يعلن حيثيته لنا، وهل في قرار النيابة ما يقتضي ما يأمر به؟". وجاء رده سريعاً وجازماً للغاية: "لا"، وكررها وهو يخطو باتجاه صاحب النبرة الآمرة، وبهدوء قريب من الاستعطاف خاطبه: "لا داعي"، وكان المُخاطب في حالي السابق؛ متجمداً للحظة، ثم بأعلى صوت ممكن نبح: "البلد حتضيع"، وراح يكرر الكلمتين وهو يتقافز في مكانه ويحرك يديه كمن يدفع عنه أشباحاً تتخطفه، وقفز نحوي ممسكاً بتلابيبي، وعنفني نابحاً: "حتتصور وحتتفيش يا روح أمك، فاهم يا... أمك". وبينما يكرر لفظ عضو أمي الجنسي.

كان مربي الأمراء يحاول استخلاصي، وكنت في قبضة هدوء مطلق. أبتسم، مانعاً نفسي عن مجاراة حضور صدى صوت محمد السيد سعيد وهو يرد تعذيب جلاديه بكلمتيه الخالدتين: "اضرب يا جبان". وانتصر مربي الأمراء، واستخلصني، ووجدتني على مقربة من باب الغرفة، فقلت: "سيادة اللواء، النيابة أفرجت عني وبياناتي مدونة هل تريد مني شيئاً؟ سأخرج". ولم يجب، فقد كان منشغلاً بالسيطرة على ذاك المُلتاث، فخطوت باتجاه باب القسم بتُؤدة تشوبها خيلاء، ولم يلاحقني أحد والنباح استحال إلى خوار.

*****

استوقفت سيارة أجرة أمام باب قسم شرطة الأزبكية. تذكرت أن في جيبي مائة جنيه كان قد دسها بإلحاح في جيب سترتي أحد صحفي روز اليوسف المفرج عنهم ليلة 25 يناير. تحسست جيبي للتأكد وضحكت بصوت عال، وكان استغراب السائق مدهشا: "ربنا يديم انبساطك، بيقولوا بكرا في مظاهرات، جمعة غضب"، أجبته: "ذاكرتي تحرجني، تعرف سعيد مهران؟ شكري سرحان في فيلم (اللص والكلاب)، تذكرته وهو يمسك بالعشره جنيه، ويقول: عشره جنيه يا أستاذ!؟". وحكيت ملخصاً لما جرى، حتى وصلت ميدان الجيزة، وودعني السائق: "سلامتك، خلي بالك على نفسك".

*****

بين الميدان والبيت أقل من مائة متر، شغلتها بتبكيت لاذع: حيثية؟ إهذا كان وقتاً ومكاناً مناسبين للتفاصح؟ وما هي حيثيتك أنت؟

ظني، الآن، أن هذا كان سؤال ملايين.

وكانت إجابتي بسيطة للغاية: حيث أني إنسان لا يجب أن يُضرب ويُسرق ويُذكر عضو أمه المتوفاة الجنسي في محفل عام، وهذا إدراك عظيم، لأن حيث إني: ذكر، مسلم، أعزب، أعمل كفنان بوزارة الثقافة، في السنة الأخيرة من الحلقة الخامسة من عمري، أسكن في بيت عائلتي، كما هو مدون في بطاقة تحقيق الشخصية التي أصدرتها الدولة المصرية، والتي سرقها موظف بوزارة الداخلية، لا تعني الكثير، وربما لا تعني شيئا البتة، من حيث الحيازة والمكانة.

كنت عارياً، مجازياً، وأنا أضغط على جرس البيت، وعارياً فعلياً؛ وبفعل الماء الساخن على جسمي المنهك؛ استكملت تدقيق "حيثيتي" في هذا الوجود... مجاز

وكنت عارياً، مجازياً، وأنا أضغط على جرس البيت، وعارياً فعلياً؛ وبفعل الماء الساخن على جسمي المنهك؛ استكملت تدقيق "حيثيتي" في هذا الوجود.

*****

كانت ضحكة محمد رضا، صديقي، مجلجلة، فرحاً وفخوراً، يهزني وهو يسألني: "مين اللي نزلك الثورة يلا، قول؟"، ثم يحتضنني وأنا أجيبه: "أنت يا أستاذ رضا"، وبجدية غير معهودة قال: "كنت حتندم طول عمرك".

كان قد هاتفني في الساعة الحادية عشرة مساء الثلاثاء 25 يناير 2011، ملحاً أن أرافقه إلى التحرير، فقلت لن أنزل من البيت إلا بقصد أن أذهب إلى المقهى للعلب الطاولة، وتحايل: "ماشي، أنا في ميدان الجيزة". لكنه قاد سيارته باتجاه مجرى سور مجرى العيون، ورضخت لرغبته. كنت قد جاوزت سنتين من العطالة التامة، ففي سبتمبر 2008 كنت أتعاون مع صحيفة روزاليوسف اليومية، كمشرف على صفحات الثقافة والتحرير العام، وكانت إحدى الزميلات الصحفيات النابهات حاملاً، لكنها أصرَّت على الذهاب إلى القلعة، حيث يعقد فاروق حسني وعزيزة بناني مؤتمراً صحفياً متعلقاً بالتوافق على مرشح عربي لليونسكو، وأتمت الزميلة مهمتها الصحفية بكفاءة تامة، لكن أحد مشرفي التحرير تجاوزني ولم ينشر الخبر الذي حررته وأجزته للنشر، وحين علمت ثار غضبي معلناً أن هذا اجتراء غير مقبول مطلقاً؛ فلم أحتمل إهدار جهد زميلة تثق في تقديري المهني، وتركت المبنى الذي لا يربطني به إلا تلك الحدود القطعية التي اتفقت مع رئيس التحرير، عبد الله كمال، عليها: ما أجيزه لا يمنعه أحد وإلا فهجر جميل.

*****

طوال ليل الخميس، وحتى فجر الجمعة 28 يناير، كان رضا على يقين من أني مغمور في مزاج انتحاري، وأني إن نزلت قاصداً الوصول إلى الميدان فسأموت، ونقل يقينه هذا إلى مصطفى، أخي، وبعض الأصدقاء، ووصل يقينه ذاك إلى خطيبتي. ولكني كنت؛ إذ جمعت مسألة حيثيتي الممتحنة إلى مُدْبِرٍ غَيْر مُقْبِلٌ؛ في قبضة الشابي الرومانتيكية المهجورة المستعادة؛ كنت أردد ليس القريب من الألسن: "إذا الشعب..."، بل بعيدها: "سَأعيشُ رَغْمَ.... أرْنُو إلى... وأقولُ للقَدَرِ... لا يُطْفِئُ اللَّهبَ المؤجَّجَ في دمي... سَأَظلُّ أمشي رغمَ ذلك...".

*****

وكان الأمر كله بين البداية والنهاية ميقات واحد: نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ وأنا على مشارف سوق التوفقية. فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاةُ بدأت الزلزلة: بضعة شباب يهتفون وثلة من العصي تنهال على الوجوه والأقفية والطراد يتم عبر السوق الضيق، وأنا أريد أن أنزل وأنا في وضعية الـ "مُقْبِل"، لكن غشاني وجل خفف ظهور نبيل المفاجئ من بعضه. حضنني وقال: "سلامتك، نادين قالت لي ما جرى لك، أنت كويس"". ولم ينتظر الإجابة، وقال: "سلام. أنا رايح شبرا"، ومضى، وتكاثف الطراد، وعاد الوجل ليشمل الجسم والإرادة، وانتشلني منه ثلاث فتيات يهتفن، ويقفزن باتجاه العصي المشرعة، وجاءت الأدخنة، وشلالات الخل والمياه الغازية والتحذير: "لا تفركوا العيون اغمضوها للحظات. إلى الممرات الجانبية، من هنا، لا من هناك"، وكان أبو القاسم يترنم: "أَمشي بروحٍ حالمٍ..."، ونُودِيَ للعصر وسعيد الكفراوي ينزع عويناته ويفرك عيونه وينادي الخل والحاجة الساقعة.

وكنا على مشارف طلعت حرب، وكانت فتيات محجبات وسافرات، وفكرت: من منهن تعلم موقف الرجل الرجعي من قاسم و" تحرير المرأة"، وتكاثفت قذائف الغاز، واخترقت إحداها عربة شرطة كانت، للغرابة، تقف دون أن يكون لها دور في المواجهات الدائرة، أمام انعطاف محمود بسيوني على كريم الدولة، فأصابت مجنداً في وجه وأسالت دماءه، فحمله متظاهرون وهم يهدّئون من روع ضابطه الفزع إلى مقر حزب التجمع، حيث ثلة من قيادته يشاهدون الثورة على التلفاز. ويحاول متظاهر الاتصال بالإسعاف الذي أبلغه استحالة الوصول، فاقترح آخر أن يُحمل المصاب إلى هشام مبارك للعلاج. وكان رفعت يشغل أحد الخطين الهاتفيين، فاختطف متظاهر الهاتف من عامل التحويلة وسبّ رفعت السعيد وأغلق الهاتف، وغادر، وغادرت إثره.

وكانت أربع سيارات حديثة لامعة تسير في رتل واحد، كأن كل واحدة مربوطة إلى التي تتقدمها، ولا يوجد في كل واحدة منها إلا قائدها، كانت آتية من هدى شعراوي، واستوقفها متظاهرون، وقادة السيارات لا يلتفتون مطلقاً، لا يردون على الإشارات ولا الكلام، ينظرون صوب مخرج محمود بسيوني على عبد المنعم رياض، وكان كرّ وفرّ، وكان عادل السيوي يبلغني مقتل أحمد بسيوني، وارتحت دقائق في ميريت، ورجعت إلى الغاز والطراد والخرطوش والدماء، ونُودِيَ للمغرب، وقبل الإقامة وقفت عند النقطة التي أُصبت فيها بالخرطوش ليل الثلاثاء، وكنت أنظر للانسحاب المنظم للشرطة من محمد محمود صوب وزارة الداخلية، وأصوات تقول: "اتركوهم لا يطاردهم أحد. الرصاص يأتي من أعلى مبنى الجامعة الأمريكية، لنذهب إلى المجمع، لا، لا يقترب أحد من المجمع، المتحف، لنحمى المتحف".

وأُحرقت سيارة عسكرية صغيرة، وفُتشت أخرى كبيرة، ومضيت إلى وائل، على يميني ناصر يقول: "Game Over"، وعن يساري محمد يقول: "عايزين حد يعمل lay out لوسط البلد"، وضحك هاني وهو يقول: "تعيش وتاخد غيرى، أجمد لسه فاضل كتير"، ثم ذهبت إلى محمد نجيب وركبت المترو باتجاه الجيزة، ونمت، وأيقظني عجوز: "أنت نازل فين يا حج؟".، فنظرت وإذا أنا في محطة الجامعة في بين السريات حيث ولدت، فاستيقظت حتى الجيزة.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard