في انتظار الثورة المقبلة (1)

السبت 14 مايو 202202:53 م

يعيش أهل بلدي



إلى ذكرى هاني درويش ونادين شمس وآلاف غيرهما

بعد خمسة أيام من دهس مدرعات الجيش للمتظاهرين أمام مبنى الإذاعة والتلفزيون، وإطلاق الجنود "المرعوبين" النار نحو الرؤوس والصدور، سألني صديق أثق في محبته لي، وأقدر خبرته بالحياة: متى ستكتب ما رأيت وسمعت منذ الدقائق الأولى التي دخلت فيها إلى ميدان التحرير؟ فأجبته: سيأتي يوم إذا كان في العمر بقية، فعقب: اكتبها حتى لا تنسى، أما نشرها فأمر آخر، فقلت: وهل هذا ينسى؟

في تلك الجلسة، بشّرت صديقي: مروة (زوجتي) حامل، ذهبنا إلى الطبيب قبل أسبوع، الجنين أنثى. تهلل، وبارك، وشجعني، ثم قال: تأخرت في الزواج، وتزوجت في أصعب الأوقات، وعاد متهللاً ومباركاً، وصمت، وسرح، وقال: الولد مبخلة مجبنة! ثم قاطع استرساله، أو توضيحه، قدوم صديق، وعودة الحديث إلى ماسبيرو، وأسئلة متتالية: هل كنت هناك، هل شاهدت ما حدث، بعينك، هل... وهل؟

إلى ميدان التحرير، القاهرة، 25 يناير 2011 قبل الفض بنصف ساعة لا أكثر

سرنا، صديقي محمد رضا وأنا، من سور مجرى العيون ولم نصادف أحداً. الشارع خال وصامت إلا من استغرابنا وتوقعاتنا ومرحنا. أمام مبنى روز اليوسف صادفنا صحفية أعرفها وبرفقتها شابين لا أعرفهما، أغريتهم بالانضمام إلينا، فاستجابوا مترددين. وواصلنا خمستنا السير باتجاه الميدان، وعند تقاطع القصر العيني مع الشيخ ريحان، استوقفني ضابط شرطة، إذ كنت قد تقدمت الركب بخطوات، وسأل: إلى أين؟ قلت سننضم للمظاهرة، فأشار بالذهاب من خلف مبنى المجمع، قائلا: تفضلوا، وأعقب بابتسامة فاترة. كانت المسافة بين تقاطع القصر العيني والشيخ ريحان وتقاطعه عند نهايته في الميدان التحرير مع محمد محمود، محتشداً بالعساكر والضباط، ففهمت أنه لا مجال للمضي من هنا، فذهبنا من حيث أشار.

أعداد هائلة من جنود وضباط وعربات الأمن المركزي خلف المجمع وفي الشارع الفاصل بينه وبين جامع عمر مكرم، أعداد لم يسبق لي أن شاهدت مثلها مجتمعة في مثل هذا الحيز الضيق، ولم أفهم ما هم مقبلون عليه بعد دقائق من دخولي للميدان من هذه الزاوية. كنت منشغلاً بتذكر كم مظاهرة شاركت فيها في حياتي، حتى هذا اللحظة.

*******

في عامي الدراسيين بمدرسة الأرمن المتحدة، ببغداد (1976- 1978)، حُشدت، مجبراً، ضمن مَنْ حُشد من طلاب المدارس، إلى مظاهرات عديدة. كنا نردد، ملتزمين بموجّهينا من الشباب والرجال والسيدات الأكبر سناً: "يا دمشق ثوري ثوري، خلّي الظالم يلحق نوري"، أو "يا قاهرة ثوري ثوري، خلّي الظالم يلحق نوري". وكان سهلاً فهم أن "الظالم" هو الأسد أو السادات، لكن استدعاء نوري كان غريباً لدى بعض الزملاء، لكنه لم يكن غريباً بالنسبة لي بعد المرة الأولى، فإذ كنت أعرف أنه (نوري السعيد) الذي كان رئيس وزراء العراق عند قيام ثورة 14 تموز/ يوليو 1958، سألت عن دلالة حضوره، وقد أجابني مرشدي في منظمة الفتوّة حين سألته: أنت بالأخص عليك أن تعرف قصة نهايته، فأنت تقيم في الحي الذي شهدها، فبعد يوم وعدة محاولات للهروب، لجأ إلى بيت أحد أصدقائه في "البتاوين"، وهناك قُتل على أيدي مهاجميه، في رواية شبه رسمية، أو أنه قتل نفسه كيلا يتم الإمساك به وإهانته علانية، في رواية أخرى.

سنتا السماوة خلت من المظاهرات. سنوات الجامعة تنوعت، أولها كانت خارقة للعادة، كما ظننت وقت المشاركة فيها، فبعدها بأسابيع تكشف لي أنها لم تخرج من سور الجامعة عفوياً ولكن كانت الموافقة قد سبقتها.

كنا نردد، ملتزمين بموجّهينا من الشباب والرجال والسيدات الأكبر سناً: "يا دمشق ثوري ثوري، خلّي الظالم يلحق نوري"، أو "يا قاهرة ثوري ثوري، خلّي الظالم يلحق نوري". وكان سهلاً فهم أن "الظالم" هو الأسد أو السادات... مجاز

كنا، كطلاب وتلاميذ مصريين دارسين في بغداد، ومن خلال "اتحادنا"،  نقيم في يوم 6 تشرين أول/ أكتوبر، احتفالاً بمناسبة يوم النصر، وفي 1981 كان الاحتفال في مسرح جامعة المستنصرية، ومضت فقرات الحفل الغنائية والشعرية منها على ما يرام، حتى قفز زميلنا الذي تخرج من الجامعة قبل عامين، ناجي عيد، إلى خشبة المسرح، وإذ هو يخطف الميكرفون من يد زميلتنا التي كانت تستعد للغناء، ويصرخ: "قُتل السادات"، ثم رددها مرات، فضجّت القاعة بألوان من الصريخ والزغاريد والصفير والتكبيرات، وكل تعبير ممكن عن الفرح، ثم لا أعرف كيف وجدنا أنفسنا أمام بوابة الجامعة، والوقت ليل، ثم سرنا، نردّد ما يخطر على البال من أغانٍ وهتافات، حتى وصلنا الوزيرية، الحي الذي يوجد به عدد كبير من روابط واتحادات طلابية عربية، ومساكن جامعية، ودون تردد مضينا إلى باب المعظم، فشارع الرشيد.

توقفنا طويلاً عند المربعة، الحي الذي يسكنه عدد كبير من المصريين، حتى عده العراقيون حياً مصرياً، وكانت النكتة الشائعة أن عراقياً قال لصديقه: "تصور اليوم شفت عراقي في المربعة". وهناك ظل الهتاف ثابتاً على: "قم يا مصري مصر دايماً بتناديك". لم يستجب للنداء إلا قلة، فواصلنا المسير إلى ساحة التحرير، فعودة إلى الوزيرية، وهناك، وإذ نتوادع متفرقين، يقف زميل فوق سور حديدي ويقول: "يا رفاق، كل واحد ينام في حجرته عشان الطائرات بتسخن، القيادة قررت تنزلنا مصر عشان نمسك الحكم"... وتفرقنا بين السخرية والاستهزاء والتصديق والتجهز.

 في السنوات التالية جرى حشدي، إجبارياً، ضمن زملائي وزميلاتي في أكاديمية الفنون، لتوديع فيلق سيشارك في المعركة، أو استقبال آخر عائد منها.

في مصر شاركت مختاراً في مظاهرات 1990، 1993، التي كان العراق وما يجري منه وله موضوعها، في ربيع 2002 شاركت في مظاهرة أمام جامعة القاهرة دعماً للفلسطينيين في انتفاضتهم الثانية. كان المتظاهرون بالمئات: مثقفون وفنانون وسياسيون، وانضم لهم طلاب من الجامعة، ولا أعرف كيف تحولت غاية الجميع من المظاهرة إلى مجرد الوصول إلى الكوبري، حيث مقر السفارة الإسرائيلية، واستمات الأمن المركزي في منع ذلك، لكن ما ظل عالقاً بذاكرتي، طبعاً بالإضافة إلى العنف وقنابل الغاز وغلق أسوار الجامعة الحديدية، هو تلك الواقعة الكاشفة للكيفية التي يعامل بها الضباط جنودهم، فبينما يرفع أحد الجنود عصاه الطويلة ليضربنا، أخطأ وهوى بالعصى على كتف ضابطه، فإذ بهذا يتوجه للجندي متلفظاً بأشنع الألفاظ المتعلقة بالمناطق الحساسة من جسد أم الجندي وسمعتها، ثم راح يضربه ويركله بعنف لفترة ليست قصيرة، حتى بادر عدد من المتظاهرين، كنت بينهم، لتخليص الجندي من بين يدي وأرجل الضابط، وأنا أقول للجنود: "انظروا كيف يعاملونكم"، وكان الجنود مذهولين من المدى الذي ذهب إليه الضابط، ولكن ذهولهم من حمايتنا للجندي كان أعظم.

تذكرت كل هذا ودخلت إلى التحرير.

كأن العادلي كان ينتظر حضوري

ندخل خمستنا، ونفترق في الزحام، دقائق وأسمع شخصاً يهمس بقربي "الفض سيبدأ، انتبهوا"، ويتنقل بين المتظاهرين هامساً، كنت أقف أمام الحاجز الحديدي الفاصل بين الأمن والمتظاهرين عند نهاية القصر العيني، وأمام محمد محمود، تحركت أمتارا للخلف لأفهم، كان تصوري الأول أن هذا الشخص "مدسوساً" من الأمن، وسمعت صفارات الإنذار، من المدرعة، ولحظات وبدأ الجنود ينحون الحاجز الحديدي، والمدرعة تتقدم، ودون تفكير تحركت باتجاه المدرعة، وممسكاً بأحد الحواجز الحديدية لأضعها في مواجهة المدرعة، ثم أدفعها باتجاه العجلة الأمامية اليسرى للمدرعة.

وبينما أقوم بهذه المحاولة، أرى شاباً يتسلق المدرعة ممسكاً بمدفع المياه، محاولاً  تعطيله أو كسره، حتى عجز السائق عن التقدم، فاترك الحاجز الحديدي، وأنظر خلفي، كانت الجموع قد تفرقت، مجموعة صغيرة من المتظاهرين تحاول منع القوات من التقدم بقذفها بالطوب، وأكون في المنتصف، أصيح بكلمات لا يسمعها أحد، وقد دار مدفع المياه، لينزل فوق رأسي، بينما الطوب يسقط بقربي، ومحاولاً تفادي المياه والطوب أتحرك باتجاه الرصيف، صائحاً بكلمات لا يسمعها أحد، ولا أعرف كيف أنطقها كأنها تعويذة، فارداً ذراعيي على استقامتهما، كل ذراع باتجاه، وأشعر بأن شيئا أصاب ظهري، خمنت أنها طوبة، وكان بيني وبين الرصيف أمتار قليلة، ثواني وأصبحت عند مدخل العمارة الأولى على ناصية محمد محمود، حيث المطعم المشهور، جذبني شخص إلى المدخل، خمس أو ست درجات وواحدة أوسع جلست عليها.

كنت جالساً على الأرض وظهري عار، فوقفت، وتلقيت اللكمة الأولى، ثم الثانية، وبالكفين على خديي، واللكمة الثالثة أسالت الدم من فمي وأنفي، ثم الركل، والشتم، ولكمات أخرى متتالية، فالسحب على السلالم، فالسحل على أرض الشارع، فالسحب على السلالم الحديدية والقذف إلى أرض عربة الترحيلات المظلمة... مجاز

كان الألم قد حل محل المفاجأة، وسمعت من ينادي على اسمي، فإذ هما صحفيان في روز اليوسف، ويسألني أحدهما ماذا أصابك، أقول: لا أعرف، وأرفع ملابسي كي يتبينا ماذا أصابني، وقلت: طوبة في الأغلب، نظرا، وعرفت من ما انعكس على ملامح وجهيهما، أن الإصابة كبيرة، وقال أحدهما: ظهرك كله دم، قلت: كله، كيف؟، قال الآخر، مش طوبة أبداً، وسمعت صراخاً، والباب يدفع بقوة، ومجموعة من الرجال تدخل، تضرب وتركل، وتسب، كنت جالساً على الأرض وظهري عار، فوقفت، وتلقيت اللكمة الأولى، ثم الثانية، وبالكفين على خديي، واللكمة الثالثة أسالت الدم من فمي وأنفي، ثم الركل، والشتم، ولكمات أخرى متتالية، فالسحب على السلالم، فالسحل على أرض الشارع، فالسحب على السلالم الحديدية والقذف إلى أرض عربة الترحيلات المظلمة.

وقفت، عدلت ملابسي، وجلست، دقائق وأمتلأت العربة، المظلمة، ثم أتي شخص وأوقفني رغماً عني، ودس يده في جيوبي، وأخذ الهاتف، وحافظة النقود، وغادر. دقائق وتحركت العربة، ثم سمعت أحدهم يقول همساً: "قبض علينا يا أستاذ عبد الله، احنا ثلاثة"، تبينت الصوت، وخمنت من على الطرف الآخر، وصلنا بعد سير حوالي أقل من نصف ساعة، إلى بوابة حديدية، ثم انتظار لدقائق ودخلت العربة، وبدأنا ننزل، ونقاد إلى مبنى، وهناك تأكدت أن الثلاثة هم صحافيون في روزاليوسف أعرفهم، وكان من بينهم الاثنان اللذين كشفت لهما ظهري، أحدهما كان يقترب من بكاء صامت، فشجعته، كانت المفارقة أنه الصحفي المسؤول عن متابعة أخبار وزارة الداخلية، وكان الضرب الذي تلقاه، مهيناً بعض الشيء لمشاعره، وعرفت أنهم تحدثوا مع رئيس التحرير، عبد الله كمال، لكن المتحدث لم يعرف أني معهم في نفس العربة، فلم يخبره بوجودي.

أمرونا بأن نصطف، كي نعطي بياناتنا، كان هناك فريقان: الأول هم رجال المباحث الجنائية، والثاني رجال أمن الدولة، الفروق بينهما ظاهرة وليست في حاجة لذكاء، فرجال الأول ملابسهم غير مهندمة، بلا ذوق، أيديهم غليظة، أصابعهم هائلة السماكة، يدخنون "كليوباترا" بنهم، والآخر رجاله متأنقون، معطرون، أصابعهم أقرب لأصابع الجراحين، يدخنون "ميريت أصفر"، أصوات الفريق الأول أعلى من اللازم، غليظة، الثاني يهمسون.

تبدأ البيانات عند الغلاظ، أصل في النهاية تقريباً، يسألني: اسمك، وأكون قد تجاوزت كل المفاجأت، فأقول: أولاً فين تليفوني وحافظة نقودي التي سرقت مني، أنا بلا بطاقة، سرقني أحدكم. ناظراً إلى الأوراق، أعاد: "اسمك"، وأكرر بصوت مرتفع، وأعيد للمرة الثالثة، فيأتي واحد من أصحاب ميريت، ويطلب مني الجلوس، ويأتي الثلاثة ويتكلم أحدهم معرفاً بي، ثم يعطيه هاتفه، فيأخذه ويبتعد، وبعد لحظات يعود ويعطي الهاتف لصحابه، وأكون جالساً، ويخرج سيجارة، وأرفض، وأقول: "هاتفي ومحفظتي سرقا"، فيبتسم، ويقول: "أهم شيء نرى الإصابة"، وعلى الفور يأتي جندي معه قنينة، وقطن طبي، طالباً أن يرى الجرح، ويتحلق كل الفريق الثاني تقريباً، ليرى ظهري. لم أفهم بدقة مدى تلك الإصابة، فاخبرني واحد من أصحاب ميريت: "دا خرطوش، فارش على الظهر كله، كل بلت بقعة دم، بسيطة، تعيش وتاخد غيرها"، مبتسماً.

بعد ساعة يتجهز الصحافيون للخروج، ويأتي أحدهم بهاتفه ويحادثني عبد الله كمال ليطمئن، واعداً بأني سأخرج مع الصحافيين، لكني لم أخرج، جاء أحد أصحاب ميريت وقال لي: "لازم تتعالج الأول"، قلت: "أختي طبيبة، وفي بيتي سألقى العناية الكافية"، قال: "نعمل معاك الواجب".

********

آذان الفجر يصدح بينما تدخل سيارة الشرطة التي أركبها مع ثلاثة مصابين آخرين، وحراسة كافية يتقدمهم رائد، إلى مستشفى السلام، يسألني الطبيب، ناظراً إلى وجهي: "هذه إصابتك؟"، قلت: "بل هناك غيرها"، قال: "أرني"، فبدأت بنزع ملابسي، فقال: "انتظر"، وأخرج كل من في الغرفة. رفض الرائد الخروج، فأصر الطبيب، قائلاً: "إدارة المستشفى قررت تسجيل دخول كل المصابين في أوراقها الرسمية، وأنا الطبيب المعالج ولا يوجد غيري الآن، وسأكتب أنك منعتني من المعالجة، انتظر في الخارج لو سمحت، المريض مسؤوليتي الآن"، وخرج الرائد متبرماً.

كان هناك فريقان: الأول هم رجال المباحث الجنائية، والثاني رجال أمن الدولة، الفروق بينهما ظاهرة، فرجال الأول ملابسهم غير مهندمة، بلا ذوق، أيديهم غليظة، أصابعهم هائلة السماكة، يدخنون "كليوباترا" بنهم، والآخر رجاله متأنقون، معطرون، أصابعهم أقرب لأصابع الجراحين، يدخنون "ميريت أصفر"... مجاز

قال الطبيب: "انزع كل ملابسك واستلق، وسأحضر من يساعدني"، حين عاد بمساعده، جلس على كرسي بجوار السرير حيث أرقد على وجهي، تغطي ظهري ملاءة خفيفة، وسأل: "كنتم كثير، فعلاً؟"، أجبت: "لم يكن في الميدان متسع للمزيد"، تهلل وجه الطبيب كان ظاهراً، رفع الملاءة، ونظر ملياً، وقال: "سأعد قبل أن أستخرج، هناك ما هو عميق، وقد لا أتمكن من استخراجه، سأعدها أولاً"، وصمت لثوان، وقال: "الخرطوش ضُرب من مسافة قريبة للغاية، كم بتقديرك؟:، قلت: "لا أعرف، تصورت أنها طوبة"، قال: "أقل من خمسة أمتار حتى تحدث كل هذا"، قلت: "لم أدرك ما حدث إلا بعدها، ظننتها طوبة"، قال: "136 بلت، كرة مطاطية أكبر قليلاً من حبة العدس أبو جبة، العنق والظهر كله، والأليتين، والساقين، لابد أن تحمد الله أنها جاءت من الخلف، لو كانت في الأمام، لا أدري ماذا كانت فعلت بك، اعتبر أنك اليوم قد ولدت من جديد".

واعتبرت.

**********

أعاداني الرائد إلى "معسكر السلام"، السجن الذي أقتادوني إليه في البداية، ولم أعرفه إلا عند مشاهدتي لافتة معلقة عند المدخل، في عودتي من المستشفى؛ حيث نجح الطبيب في استخراج 90 حبة عدس أبو جبة من جسدي، وظلت الباقية، وبعضها لا زال إلى الآن، جلست نحو نصف ساعة في الباحة الصغيرة، وكانت الشمس قد أشرقت، ثم أدخلوني زنزانة، فظنّ مسجونوها أنني "وارد جديد"، فإوضحت، وأتي أحد أصحاب ميريت ليطمئن، فطمأنته.

كانت ثلاث زنزانات، فيها ما يجاوز الثلاثمئة معتقل بقليل، في الأولى كان مَنْ صنفوا على أنهم "إخوان مسلمين"، في الثانية اليساريون والناصريون، وكنت في الثالثة، غير المصنفين لدى أصحاب ميريت، خليط عجيب: عمال، شباب جامعي، أطباء، صيادلة، مهندسون، ثلاثة من ضباط الجيش المتقاعدين. أكبرهم قال إنه لواء طيار، أوسطهم عرّف عن نفسه باعتباره مقدم في المخابرات الحربية، أصغرهم كان نقيباً  في الحرس الجمهوري، وقد استفاض في حديثه معي عن أسباب تقاعده المبكر، وركز على أن مشاركته ضمن القوات المصرية في حرب الخليج (1990) كانت نقطة تحول في تفكيره، وتصوراته عن جيش بلاده.

لفت نظر الجميع تأخري في الورود، وسؤال صاحب ميريت، وربما تكرار مداوة الجراح، على يد جندي الخدمات الطبية، وبالغ رفاق الزنزانة في العناية بي وسؤالي، وحرص بعضهم على التعريف بالبارزين منهم: فهذا أول من قال "الشعب يريد إسقاط النظام"  عصر يوم الثلاثاء 25 يناير، وقف الفتى، الطالب في الفرقة الثانية في معهد خاص، في مؤخرة الزنزانة، وضرب الأرض مرتين بقدنه اليسرى، وقال: "الشعب يريد إسقاط النظام، سجّل يا تاريخ، أنا أول من قالها في شارع شبرا".

طوال يوم الأربعاء (26 يناير) كان المعتقلون يبثون أخباراً عما يحدث في الخارج: المظاهرات تتواصل، في القاهرة والإسكندرية، ارتفع شهداء في السويس، هناك دعوات للتظاهر يوم الجمعة، الغضب. في الليل تعالت صيحات: "عايزين بطاطين"، ثم: "خرجونا لنولع في البطاطين، خرجونا ح نولع في البطاطين". من زنزانة لأخرى توالى الضرب على الباب الحديدي، وتعالت الصيحات، وجاء عقيد، وقال: "أحنا مالناش دعوة، بصراحة وجودكم هنا غير قانوني، هذا معسكر لتدريب قوات الأمن المركزي وليس سجناً، هذه زنازين لمعاقبة المجندين، سيتم نقلكم، أو ترحيلكم على النيابة، خلال ساعات، أرجوكم لا تفعلوا شيئاً". وجاءت تأكيدات: "ستعرضون على النيابة في الصباح".

********

بعد فجر الخميس (27 يناير)، بقليل، قُيدت يدي اليسري إلى يمنى شاب قال إنه نجار مسلح من بولاق الدكرور، وأنه سمع شباباً يدعون للتظاهر فأنضم إليهم، عندما وصلنا إلى مبني النيابة، ووجد عدداً من المحامين مصطفين على السلالم، يصفقون ويحيون المعتقلين، وهم يرددون: بلادي بلادي، بكي الشاب، وقال لي: "أول مرة في حياتي أحس أن لي قيمة"، كان مأخوذاً بالتصفيق، فرفع يديه اليسرى بعلامة النصر.

في الباحة الداخلية الواسعة للمبنى العتيق، حيث كانت أولى المحاكم في القاهرة، راح المحامون يسألون عما نحتاجه، وبدأ توزيع علب السجائر، وأكواب الشاي والعصير، والسؤال عمن يريد الاتصال بالأهل ليطمئنهم، وسألني محام إذا ما كنت أريد الاتصال، فقلت: "فيما بعد"، فقال: "ولكن هناك من يريد مكالمتك"، وأعطاني هاتفه: "سألته: من؟"، قال: "ستعرف"، كان هاني درويش، بمرحه وصوته العميق يسألني: "أنت كويس"، قلت: "نجوت"، قال: "أطمئن".

 ففعلت ثقة في هاني.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard