قبلة مصنوعة من البلاستيك اللدن، وأخرى مركونة تحت الدرج

السبت 16 يوليو 202201:03 م

الحواس

كانت عائلتي مشغولة على الدوام بالرغيف المرّ، حيث أحدنا لا يرى الآخر بشكلٍ يومي، أو يجد الفرصة لكي يعطف عليه و يهبه حنانه أو ربما لم تكن هذه المشاعر الإنسانية تقع ضمن مخططات عائلتي اليومية. عشتُ صباي منعزلة و محرومة من "اللمة" والاحتفالات العائلية، فكنتُ أجدُ فراشي و طعامي محض "لزوم ما يلزم". كنتُ أتعرض للإهانة من قبل والدتي في أحيان كثيرة فيما كان أبي يصدّها قائلاً: "ما تحطيش زعلك في الأولاد... الفقر مش عيب". كان الفقر هو العيب الوحيد في حياتنا، لدرجة أن حياتنا أصبحت عيباً مستمراً. مات والدي عند بلوغي العاشرة، فساءت عندئذٍ كل الأمور وأصبح العنف عادةً يومية في المنزل وساحة المنزل، كنت أُضرب لأسباب واهية، تأخر خمس دقائق في الخارج بعد المدرسة، كسر كأس شاي أو مجرد أن تأتيني الدورة الشهرية. لقد سكنني الخوف والأسى حتى أنني صرتُ أقضي أغلب وقتي خارج البيت بحثاً عن أصدقاء جدد، بعبارة أشد اختزالاً : كنت أفكرُ بالمغامرة لكي أنسى تعبي، كنت أحلم بالبساط السحري والأميرات العاهرات واللصوص المغامرين وأهرب من "لزوم ما لا يلزم".

عدمُ انضباطٍ لا بدّ منه

لم أتمكن من الانضباط و تأدية واجباتي المدرسية، كان ثمة حاجز يمنعني من الانتباه لكل تلك الأشياء المضجرة التي في الكتب المدرسية، الوطن العربي وخرائطه، أنهاره وحدوده، تاريخه واستعماره وثوراته واستقلاله الوهمي، كانت بالنسبة لي مثل بثرة في كعب قدمي، لا أكثر ولا أقل. كان نجاحي أمراً يسعد والدتي، فلم أقم به. كنت أتسكع طوال الوقت بحثاً عن الصحبة والحديث والضحك والصخب ثمّ لفتتني أمور أخرى. كنت أحافظ على سرية أشيائي فلم أستطع مصادقة أحد من أخوتي. لا أعلم، ثمة نفور غريب بيننا، كأنهم كؤوس شاي وأنا حبة بازيلاء، أو كأنهم حبات بازيلاء وأنا مثلّث متساوي الساقين، وهي الفترة التي تعرفتُ فيها على وسيم، وهو فتى من الأحياء الراقية التي تختلف كلياً عن أحيائنا، بنظافتها وجاذبية بيوتها ولطافة سكّانها كما أتخيّل. كان يصحبه والده في سيارة مرسيدس زرقاء، جديدة.

كنت أحافظ على سرية أشيائي فلم أستطع مصادقة أحد من أخوتي. لا أعلم، ثمة نفور غريب بيننا، كأنهم كؤوس شاي وأنا حبة بازيلاء، أو كأنهم حبات بازيلاء وأنا مثلّث متساوي الساقين... مجاز

أحسستُ منذ البدء بجاذبيته، أو ربما خيالي المشبع بالفقر أوحى لي بهذا. إذ كان يجلس في الحديقة العامة ماسكاً علبة الكولا وكتاب يرميه فور وصولي، ثم يغمز ويبتسم. أقترب منه فيدعوني إلى الجلوس، ثم يشعلُ سيجارة مارلبورو فاخرة ويهمس: "خوذي اتكيفي... ما تحشميش... عادي، أبويا متخيل أني جاي أقرأ كتاب". يطلق العبارةَ مبتسماً، لكني كنتُ أمسك يده و أضع السيجارة بين شفتي، أسحب نفساً ثم أقول له مقهقهة: "خليك ماسكها و هي بين سناني". كنت أستمتع معه بالسجائر والطرائف السمجة و الألفاظ النابية. قبل مغادرته كان يمنحني ورقة من فئة 10 دنانير، ويردد شاداً على يدي: "أنت بنية زوينة، لكن حالك من حالي... ضايعين وسط الزحام. ما تقلقيش، ما نقولش قحبة". كنت أواعده كل يوم وفي الامتحانات كل أسبوع، لكنّ النجاح لم يحالفنا!

مكانٌ سريٌّ لرفيقين

التقينا في مكان سري هذه المرة، لقد اخترتُ الذهاب إلى البحر عند حلول أول أيام الصيف. تركتُ له رسالة ورقية عند بائع اللبن: "وسيم، الحقني للبحر، أنت تعرف...".

جلستُ على كرسي قبالة البحر، حذو بائع السندويشات إلى أن أقبل وسيم وهو يلبس شورتاً برتقالياً و قميصاً منزوعاً في يده. اقترب مني: "والله عرفتك هون. جوعانة؟". صرختُ في وجهه: "امشي، مشتاقتلك... نأكل شي خفيف ونسبح". لقد رأيته رجلاً كاملاً، قوياً و مغامراً. لا يشبه أبي. أنا أيضاً لست مجتهدة ولا كادحة ولا بغيضة. لا أشبه أمي.

أجِبني أنتَ أيُّها الحبيب
متى ستأتي
بمعولٍ فضيّ؟
أحتاجُ تدميراً جديداً.

بعد أن مشينا خطوات على الشاطئ، شعرتُ برغبة في احتضانه و تقبيله. نزعت سترتي، إذ كنت أرتدي بيكيني زهري. لقد رأيت المفاجأة والشهوة والحزن في عينيه، الشعور ذاته الذي غمرني حينها. ولجنا معاً ماء البحر، ويده ممسكة بيدي بقوة، ثم وقف خلفي وأمسكني من خصري: "صحيح صغيرة وما عندك شي باين. لكن حلوة ودافية وتشهي". لفحني النسيم البحري البارد، وكان همسه ساخناً في عنقي، إلى أن أدخل لسانه في أذني، فاستدرتُ له وقبلته في شفتيه، ثم عضضتُ شفته السفلى ولعقتها بلساني. وبعد هنيهة من التقبيل الذي يشبه فقدان الوعي، نزعتُ يدي وهربتُ من أمامه بضع خطوات، لحق بي مسرعاً: " شنو صار؟ ما تخافيش. بلعكس هذا حقنا". سحبني من يدي بقوة ثم بدأ بتدليك قضيبه ويده الأخرى بين فخذي. صفعته حينها وأمسكت قضيبه مرتعدة، فبادلني الصفعة ومرر سبابته على فرجي: "طري وصغير وملبن ها الكس... أحبك".

 كنت مأخوذة بالعائلة وهموم العائلة، كانت أحمل عائلتي كمنديل في جيب داخلي. قلت له: "وسيم، يمكن تحبني لكن حابة تتزوجني و نعملو عائلة فرحانة و سعيدة". كان صامتاً وعند حديثه كان يعلمني الحركات الجنسية وكيف يمكن أن نستمتع دون أن نهلك. كنت أعود إلى المنزل أنظر في عيني أمي بيأس وهي تتأفف، كنت أشعر أني تحرّرت من صورتها ومن صورة الكادح الذي يحفر الجبل بمعوله. كنت أطير من صورتي الجديدة التي صنعتها بأصبعين ومتعة مجّانية.

الحب على هيئة شبحٍ فحسب

كانت النهاية مختزلة مثل نهايات الأفلام، وبدا فيها وسيم محض شبح سيمرّ لأبحث عن غيره، وبمرارة مماثلة لمرارة سيليفيا بلاث، قلتُ دون صوتٍ: "ليس ثمة زواج ولا عائلة دطظطدالفرح والاكتفاء في عينيه قبل أن يغادر. ذلك الحرمان كنت أهزمه بالمجازفة والتسكع وتمضية الوقت الذي لم يكن في صالحي. هل يعقل أنني أهدرت نفسي حتى أتغلب على مأساتها؟ لقد أسفت لأجل وسيم، كما سأكون آسفة لأجل من سيأخذ مكانه في حياتي العابرة، لأجل محمد وسامر وماهر وكل الحمقى الذين صدقوا كآبتي وحاولوا هزمها. وبدا أنني أنتقل من أسف لأسف أشدّ وأمضى. وبدت حكايتي على هذا النحو: حكاية أسرّة عابرة وباردة، وقبل مسروقة على عجل ورطوبة بين فخذي لم تكتمل يوماً. لم تكن لي عائلة جيدة. لقد رفضت تماماً تكوين عائلة كيلا أتذوق الأسى مرة أخرى. هل هذا الشقاء سينتقل إلي ويلاحقني؟ كنت أقول: هل علي هزمه بالأشباح و النهايات المتكررة، كيلا يطيح بي، الأمر الذي جعلني أكتب لاحقاً:

كان الفقر هو العيب الوحيد في حياتنا، لدرجة أن حياتنا أصبحت عيباً مستمراً. كنت أفكرُ بالمغامرة لكي أنسى تعبي، كنت أحلم بالبساط السحري والأميرات العاهرات واللصوص المغامرين وأهرب من "لزوم ما لا يلزم"... مجاز

الدمُ الفسفوريُّ في الأحداق

ياإلهي كم أبدو مشعة!

من بلاد العجائبِ أستمدُّ نوراً لبشرتي

قلبي مصابٌ بالكمد، نسيتهُ في قدحِ الفورمول.

 

أجِبني أنتَ أيُّها الحبيب

متى ستأتي

بمعولٍ فضيّ؟

أحتاجُ تدميراً جديداً.

تفتّشُ عنّي في حزيران

حينما تهاجمكَ طيورٌ غريبة

وبمخالبها تفتِقُ جراحكَ

أنظرُ كم أنا بعيدةٌ عنكَ

قسوتكَ تحملها كاملةً على ظهركَ

لا يمكنكَ النجاة

لا يمكنكَ أذيّتي

كم أنتَ ضعيفٌ وقاتمٌ حينَ أهجرُكَ.

عبَرنا النّهر معاً في عشيّة غائمة

أزهارٌ متوحّشةٌ تظلّلُ طريقَنا

كلُّ أسرارنا أودعناها الحيتانَ الميتة

قاربٌ هائلٌ يحملُ جثمانَ طفلٍ غرير.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard