"موضة" وصلت إلى المغرب... شباب يقبلون على زواج المسيار

الجمعة 29 يوليو 202202:28 م

"بمجرد أن يشتد عضدها وتبدأ التلميحات، تأخذ الفتاة في البحث عن نصيبها بشكل مقنع بين وصايا الجيران ومعارف الأصدقاء والعائلة وحظوظ مواقع التواصل الاجتماعي والتطبيقات، ويا لتعاسة حظها تلك التي تعد السنوات من دون أن يطرق باب بيت عائلتها عريس. فبمجرد أن تبلغ الثلاثين، تستطيع سماع نداءات الناس لها، صادرةً عن أعينهم قبل ألسنهم، مثل ‘أيتها العانس!’، وهنا بالضبط تبدأ التنازلات"، تقول سعاد (35 سنةً)، متحدثةً عن الصور النمطية والصفات القدحية مثل "العانس" التي تحيط بالمرأة داخل بعض الأوساط التقليدية، وتردف: "أعددت لائحةً طويلةً بالأوصاف الجميلة لزوجي المستقبلي، وبعد كل سنة كنت أزيل صفةً أو اثنتين من القائمة حسب درجة الضغط الذي أتعرض له". لكن أمام غياب الزوج الموعود اضطرت الشابة، إلى القبول بفكرة زواج المسيار، لترضي محيطها، وتتخلص من ثقل الصور النمطية داخل المجتمع، التي لم تقدر على مواجهتها لوقت أكثر.

مجتمع لا يرحم

تزوجت سعاد قبل سنتين، زواج المسيار، من رجل ليبي يزورها كلما سنحت له الظروف بذلك، وتضيف ساخرةً: "في العشرينات، كنت أبحث عن شريك غنيّ يملك سيارةً فارهةً وبيتاً صيفياً، ولا ضير في أن يشتري لي سيارةً حمراء وخاتماً باهظ السعر، وأن يساعدني في فتح مشروع خاص بي. في منتصف العشرينات، كنت أريده رجلاً موظفاً محترماً يملك سيارةً اقتصاديةً ومنزلاً، وأن يهديني طقماً من الذهب في خطبتي. وبمجرد بلوغي عقدي الثالث، أصبحت أريد رجلاً ولا يهمّ مصدر دخله أو مقداره، فبإمكاني أن أستقل الحافلة لقضاء حوائجي، وسأكون سعيدةً إن استطعت الاعتناء بوالديه كما يجب، فلمُّ الأسرة في بيت واحد أمر جميل للغاية!".

"أعددت لائحةً طويلةً بالأوصاف الجميلة لزوجي المستقبلي، وبعد كل سنة كنت أزيل صفةً أو اثنتين من القائمة حسب درجة الضغط الذي أتعرض له"

حاولت الشابة تفادي وابل اللوم الذي تمطره أسرتها عليها، والتلميحات الدائمة حول ما إذا كانت تعاني من سحر يوقف الزواج بها، لذلك حملت الشهادة التي حصلت عليها وقدّمت على مجموعة من فرص العمل كي تملأ وقتها وتغيب عن البيت قدر الإمكان. تستطرد: "عملت في مجال المحاسبة، وكانت لي زميلة في المكتب متزوجة من رجل مصري مقيم في الكويت. سألتها بفضول: كيف وأين تعرفت إليه؟ فعلمت أنها كانت تحاول العثور على زوج عبر بعض التطبيقات الإلكترونية التي توفر فضاءً للتواصل بين كلا الجنسين لمن يبحثون عن شريك حياة؛ فوجَدَت زوجها".

نصف فرحة أفضل من لا شيء

لم تتردد سعاد في تنزيل التطبيق عينه بعد توصيات صديقتها به، وباتت تستقبل رسائل وطلبات إضافة وتفتح محادثات مع رجال من مختلف البلدان العربية؛ وبين من يبحث عن علاقة عابرة، ومن يريد "مرافِقةً" خلال عطلته، وبعد أن كادت تفقد الأمل، وجدت شاباً ليبياً يخاطبها بأسلوب لمحت فيه بعضاً من الجدية، فمنحته الفرصة. تقول: "بعد شهرين من الحديث عبر التطبيق عينه، صارحني بعدم قدرته على التكفل بمصاريف الزواج أو بناء بيت، لذلك اقترح عليّ زواج المسيار".

كانت هذه المرة الأولى التي تسمع فيها الشابة هذا المصطلح. بدا غريباً على مسامعها، فلا أحد من محيطها من المتزوجين أو غير المتزوجين استخدمه يوماً، لذلك سألته عن ماهيته، وبحثت قليلاً على الشبكة العنكبوتية. تردف: "صُدمت حين علمت أن الأمر يتعلق بزواجٍ خالٍ من الالتزامات المادية. كيف سأواجه عائلتي؟ وماذا سأقول لهم؟ إنني وجدت عريساً وليس معيلاً! هل سأمنحهم نصف فرحة، أم سأزعجهم؟ كان عليّ التفكير كثيراً وبتمعن في اقتراح الشاب".

في سبيل الزواج يهون المال

في الأوساط التقليدية، ترى بعض الأسر الزواج بمثابة نهاية الالتزامات الاقتصادية بينها وبين بناتها. حسب الأفكار النمطية التي تنتشر في هذه الأوساط المجتمعية، بمجرد أن تنتقل للعيش مع زوجها، لا يعود ضرورياً على الابنة التواصل معهم بشكل دائم طالما أصبح لها "معيل" جديد؛ وكأن الأمر يتعلق بعملية "التخلص من عبء ثقيل"، وتجنّب "خطر محدق"، يلاحق سمعة الأسرة، طالما تحتفظ بها تحت سقفها. تمرّدت سعاد على كل هذه الأفكار، وقررت أن تعيش حياتها كما تريد هي، لا كما يريد الآخرون.

فضلت الشابة الموافقة على هذا الاقتراح من خطيبها الليبي، واستثناء والديها من معرفة بعض التفاصيل المهمة، مثل من سيتكفل بالمهر؟ وما هو راتبه الشهري؟ وهل يملك بيتاً أم لا؟ تكمل: "تزوّجنا سريعاً خوفاً من أن يكتشف أحدهم حقيقة الأمر، وبعد أسبوع من الزواج سافر إلى ليبيا".

"بعد شهرين من الحديث عبر التطبيق عينه، صارحني بعدم قدرته على التكفل بمصاريف الزواج أو بناء بيت، لذلك اقترح عليّ زواج المسيار"

اضطرت سعاد إلى أن تكتري مسبقاً بيتاً بعيداً نوعاً ما عن بيت أهلها، لكي تقنعهم بأن زوجها هو من اكتراه في أثناء وجوده في المغرب. تضيف: "راتبي الشهري لم يكن كافياً، لذلك حرصت على اقتراض بعض المال من صديقاتي كي أؤثث المنزل الصغير". في أعين والديها ومحيطها، هي زوجة على ذمة رجل، أما الحقيقة فهي أنها امرأة على ذمة نفسها.

استثمار في بلدان الغير

قد تختلف الأسباب لكن النتيجة واحدة. علاء، هو الآخر مغربي (28 سنةً)، تزوج زواجاً مسياراً، ويقول: "بعد أن حصلت على مؤهلي الجامعي، طرقت أبواباً كثيرةً للحصول على وظيفة، لكي أعيل أسرتي وأفتح بيتاً أيضاً. لكن أقصى ما استطعت تحصيله، عمل في ورشة ألمنيوم كان يدرّ علي كل شهر ألفاً وخمسمئة درهم (150 دولاراً)، احترت كيف سأنفقها".

يعيش علاء في حي شعبي كبير حيث يسمع قصصاً من أصدقائه عن شباب استطاعوا أن ينقذوا حياتهم عن طريق الزواج بأجنبيات ميسورات مادياً، فارتأى أن يقوم بالأمر ذاته، ويجرب حظوظه على مواقع التواصل الاجتماعي. يستطرد: "صحيح لم أستطِع التعرف إلى فتاة أوروبية كما كنت أحلم، لكنني ضمنت خروجي من بلدي الذي لم يقدّم لي شيئاً، نحو بلد آخر أفضل".

"تزوّجنا سريعاً خوفاً من أن يكتشف أحدهم حقيقة الأمر، وبعد أسبوع من الزواج سافر إلى ليبيا"

يعيش علاء اليوم برفقة زوجته في سلطنة عمان التي وفرت له كل المال الضروري لتجهيز الأوراق والسفر إليها ومنحته عملاً برفقة والدها في واحد من محالّه التجارية للألبسة. يضيف: "لست مضطراً إلى دفع رسوم الكراء أو أي شيء آخر. أعيش وزوجتي وطفلها من زواجها السابق في طابق من منزل والدها منحه لها كهدية، وراتبي أرسل جزءاً منه لأسرتي، وأدّخر الجزء الآخر".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard