"جوزك بيخونك مع صاحبتك"... النبوءات المُحققة لقارئة الفنجان

الخميس 9 يونيو 202210:00 ص


يندرج المقال في ملف عن السحر أعدته وأشرفت عليه أحلام الطاهر

حرّكت الإنسان منذ القدم رغبة قوية حد الهوس في معرفة الغيب وقراءة ما يخبئ له المستقبل، ولا تخلو كل الأساطير والحكايات التراثية من قارئي الطالع وضاربي الرمل والعرافات والساحرات، الذين يتنبؤون بمصائر الملوك وبعودة المحبوب وبنهايات قصص الحب المشتعلة. لكن الآن اختفت الساحرة ذات الأنف المعقوف والمكنسة، وحل مكانها قارئة التاروت والفنجان.

 وقد بدأ فن قراءة الفنجان على يد رجال الدين في الصين، وكان يعرف بفن التاسيوغرافي، لكنهم كانوا يستخدمون أوراق الشاي بديلاً عن القهوة التي لم تكن معروفة آنذاك، ثم انتقلت هذه العادة إلى الشرق الأوسط وتركيا.

الجان والفنجان 

تنتشر اليوم تطبيقات إلكترونية لقراءة الفنجان وفك الرموز، كل ما عليك فعله هو أن تأخذ صورة لفنجانك وترفعها على الـapp ، ليقوم بتحليل العلامات تبعاً لأسلوب القراءة التقليدية، ويُطلعك على مستقبلك وعلى كل  عقدة تعرقل حياتك أو مطبّ قد يواجهك. ستعرف الحبيب والعدو بضغطة زر واحدة.

يتنبؤون بمصائر الملوك وبعودة المحبوب وبنهايات قصص الحب المشتعلة... قارئة التاروت والفنجان ورثة قارئي الطالع وضاربي الرمل والعرافات والساحرات... ملف عن السحر في 12 مادة

لكن المعتادين على قراءة الفنجان لا يعترفون بمثل هذه الوسائل "الترفيهية" الحديثة، وحُجّتهم أن القراءة لها طقوس معينة، ولا تعتمد فقط على فك الرموز، وإنما على الطاقة التي تحملها قارئة الفنجان أو "الجني" المصاحب لها. فبعض القارئين، لشدّة براعتهم، يُعرف عنهم أنهم "مخاوون" لقرين أو لأكثر من العالم السفلي. أما بقية الزبائن "المودرن" الذين لا يصدقون بوجود هذا العالم الخفي، فيؤمنون بفكرة الطاقة ووحدة الكون وشؤون الحدس، وكل هذه الأشياء قد تكون لها قوة سحرية في كشف الأمور.

تنتشر اليوم تطبيقات إلكترونية لقراءة الفنجان وفك الرموز، كل ما عليك فعله هو أن تأخذ صورة لفنجانك وترفعها على الـapp ، ليقوم بتحليل العلامات تبعاً لأسلوب القراءة التقليدية ويُطلعك على مستقبلك وعلى كل عقدة تعرقل حياتك أو مطبّ قد يواجهك... ستعرف الحبيب والعدو بضغطة زر واحدة

 يمكننا أن نرى قراءة الفنجان كسرديّة خاصة وفريدة تُحيكها القارئات، فلكل واحدة لغتها وعالمها الخاص الذي يُلقي بظلاله على الطقس ككل. قارئة الفنجان عبارة عن فنانة تصنع قصة قصيرة في مدة زمنية تمتد بين وضع البن في كنكة القهوة وانتظارها حتى تستوي ببطء على نار " السبرتاية"، ارتشاف المعني بالأمر لقهوته بأمل كشف المخفي عنه، انتهاءً بقلب الفنجان والانتظار، وحتى مرحلة القراءة.

خلال هذه الخطوات، يتسنّى للقارئة التواصل الروحي معه، تواصل الطاقات وتشغيل الحدس والفراسة، لتأليف السردية التي تصبح أكثر دقة وإدهاشاً إذا ما امتلكت القارئة خبرة حياتية واسعة وذكاءً فطرياً يمكّنها من فهم وإدراك الأمور وتحليل العلاقات وطبيعة الشخصيات التي تأتي إليها.

اذهبي إلى البحر في السادسة مساءً

تحكي لبنى (28 عاماً) لرصيف22 أنها كانت تمر بأزمة مالية كبيرة جعلت الدنيا تنغلق أمام عينيها، وكانت يائسة من الحياة، لأنها تركت عملها مضطرة إثر مضايقات كبيرة من زملائها، وذلك بعد فترة وجيزة من استقلالها عن أهلها الذين يسكنون في قرية من قرى الدلتا، وقرارها السفر والاستقرار في الإسكندرية معتمدة على دخلها المادي.

تقول: كنت سأضطر للرجوع إلى أهلي وأحتمل مضايقاتهم المعتادة لأنني لم أتزوج بعد. كنتُ يائسة وأشعر أن حياتي انتهت، إلى أن نصحتني صديقتي بالذهاب لخواجاية يونانية عجوز من بقايا الإسكندرية الكوزموبوليتانية، تقرأ الفنجان في بيتها بمقابل زهيد، فوافقتُ من باب التسلية.
وتحكي لبنى أن هذه المرأة العجوز اليونانية تقطن في بيت من بيوت الإسكندرية العتيقة، التي تشعر ما إن تدخلها بأنك انتقلت لعالم آخر، تزيده الرائحة المنتشرة غرابة. وتقول إن جيرانها وكل معارفها يؤكدون أن هذه الرائحة تخص قرين المرأة الذي يعيش معها منذ زمن.
تتحدث الخواجاية بعربية "مكسّرة"، تسب وتلعن كل شيء بمعدل كلمة من كل ثلاث كلمات تتفوه بها، وتتعامل مع زبائنها باحتقار وتعالٍ، بل وأحياناً كثيرة تساومهم بالأسرار التي تعرفها عنهم من الفنجان، مثلاً يُعرف عنها أنها ابتزّت زبونة كي تشتري لها فستاناً تريده وإلا تخبر زوجها أنها تخونه. تصفها لبنى بأنها شخصية كاريكاتورية، تصلح لفيلم من أفلام السينما المستقلة، وتقول إنها أكدت لها عند قراءة الفنجان أن هناك عملاً سينفتح لها قريباً جداً، وما عليها سوى أن تصبر وتذهب كل يوم إلى البحر في السادسة مساء.
 تقول لبنى: "ضحكت من كلامها لكن لم تكن أمامي خيارات كثيرة، فقد كنت أقصد كل الأماكن للشغل وأرسل إيميلات يومية لا تجد جواباً. اعتبرتُ ذهابي للبحر في السادسة نزهتي اليومية، حتى نسيت لماذا كنت أذهب وفقدتُ الأمل، وفي إحدى المرات وأنا هناك تعرفت على فتاتين ودار بيننا حديث ودّي لطيف، اتفقنا بعده أن نلتقي مرة أخرى، وهكذا توالت لقاءاتنا وأصبحنا صديقات. عرفت لاحقاً أنهما تريدان فتح مطعم صغير على البحر وعرضت عليهما مشاركتهما، وقد كانت مجازفة مني بالمتبقي معي من المال، لكن المطعم فتح والمشروع كبر وأصبحت له شعبية في منطقتنا، وتحققت نبوءة العجوز الخواجاية".
كانت سهير تقرأ الفنجان لمعارفها وأصدقائها فقط، دون مقابل. كانت تقول كل شيء تراه بلا مواربة، فقد تقول لك مثلاً بشكل عرضي: "أبوك هيموت" وتُكمل القراءة بكل هدوء لذلك عندما قرأت فنجان ريهام قالت لها ببساطة: "جوزك بيخونك مع صاحبتك اللي قاعدة جنبك دي"

سيعود الحب

أما نيللي (34 عاماً) فتؤمن بفكرة الطاقة وبقارئي الفنجان، وعندما كانت صغيرة، كانت تزور "خواجة" يقف في سوق النبي دانيال في الإسكندرية، يتنبأ للصغار بمصائر قصص حبهم من خلال الحروف الأولى من أحرفهم وأحرف المحبوب، تقول: "كنا نذهب ونتعرض لمضاياقات المارة والباعة اللذين يتهموننا بالكفر لأننا نقرأ الغيب".

انتقلت نيللي حديثاً للعيش في كومباوند في الشيخ زايد، وهناك تعرفت على واحدة رهيبة – كما تصفها- تقرأ الفنجان والشموع، تقول إنها تقرأ هالة الشمعة ومن خلالها تعرف كل شيء، وتؤكد نيللي أن هذه المرأة لابد أن تكون " مخاوية" لأن ما تعرفه وتتنبأ به لا يخرج إلا من شخص عنده جني يُطلعه على كل تلك الأمور.

و من ضمن تجاربها مع هذه المرأة، أنها دخلت قصة حب مع شخص مناسب جداً لها، كانا منسجمين ومتفقين على كل تفاصيل علاقتهما، لكن الحكاية خربت فجأة دون أسباب واضحة، وتعقدت التفاصيل بينهما ولم يكن هناك سبيل للرجعة. تقول: "كانت حكاية ميؤوساً منها، لكنني كنت أفكر فيه  طوال الوقت بطريقة مرَضيّة دون أسباب واضحة، وهذا جعلني أشعر بالارهاق الذهني والنفسي، فذهبت لهذه المرأة التي أوقدت الشموع  وشغّلت عفاريتها، وتنبأت بأن  هذا الرجل سيعود وأننا سنصبح مثل السمن والعسل، وهو احتمال لم أصدّقه حينها  لأن مسار الحكاية يقول إن النهاية حلّت وانتهى الأمر، لكنها كانت تؤكد بكل ثقة في علمها ومعرفتها بأن هذا ما سيحدث، وقد حدث بالفعل ودون مقدمات، عاد هذا الرجل وتوطدت علاقتنا وهو زوجي حالياً".

خيانة الأصدقاء

لكن لريهام حكاية مختلفة قليلاً، مع سيدة غريبة اسمها "سهير"، تقرأ الفنجان لمعارفها وأصدقائها فقط، دون مقابل، وتقطن في منطقة شعبية في حواري منطقة الضاهر. تعرفت عليها من خلال أصدقاء لها يحبون هذه الأمور، ويتفقون على موعد معين يذهبون فيه لهذه المرأة التي تحب "اللمة" وتُشغّل دائماً أغنية أم كلثوم "أغداً ألقاك"، ولا تتنازل عن هذه الأغنية أبداً. يقول الأصدقاء إنها تشغل هذه الأغنية مناجاة لزوجها الميت.

تضع سهير " الطبلية" النحاس على أرضية بيتها المصنوعة من البلاط الأزرق، في غرفة مدهونة بالجير المتهالك، تثبّت السبرتاية على الطبلية التي يلتف حولها الموجودون، وتختار واحداً منهم لتقرأ له الفنجان، هي من تختار وصاحب الحظ الجيد أو السيء من يقع عليه الاختيار. تحكي ريهام أنها ذهبت مرتين بدافع التسلية والجو الحميمي الذي كانت تميل إليه في ذلك المكان، ولم تكن تهتم كثيراً بقراءة فنجانها لأن حياتها مستقرة، وهي لا تحب المفاجآت على أي حال، لكن في إحدى المرات وقع الاختيار عليها هي.
وكان من عادة سهير أن تقول كل شيء تراه بلا مواربة، فقد تقول لك مثلاً بشكل عرضي: " أبوك هيموت"، وتُكمل القراءة بكل هدوء وهي تصلّي وتسلّم على النبي، وتقبّل يديها "وش ظهر"، لذلك عندما قرأت فنجان ريهام قالت لها ببساطة: "جوزك بيخونك مع صاحبتك اللي قاعدة جنبك دي".
خيّمت غيمة سوداء على الجميع، واحتاروا بين أن يصدّقوا سهير وتخرب علاقتهم ببعضهم أو يكذّبوها فيخسروا جلستهم وعرافتهم، لكن الرصاصة كانت قد خرجت ولا أحد استطاع إعادتها إلى مكانها. ظلّ كلام المرأة عالقاً في ذهن ريهام وبدأت بتفتيش أشياء زوجها، تليفونه وملابسه، وشجعتها بعض الصديقات اللواتي كن في الجلسة على التأكد من الخيانة إن وُجدت.
تقول: "بحثت كثيراً خلفه وخلفها ولم أجد دليلاً قاطعاً، كانت مجرد شكوك لكنها شكوك لا ترحم، اضطرتني للذهاب لبيت صديقتي كي أحكي معها بخصوص ما حدث، وهناك وجدتُ ساعة زوجي على طاولة القهوة. لازلتُ حتى اليوم أشك في أنها وضعتها هناك عنوة كي أراها وأتأكّد، لكنني تعاملت مع الأمر بهدوء. تحدثت مع زوجي وقررنا أن نقطع علاقتنا بهذه الصديقة وبالشلة كلها، ومن يومها لم أذهب عند سهير مرة أخرى لأن الباب اللي جيلك منه الريح ...".

الأسماء في هذه الشهادات مستعارة مراعاة لخصوصية أصحابها اللذين حكوا شهاداتهم لرصيف22 مباشرة بدافع الشغف وتبادل المعرفة. ولقد تم التواصل معهم من خلال صديقة كانت لها حكاية وباع طويل مع قراءات الفنجان بين الإسكندرية والقاهرة، وكانت تتردد على العرّاف في سوق النبي دانيال، كما أوصلتني بأكثر من زائرة لقارئة الفنجان اليونانية في الإسكندرية، وتمت هذه المقابلات من خلال مكالمات تليفونية مباشرة مع أصحابها الذين تربطهم كلهم ببعضهم دوائر مشتركة وعلاقات متشابكة بين أكثر من مدينة مصرية ويجمعهم حبهم وشغفهم بهذه العادة.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard