قُبلة العام الجديد على طريقة الطلاينة

السبت 30 يوليو 202201:31 م

أمكّن عاشقي من صحن خدي

 

تفوح رائحة قشر اليوسفي في آخر أيام العام، وتحمل معها قبلات لم أجربها، صوت إرسال التليفزيون القديم في غرفة منزلنا يمهد لحصاد العام المنقضي، من المسلسلات والأغاني والأفلام، بصوت مذيعات متبرّجات بزينة نهاية التسعينيات من القرن الماضي.

بيتنا لم يكن يعرف الاحتفالات في هذا الوقت من العام، حتى جاء قريب من أوروبا، بعد عشر سنوات قضاها في إيطاليا، ليعلمنا كيف نحتفل على طريق "الطلاينة". القليل من الخمر والقبلات والموسيقى! لا أعلم لم وافق أبي على الاقتراح، بل وتم اختيار منزلنا ليستضيف الفكرة.

"ما بلاش نتكلم في الماضي"

كنت نائماً على أريكة رخيصة في منزلنا القديم في يوم صدور هذه الأغنية الشهيرة للفنان عمرو دياب، وقد أقعدني دور برد شديد زارني بثقله قبل يوم عيد ميلادي بيوم واحد. رائحة قشر اليوسفي تدغدغ أنفي بينما آكل الحبة السادسة بنهم، وأمي تصر على أن أتناول حساء الدجاج الذي أمقته، حاولت أن أشرح لها أن حبي لليوسفي المليء بالكالسيوم هو منحة إلهية تغنيني عن تناول الحساء، ولكنها كل مرة تأخذ الأمر بشكل شخصي.

"الماضي ده كان كله جراح"... عمرو دياب يقطع حوارنا، ويذكرني بجرح في حلقي من جرّاء هذا الاحتقان، وأفكر لماذا لم أقبّل فتاة حتى الآن وقد قاربت على عامي التاسع عشر. يجعلني عمرو أحلم ولا تتركني أمي إلا وقد شربت الأناء كله مضطراً.

قبلة من جنوة

كيف يقبلون الفتيات في جنوة؟ سؤال جال بخاطري بعد أن أغلقت خط التليفون الأرضي مع قريب أبي، "الطلياني" الذي يريد تأكيد موعد الاحتفال. أخبرته بصعوبة وسط سعال شديد أن أبي ليس بالمنزل، وحمسني للاحتفال عندما قال لي: "سوف أحضر لك هدية العام الجديد". تمنيت أن تكون فتاة إيطالية لطيفة كتلك التي زارنا بها منذ خمسة أعوام، وأخبر أمي أنه خطط للزواج منها. كانت ممشوقة القوام ونحيلة وتضحك كثيراً، لم تكن تتحدث الإنجليزية وكانت لغتها الإيطالية بها الكثير من الإثارة والغواية.

"الماضي ده كان كله جراح"... عمرو دياب يقطع حوارنا، ويذكرني بجرح في حلقي من جرّاء هذا الاحتقان، وأفكر لماذا لم أقبّل فتاة حتى الآن وقد قاربت على عامي التاسع عشر. يجعلني عمرو أحلم ولا تتركني أمي إلا وقد شربت الأناء كله مضطراً... مجاز

كيف تبدو جنوة؟ هل كل الفتيات نحيلات مثل "لينيا"؟ وهل طعم القبلة في جنوة يختلف عنها في بقية أنحاء إيطاليا والعالم؟ هل تشبه طعم اليوسفي؟ هل لها نفس ملمس القشر الناعم الذي أحبه أكثر من الخشن؟

هل يزرعون اليوسفي في جنوة؟ سألت نفسي وأنا أتناول حبة مكتنزة منتفخة بالهواء. ألا تشبه شفة أحدهن؟

النَذر

حكت لي أمي أنه منذ عامي الأول وأنا أصاب بدور برد في نفس توقيت يوم مولدي والذي قد يمتد لمدة أسبوع أو أكثر وهكذا أقضي يوم الميلاد في السرير متعرقاً ومعه قد تضيع بهجة الاحتفال بالعام الجديد حيث قد يمتد إلى باكر أيام العام الجديد، صدفة عجيبة سنوية. وُلدت في الأسبوع الأخير من شهر ديسمبر، ويتحكم في مصيري كوكب زحل، طبقاً لأعراف برج الجديّ. سألتها ربما يكون هذا السبب! زحل الوعر المظلم المرتبط بعوائق الحياة. قالت لي: "يجب أن أوفي بالنذر".

اعتدت على أن تكون نزلة البرد هي صديقتي في كل يوم ميلاد، ولكن تمنيت أن أشفى هذه المرة حتى أكون جاهزاً ليوم الاحتفال الطلياني، لازال التلفزيون يذيع "مابلاش نتكلم في الماضي" للمرة الخامسة في يومين، والهواء يداعب ستارة بيضاء في الفيديو كليب. أحب الجزء الذي يقول: "أنا أقرب لها من الناس كلها وبنيت لها أجمل قصر وبيت".

اتفقت مع أمي أن تحكي لي حكاية النذور في مقابل أن أتناول حساء الدجاج المقيت لمدة مفتوحة تحددها هي. حاولت تقبّل فكرة أنه قد يكون عاملاً مساعداً للشفاء قبل احتفال الطلياني. لن أخسر شيء.

"ينذر المسلم نذراً بأن يطعم عدداً من المساكين، أو ينفق مبلغاً من المال لوجه الله بنيّة ما قد تكون الشفاء من مرض، فك دين أو كربة، زواج، قضاء حاجة… إلخ". شرحت لي أمي وهي تضع الدجاجة التي سوف أشرب مرقها بعد قليل في ماء ساخن، ويتصاعد الدخان لكي يغطي ملامح وجهها، كما يغطي الدخان على وجه الفنان عمرو دياب في "مابلاش نتكلم في الماضي".

"لقد نذرت أن أطعم مائتين من المساكين إذا ظللت حياً حتى عامك التاسع عشر!".

مات قبلي ثلاث بنات قبل أن آتي إلى العالم، لم يعش لأمي طفل أكثر من عام واحد قبل أن أجيء وأكسر القاعدة، وبدلاً من أن أسالها عن سر "التسعة عشر عاماً" بالتحديد، بادرت بالأسئلة الأهم:

"لماذا لم يتزوج أونكل حسني لينيا؟"

"لقد تزوجها"

"هل قبَّلها؟"

الدجاجة تغلي وأمي لا ترد!

"كيف يقبلون الفتيات في جنوة؟".

الطلياني

كان له لحية كثيفة وملامح الصعيد حفرت في وجهه أودية جعلته مثيراً، صوته عميق يأتي من قرب محافظة الأقصر، روح ملك فرعوني تتلبسه، ومحافظة قنا على الخريطة تشبه عروق يده النافرة. لا يصمت أبداً. ضجيج اللغة الإيطالية يخرج من لسانه ممتعاً وبراقاً وبصوت أجش خشن، وبرغم إني لا أفهم شيئاً، فقد حاولت مرات عديدة أن أفسّر ما يقول، كم هي ساحرة تلك "المدود" في نهاية الكلمات الإيطالية. قال لي- عندما زارنا منذ خمس سنوات- إن الشتاء في جنوة قارص، بعد أن أخبرته أني أحب الشتاء. ربما أحملك إلى هناك ذات يوم، أو يحملك القَدر والرياح وتقذف بك على ساحل المتوسط. هل تتحمل الصقيع؟ قلت له: أنا ابن الشتاء. رد بأنه مولود في قنا في شهر أغسطس ومات قبله ولدان!

ابن الشتاء

قمت بفصل فصوص حبة اليوسفي التي أتناولها ،ووضعت اثنتين منها محاولاً تقليد شكل الشفاه، وبدأت بالتمرين محاولاً تخيّل أنها لفتاة ما. لم أفكر في واحدة بعينها، وفي كل مرة أجرب أجد نفسي أرشف عصارة الفص بدلاً من التركيز في طريقة التقبيل. طعم اليوسفي ورائحته أكثر غواية. الطعم الحمضي الحلو على مسام اللسان يجعل حلقي الملتهب متلهفاً للقطرة الأولى. يصبح اليوسفي منحة عندما أكون مريضاً.

قمت بفصل فصوص حبة اليوسفي التي أتناولها ،ووضعت اثنتين منها محاولاً تقليد شكل الشفاه، وبدأت بالتمرين محاولاً تخيّل أنها لفتاة ما. لم أفكر في واحدة بعينها، وفي كل مرة أجرب أجد نفسي أرشف عصارة الفص بدلاً من التركيز في طريقة التقبيل... مجاز

أجتمع في الشتاء مع ذاتي، واستجمع وحدتي وأنادي على كوكب زحل البعيد الغارق في الظلام، هناك في نقطة ما ترقد أخواتي البنات اللاتي توفين قبلي. لم أحاول أبداً أن أسأل أمي عن أي شيء يخصهن! هي تتحفظ في كل الأحوال عن الحديث في هذا الأمر. يرقد أمامي قشر اليوسفي في هيئته الدائرية أو البيضاوية وبداخله بواقي البذر الأبيض، أكلت ما يزيد عن الكيلو بينما أفكر في طبيعة الهدية التي سوف يجلبها لي حسني الطلياني.

 هل يمكن أن يُزرع اليوسفي على كوكب زُحل يوماً ما؟

19

صوت غناء بالإيطالية يأتي من خلف باب الشقة، أونكل حسني الطلياني يعتقد أنه في جنوة، استعذب الغناء وأتمنى أن لا يُفسد أبو محسن العجلاتي، الذي يقطن في الدور الأرضي، متعتنا. يجتمع في المنزل أفراد من العائلة، أعمام وخالات وأقارب وأزواجهن وزوجاتهم. لا يوجد أطفال تحت سن الخامسة عشر!

أفتح الباب في حماس وأنا أغالب سعالاً في صدري. لا تزال درجة حرارتي مرتفعة. الطلياني وحده يحمل صناديق كثيرة وزجاجات، أساعده على حملها مع أبي، ونبدأ في فتحها، بينما يقترب بقية أفراد العائلة. الطلياني وحده تماماً!

يصيح بصوت "قناوي": "Buon Anno".

يصيبني الدوار، الحمّى تجعلني لا أقوى على التجاوب مع الجمع الذي يضحك ببذخ، أجلس وسطهم وبدأت أمي تحكي للكل عن النذر. لم يصبح سراً، أو ربما يعرفون قبلي! وقد يكون خشية أمي من الحسد جعلها تكرر أني مريض.

"أين هديتي يا أيها الطلياني الكاذب؟". يضحك بصوت عال وهو يتشارك نكتة خارجة مع زوج خالتي. أرى خيالاً لنجمة على زجاجة يمسكها بيده. حولنا زجاجات كثيرة وحلويات شرقية وغربية، وأكلت وامتلأ بطني، وحرارتي تزيد. قشر اليوسفي صنع جبلاً على المنضدة القريبة. رائحته تحييني، تبقيني منتبهاً. الساعة الثانية عشرة تقترب. باقي ساعة واحدة على العام الجديد، عقرب الدقائق يلتهم وجهي.

"يمرض كل عام أفضل من أن يموت". صرحت أمي لطنط "…."... نسيت اسمها!

"غداً أوفي بالنذر ولن يمرض مرة أخرى، تسعة عشر هو آخر رقم فردي قبل سن العشرين، بإذن الله لن يمرض مرة أخرى في يوم ميلاده".

رائحة اليوسفي تبقيني حياً

الطلياني يلعب الكوتشينة مع كل رجال العائلة. مذيعة حمقاء تعلن عن العد التنازلي للعام الجديد. يغلق الطلياني الأنوار ويطلب من كل الأزواج بالمكان الاقتراب من زوجاتهم استعداداً لقبلة العام الجديد. اليوسفي نفذ بالكامل!

الطلياني يقود الحضور للعد التنازلي بالإيطالية، لا أقوى أن أفتح فمي لأشاركهم. الصوت يعلو وأبو محسن لم يفعل شيئاً.

فجأة يرن جرس الباب قبل نهاية العام بدقيقة واحدة!

يطلب الطلياني أن يفتح الباب بنفسه، وهناك أرى لينيا، نعم لينيا، لم تصبح نحيفة. زاد وزنها وأصبحت أجمل. لا أدري هي الحمّى أم الحقيقة!

عقرب الدقائق يقترب من عقرب الساعات ليقبّله هو الآخر، ويعلنا سوياً موت عام قديم ومولد عام جديد.

يتحدث الطلياني إلى لينيا ويسحبها ناحيته ليكتمل عقد الأزواج، ثم يثرثر مرة أخرى بالإيطالية ولا أفهم شيئاً، ولكن من خلف لينيا تأتي فتاة صغيرة لا يزيد عمرها عن أحد عشر عاماً، صارخة الجمال وترتدي جاكيت لونه برتقالي. لها شفاه لا تشبه أياً من الفاكهة. عيناها تشبهان لون الطلياني، وبشرتها تشبه لينيا. الحمّى جميلة.

"أمارا... بنتي" mia figlia

متى أنجبها؟ لا يهم!

بُهتُّ. أنا وأمارا نقف على أطراف زُحل ونأكل اليوسفي ونستمع لعمرو دياب.

أشار لها وتحدث بسرعة بينما يتبقى عشرون ثانية للعام الجديد.

عانق العقربان بعضهما. أبي يقبل أمي.

اقتربت أمارا من المحموم، وضحكت، وقبلتني قبلة طويلة!

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard