قبلة زائفة لميرفت أمين

السبت 18 يونيو 202211:30 ص

أمكّن عاشقي من صحن خدي


قبلة أولى

يتحدثُ أيُّ أحد منا عن قبلاته- خارج المؤسسة الرسمية- إما بدافع الاعتراف قبالة ضميره الزائف "لبنة الرب الأولى داخل الإنسان"، أو بدافع المباهاة على اعتبار أنه كان دنجواناً. إن القبلات العربية على الأعم، تارة بطولات و أخرى خطايا.

لكني بدافع التعلم و المكاشفة الأدبية أودُّ اليوم الحديثَ عن أظرف قبلاتي، وفي مجتمع موبوء لا يحصلُ فيه المرء على قبلته الأولى مجاناً، فقد دفعني الكبت وفضول التجربة المُبرر آنذاك، لمضاجعة عاهرة طاهرة بمبلغ زهيد، وكلمة "عاهرة" ليست مدنّسة بالكامل، فأحسبُني وقتَ ممارسة الجنس بمقابل نقدي كنتُ أنا الآخر عاهراً أيضاً، بمعنى أننا كنا طاهرين إلى أقصى حد من العفوية و الفسق، وهي بالفعل صفقة عهر مبررة، نقحم فيها أجسادنا بفعل الرغبات لا العواطف، في مباراة نهايتها محسومة، يبردُ الجسدان وتنتهي اللعبة إلى فوز وخسارة بالآن نفسه، عند الطرفين.

أهدرتُ قبلي الأولى في رقبة ووجنتي امرأة رفضتْ أن تهبني فمها، فلدى العاهرات، كما لدى المؤمنين السذّج، حيل معلبة بأنّ الفمَ للحبيب، وبقية الجسد، بما فيه الكس والطيز والأثداء، لعابري السبيل، على اعتبار أن الجسد وقد فقد عذريته لم يعدْ ذا أهمية، وهي مغالطة مضحكة ليس هذا أوان الإحاطة بدلالالتها.

ضيّعتُ قبلاتي الأولى إذن بعشوائية و تلهف مراهق غير خبير، ذلك أن القبلة كالقهوة، تؤخذ لحساً و على مهل، وليس كما يلتهم العربي المهاجر فخذ الدَّجاج الساخن، لكني خرجت مزهواً بالنصر كأني قبلتُ ميرفت أمين، وفعلتُ ما لم يفعله أحد من أقراني. إحساس خائب بأني صرت رجلاً وجعلتُ امرأة تتأوه دون أن يراودني الظن بأنها تتأوه تمثيلاً، لإقناع زبون غشيم مثلي برجولته الشديدة وأذاه اللذيذ.

"شو هالبوسة الترللي"... لم أقل تلك العبارة لأن الأغنية لم تكن آنذاك قد وجدت في تاريخ حياتي، وعوضاً عن ذلك قرأتُ بيتاً للمتنبي يصفُ قبلتي الثانية:

قبلتُها و دموعي و مزج أدمعها وقبلتني على خوف فماً لفمِ.

قبلة ثانية

تعرفتُ على فتاة سمراء ذات أصول أفريقية تعملُ في مكتب يعودُ لمؤسسة الهلال الأحمر، الفتاة تكبرني بأعوام لكننا اتفقنا أن أزورها كل خميس في المؤسسة حيث تكون وحدها، وبدأت هنا محاولاتي المتأنية بالتقبيل دون الجنس، إذ بدت الفتاة متخوفةً من فقد عذريتها، ومن ألم نيك الطيز أيضاً، ولم أجد في نفسي حاجة لإقناعها بشيء لم تكن عندي رغبة ملحة بتجربته، ذلك أنني أحبُّ القبل أكثر من الجنس، وبعبارة أخرى أنني أقبّل لأستمتع وأستكشف، وأضاجع لأرتاح:

أمكّن عاشقي من صحن خدي

و أمنح قبلتي من يشتهيها.

أهدرتُ قبلي الأولى في رقبة ووجنتي امرأة رفضتْ أن تهبني فمها، فلدى العاهرات، كما لدى المؤمنين السذّج، حيل معلبة بأنّ الفمَ للحبيب، وبقية الجسد، لعابري السبيل... مجاز القبلة

أردد ذلك أحياناً و أغنيه كموال، وأنا أحلم بأن أقبل كل امرأة يمكنني اختراعها أو استعادتها، محاولاً أن أقول إن الحب في تلك اللحظة الشهية لا في الأبدية الغاشمة، و بعبارة أخرى أود ألا يقصها المحرر:

"المرح حلو و التبويس حلو ، كس أخت الجسد الذي يدلّه شبح أعمى على الطريق".

قبلة لم تكتمل

القبل التي لا تكتمل كانت في سوريا، عبرَ الشفاه السورية كانت القبلة التي يصحُّ أن أزعمَ أنها قبلٌ على أصلها و أصولها، ولا أقول ذلك منحازاً، إنما متصالحاً مع محطات سفري الأول. وددتُ عندئذ أن أنسى لساني هناك، وخيل لي أنها المرة الأولى التي أسأل نفسي: هل يبدو فمي حلواً أم مستعمِراً وفاتحاً؟ هل هو فم شاعر أو فم مهاجر مكبوت فحسب؟

في مجتمع موبوء لا يحصلُ فيه المرء على قبلته الأولى مجاناً

قبلتُ طيلة حياتي عن حب ونبل سيدفعاني للعودة مرة بعد أخرى، عودة العارف الذي يؤمن أن قبلته على طولها لم تكتمل بعد.

قبلة زائفة

يرتعشُ الجسد كالرغوة و أُثار بمجرد تقبيلي من شفتي ومص وجنتي، فأشعر أنني لم أتجاوز مراهقتي بعد، وأعلم أن التقبيلَ ليس علماً أو فناً. إنه مداهمة عفوية ولعبة يتم ابتداع خططها عند كل مرة نقبّل بها. ليس في قبلي ندم أو ألم، إنما سعادة محضة، وهو ما أقوله دوماً: إنها قبل مسروقة من خيالاتي و خيالات آبائي، فالعيون العربية تفقأ عيون المجهر إذا ما رتبنا موعداً غرامياً، ثم أنني لا أحب القبل في الشارع أو في القطار البتة.

أين يذهب المرء إذا أراد أن يقبل بروية؟

إلى الشقة المعتمة؟ ذلك هو القدر الأدنى من إملاءات الموت!

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard